Uncategorized

خطة اختي ١حكايات زهرة

بعد وفاة جوزي بقيت اروح اخدم اختي الكبيره بمقابل مادي علشان اصرف على عيالي ، ورغم اني اختها الوحيده لكن عمرها ما نسيت ان المرحوم جوزي اختارني انا وسابها، وفي عيد ميلاد بنتها بعتت جوزها ورايا لحد الحمام واللي عملته معايا قدام العيله كلها مستحيل يخطر على بال اقذر البشر!

بعد ما جوزي مات، الدنيا اسودت في وشي فجأة. جوزي الله يرحمه كان شغال في مصنع، مركزه كويس وحالته المادية مستورة، ومكنّاش محتاجين لاي حد. عيشتنا كانت عال العال، لحد ما في يوم وليلة تعب، والأطباء قالوا عنده ربو شديد ومينفعش يرجع المصنع تاني. قعد في البيت، وبدأت مصاريف العلاج تأكل في اللي حوشناه، وما كملش فترة قصيرة وتوفاه الله.
​لقيت نفسي لوحدي مع طفلين في المدارس، محتاجين مصاريف وأكل وشرب ومستقبل. تدوير الشغل مكنش سهل، ملقتش أي فرصة مناسبة تطلعني من الأزمة دي. وفي وسط الحيرة دي، ظهرت أختي الكبيرة. أختي سهام متجوزة واحد ميسور الحال ومبسوطين جداً، جت وعرضت عليا اشتغل عندها في البيت، أخدمها تنظيف وطبيخ، وهي هتديني أجر يكفيني

أنا وعيالي.
​الموضوع كان صعب أوي على نفسي، يجرح ويوجع، بس قولت: “الظروف أحكام، ومفيش شغلانة أقيم من إني أأكل عيالي بلقمة حلال، دي أختي برضه، ومؤقتاً لحد ما ألاقي شغل تاني”.
​بدأت اليوم الروتيني الشاق، أودي عيالي المدرسة الصبح، وأطلع على بيتها أخدمها. بس مع الوقت اكتشفت إن القصة مش مجرد مساعدة… أختي كان أكبر هواية عندها إنها تذلني، وتفهمني وتوريني كل لحظة “شوفي أنا فين وأنتي بقيتي فين!”.
​هي مكنتش قادرة تنسى اللي حصل زمان. زمان، لما جوزي الله يرحمه سكن جارنا في العمارة، أختي سهام أول ما شافته أعجبت بيه وحطت أمل إنه يتجوزها. ولما جه اليوم اللي قال لأبونا إنه جاي يزورنا ويقابله، أختي جهزت نفسها وتوقعت إنه جاي عشانها هي بصفتها الكبيرة. بس الصدمة لما قعد مع أبويا وقال بوضوح إنه جاي يطلب إيدي أنا… الصغيرة.
​سابها وخطبني، واتجوزنا وعشنا حياتنا. ورغم إن السنين عدت، وهي اتجوزت راجل أغنى، وجوزي مات وخلاص الدنيا اتبدلت، إلا إن النار اللي في قلبها مكنتش عايزه تطفي. مكنتش قادرة تصفى ولا تسامح إن
المرحوم اختارني أنا وسابها هي.
​أنا كنت بستحمل إهانتها ونظراتها المسمومة والتقليل مني قاصدة، أبلع الإهانة، وأقول لنفسي: “معلش يا بت استحملي عشان خاطر العيال، بكره تفرج وتلاقي شغلانة تانية ورحمة ربنا واسعة”.
​لحد ما جه اليوم اللي عملت فيه اللي ميتخيلوش عقل، ولا يخطر على بال أقذر البشر…
​كان عيد ميلاد ابنها، وعزمت العيلة كلها قرايبنا من كل حتة. من أول اليوم وأنا مهدود حيلي، أطبخ وأروق وأمسح ونضفت الشقة كلها وخليتها بتبرق. بالليل، استأذنتها اروح بيتي ألبس أنا وعيالي وأفرحهم، وأرجع تاني أساعدها في بقية الترتيبات ونستقبل الناس.
​روحت، لبست عيالي أحسن ما عندهم، ولبست أنا كمان فستاني ونزلت أجرى عشان ألحق أقف معاها. أول ما وصلت وقبل ما المعازيم يوصلوا بـ دقائق، لقيتها بتبصلي بنظرة غريبة وقالتلي ببرود: “ادخلي حمّي البت الصغيرة ولبسيها فستانها الجديد “.
​بصيت لفساتني اللي لسه لابساه وقلتلها بنية صافية: “طب سهام كنتي قوليلي قبل ما ألبس الفستان كده هيتبل ويبوظ من المية”، ردت عليا بمنتهى البساطة:
“مش مشكلة، ادخلي أوضتها اقلعي فستانك ده وجهزي الحمام، وأنا هبعتهالك وراكي، وابقي البسي تاني بعد ما تخلصي”.
​صدقت كلامها، ما هي أختي الكبيره برضه، قولت ماشي… دخلت الأوضة، قلعت الفستان اللي عليا بقيت بهدومي الداخلية بس، ودخلت جهزت الحمام والمية وسيبت الباب موارب مستنية البت تدخل.
​وفجأة… الباب اتفتح.
بس اللي دخل مكنش البنت الصغيرة… اللي دخل كان جوزها!
​في اللحظة دي، الدنيا وقفت، والدم اتجمد في عروقي، واللي عملته بعدها كان اوسخ بكتير !!!!!
جسمي كله بدأ يترعش. جوزها وقف في وشي، باصص لي بزهول كأنه مش فاهم حاجة، وأنا من الصدمة أيدي اتسمرت مش عارفة أغطي جسمي ولا أطلع أدور على حاجة ألبسها. قبل ما أستوعب أوأنطق حتى بكلمة واحدة، سمعت صوت دبة رجليها في الممر، وفي ثواني كانت زاقة الباب ودخلت.
​سهام مأدتش فرصة لأي حد يتكلم. صرخت بصوت هز العمارة كلها: “يا فضيحتنا! يا ناس تعالوا شوفوا الخيانة والندالة في بيتي!”
​جوزها برّق وبدأ يتأتأ: “في إيه يا سهام؟ إنتي اللي بعتيني أصلح الحنفية وقلتيلي إن الباب مفتوح ومفيش حد جوة!”

