
مر أسبوعان على ذلك اليوم الذي عادت فيه السيارات محملة بـ “الجهاز”. كانت قد عادت كما كانت قبل الخطوبة، لكن البيت لم يعد كما كان. كانت الأجواء محتقنة بالترقب والهمس؛ أمهات أقاربها يتناوبن على زيارة منزلها، يحملن نظرات تتراوح بين المشوب بالفضول، واللوم المبطن على “قرار متسرع” قبل الفرح بأيام معدودة.
كانت ندى تجلس في صمت، تصغى إلى الهمسات التي كانت تصلها من وراء الأبواب المغلقة: “عروسة ترجع حاجتها قبل فرحها بشهر؟”، “كانت تصبر والموضوع كان يعدي!”، “مين هيتقدم لوحدة كتبت كتابها واطلقت قبل الزفة؟”. لكن كل تلك الأسماك الميتة التي سبحت في بحر كلام الناس لم تكن لتهز اليقين الذي استقر في قلبها.
-
خالة جوزى 2 حكاوى شيمومنذ يوم واحد
-
أحدث أفلام السنيما المصرية 2024يوليو 3, 2024
في صباح يوم الثلاثاء، كان الموعد المحدد عند المأذون لإنهاء إجراءات الرسمي. جلست ندى في مكتب المأذون الصغير بملابسها السوداء الهادئة، يرافقها والدها وعمها. وبعد دقائق، دخل حسام برفقة والده. كان يبدو عليه الإرهاق، لكن عينيه كانتا تشعان بنوع من التحدي الرخيص؛ رغبة في إثبات أنه هو من “يستغني”، وليس هو من أُقصي بسبب سوء تصرفه.
حاول المأذون، بحكم وظيفته وطبيعته، أن دور : “يا جماعة، ده أبكار وكتب كتاب، شاطر.. الفرح كان فاضل عليه أيام، ما تدوا فرصة ثانية؟”
قبل أن يتكلم والدها، نظرت ندى للمأذون بثبات وقالت: “يا شيخنا، الفرصة بتُعطى للي يغلط في حق أو ، مش للي ينتهك حرمة وحق غيره ويشوف إن الاستقواء فرض واقع. أرجوك كمل الإجراءات.”
نزل كلامها كالصاعقة في الغرفة الصغيرة. نظر إليها حسام بنظرة حادة، ثم قال وهو يوقع على الأوراق بحدة: “أنتِ فاكرة إنك كده كسبتي؟ أنتِ خرجتي من التجربة دي بلقب مطلقة، وشوفي مين هيقبل بيكِ بعد كده دي والتفكير ده!”
رفعت ندى رأسها، ونظرت في عينيه دون أن يطرف لها جفن، وبنبرة خالية تماماً من الانفعال ردت: “لقب مطلقة بشرف وكرامة أحسن ألف مرة من لقب زوجة مكسورة ومستباحة جوة باب مقفول. أنا ما خسرتش يا حسام.. أنا أنقذت نفسي منك، وده أكبر مكسب طلعت بيه.”
وقّع الجميع، وأمسكت ندى بورقة طلاقها. لم تشعر بالانكسار وهي تمسك بتلك الورقة ذات الإطار الأسود، بل شعرت وكأنها شهادة ميلاد جديدة تُكتب لها، قسيمة إفراج عن مستقبلي كان يتجه نحو الهاوية.
خرجت من مكتب المأذون، والشمس كانت ساطعة في منتصف النهار. تنفست الصعداء، وكأن الهواء أخيرًا يدخل رئتيها دون طعم الدهان الجديد أو خشب العفش الذي ارتبط بأبشع لحظة في حياتها.
بعد شهرين من الحادثة، وقبل أيام قليلة من الموعد الذي كان مفترضاً أن يكون “يوم زفافها القديم”، تلقت ندى إشعارات على هاتفها من أصدقاء مشتركين. كانت الصور تنتشر لحسام وهو يحتفل بفرط استعراض ببدء خطوبة جديدة من فتاة أخرى من معارف عائلته البعيدين، وكأنه يحاول إثبات أن حياته لم تتوقف، وأن المشكلة كانت كلياً في “ندى”.
أتت والدتها إليها بالهاتف وهي تبكي بحرقة: “شفتي؟ خطب غيرك في شهرين! الناس هتقول إن العيب كان فيكِ أنتِ عشان كده سابك وخطب فوراً!”
ابتسمت ندى ابتسامة هادئة، وأمسكت يد والدتها وجلست بجوارها: “بالعكس يا أمي.. الصور دي أكدت لي إني صح. اللي يغير مشاعره ويتجاوز أزمة كادت تهد حياة بني آدمين في شهرين، ده شخص بيلبس أقنعة، وما يفرقش معاه غير ذكورته ورغباته. الفتاة الجديدة دي هي اللي محتاجة الدُعاء، لأنها رايحة لنفس الفخ اللي أنا خرجت منه بصعوبة.”
في تلك الليلة، قامت ندى بخطوة جادة؛ جمعت كل بطاقات الدعوة القديمة، والفستان الأبيض الذي كان معلقاً كشبح في زاويتها، وقررت التبرع بالفستان لجمعية خيرية تزف به عروساً أخرى قد تجد فيه سعادتها، وقامت بحرق بطاقات الدعوة واحدة تلو الأخرى في صحن معدني صغير ببالكونة غرفتها.
مع كل ورقة تتآكلها النار، كانت ندى تشعر بأن جزءاً من الثقل المادي والنفسي يتبخر في الهواء. لم تكن تبكي على ما فات، بل كانت تخطط لما هو قادم. فتحت حاسوبها المحمول، وبدأت في التقديم على منحة دراسية في إدارة الأعمال كانت قد أجلتها في السابق من أجل التفرغ لترتيبات الزواج وإرضاء حسام.
وفي الوقت الذي كان البعض يظن أن ندى قد انكسرت وانزوت في غرفتها تندب حظها، كانت هي تبني النسخة الأقوى من نفسها؛ النسخة التي تعلمت أن “الباب المغلق” لا يجب أن يخفي وراءه الخوف، وأن حدود كرامتها خط أحمر لا يمكن مساومته، مهما كان الثمن الاجتماعي باهظاً.
لكن الأيام كانت تخبئ مفاجأة لم تكن في الحسبان، حين بدأ هاتف ندى يرن مجدداً بعد ثلاثة أشهر من ، وهذه المرة لم يكن المتصل حسام ولا والده، بل رقم غريب سيغير مسار الأحداث تماماً.