بس هي مكنتش بتسمعله، كأنها بتنفذ سيناريو متراجع ومحفوظ بالحرف. مسكتني من شعري وشدتني لبرة الحمام، وأنا بصرخ وبحاول أستر نفسي، والدموع مغرية وشي. عيالي الصغار جرو عليا بيبكوا ومرعوبين من المنظر، وهي زقتني لبرة الأوضة خالص.. طلعتني للصالون قدام القرايب والمعازيم اللي كانوا لسه واصلين وبيفهموا في إيه.
رمتني في وسط الصالون بنظرة كلها كره وشماتة، وقالت بصوت أعلى قدام الكل: “شوفوا الهانم! جاية بيتي تاكل وتشرب وتستغل عطفنا، وفي الآخر بتغفلني وبتتسحب لجوزي في الحمام! دي هي دي الأخوة؟ ده جزاء إن فتحتلها بيتي عشان أصرف عليها وعلى عيالها؟”
​الذهول أكل وجوه الناس. نظرات القرف والاتهام من العيلة بدأت تترسخ عليا. أختي الكبيرة، الوحيدة اللي فاضلالي في الدنيا، قررت تقتل سمعتي وشرفي قدام الناس عشان ترضي حقدها القديم. هي كانت عارفة إن جوزها نيتها صافية ورايح يظبط حنفية الحمام زي ما طلبت منه، وهي اللي استغلت وجودي بهدومي الداخلية عشان تعمل التمثيلة القذرة دي.
​أنا قعدت على الأرض ومستورة بأيدي وبصيح بقلب محروق: “والله كدابة! هي اللي قالتلي اقلعي فستانك عشان تحمي البت،
وهي اللي بعتت جوزها! اتقي الله يا سهام، أنا أختك!”
بس مين يصدق واحدة مسكينة شغالاة عندهم، قدام ست البيت الميسورة اللي بتعيط وتدعي المظلومية؟ القرايب بدأوا يتهامسوا، وناس منهم قالوا: “اعوذ بالله، الشغف بالفلوس يعمي النفوس، طلعت من تحت لتحت.”
​جوزها حاول يتكلم ويقول: “يا جماعة افهموا، سهام هي اللي قالتلي…”، بس هي زعقت فيه وهددته بالطلاق ولوحّت إنها هتمشيه لو دفاعه عني كمل، فسكت وخاف على بيته وعياله، وسابني أواجه المصير لوحدي.
​مسكت عيالي اللي كانوا بيبكوا بهستيريا، وأنا بترعش من الخوف والاهانة. دخلت الأوضة وأنا بقفل الباب على نفسي بصعوبة، لبست هدومي بسرعة وأنا إيدي مش قادرة تمسك الزرار. خرجت من الشقة وأنا جرجرت عيالي ورايا، وصوت همسات القرايب وضحكات أختي المسمومة بتطاردني لحد باب الشارع.
​رجعت بيتي المتواضع، قفلت الباب وعيطت عياط عمره ما طلع مني، حتى يوم وفاة جوزي. كنت حاسة إن ضهري اتكسر، وشرفي اللي حافظت عليه طول حياتي أختي نهته في لحظة عشان غل قديم. العيال ناموا من كتر البكاء والخوف، وأنا قعدت في الصالة مستنية الفجر يأذن، مش عارفة هصرف عليهم منين،
ولا هبص في وجوه الناس إزاي بعد اللي اتقال عليا.
​عدت أيام أصعب من السم. التليفونات قطعت، وقرايبنا بدأوا يتهربوا مني ويسحبوا إيديهم. المكان اللي كنت بشتري منه الأكل بالآجل بقى يعاملني بجفاء. بس ربنا مش بيكرب حد إلا ويكون معاه الفرج.
​بعد أسبوعين من القعدة في البيت والدموع مش بتفارقني، الباب خبط. فتحت وأنا خايفة، لقيت حماتي (أم جوزي الله يرحمه). ست كبيرة وعاقلة وبتخاف ربنا. دخلت وبصتلي بمنتهى الحنية وقالتلي: “يا بنتي، أنا عارفة تربيتك وعارفة ابن الله يرحمه اختارك ليه. سهام اختك نيتها كانت باينة من زمان، واللي حصل ده لعب ملعوب.”
​دموعي نزلت، ولأول مرة أحس إن في حد صدقني. حماتي كملت كلامها: “أنا مش هسيبك، وصاحبة المصنع اللي كان شغال فيه جوزك تسأل عليكي من فترة، ولما عرفت بظروفك عرضت إنك تمسكي الإشراف على التعبئة والتغليف في قسم الحريم عندهم، بمرتب محترم وكرامة مرفوعة.”
​كانت دي طوق النجاة اللي ربنا بعتهولي. نزلت الشغل، واجتهدت وتعبت جداً، وربنا فتحها عليا. بقيت أشتغل الصبح في المصنع، وبالليل أعمل أكله بيتي وأبيعه أونلاين. السنين دارت وربنا باركلي في رزقي،
وعيالي كبروا وبقوا من الأوائل في مدارسهم، وقدرت أشتري شقة صغيرة ملكي وأعيش في وسط ناس يحترموني.
​في يوم من الأيام، بعد مرور يجي ثلاث سنين، سمعت إن بيت أختي سهام اتخرب. جوزها اكتشف كذبها افتراءها عليه وعلى الناس في مواقف تانية، والمشاكل زادت بينهم لحد ما طلقها وطردها من البيت، وأخد منها العيال. أختي بقت لوحدها، متقاطعة من القرايب اللي اكتشفوا حقيقتها مع الوقت، وعايشة في شقة إيجار بالإهانة والفقر.
​في يوم كنت ماشية في السوق مع عيالي، شفتها من بعيد. كانت شكلها متغيّر، الهم باين على وشها والكسرة واضحة في عيونها. أول ما شافتني، حاولت تداري وشها من الخجل.
​قربت منها، وبصيت في عيونها. مكنش في قلبي شماتة، كان فيه بس حمد وشكر لله إنه ظهر حقيقتي وردلي كرامتي من غير ما أئذي حد. طلعت مبلغ من المال، وحطيته في إيدها بهدوء وقلتلها: “ده عشان خاطر إنك أختي، وعشان أنا مش هرد الإساءة بالإساءة.. ربنا يهديكي يا سهام.”
​مشيت وسيبتها ورايا بتعيط بدموع الندم. اتعلمت إن الحق ممكن يتأخر، والظلم ممكن يوجع ويجرح القلب، بس عدل ربنا مفيش أعظم منه، واللقمة الحلال بالكرامة تسوى الدنيا وما فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى