منوعات

حكايات امانى 2

أول ما فتحت الباب، كان العريس واقف على رجليه ومستند بصعوبة على العكاز، وعينيه طالع منها شرار يكتوي بيه أي حد قدامه. وراه كان واقف الشاب اللي بيساعده ومعاه حارسين جسمهم زي الحيطة. أول ما شافني، ابتسامة السخرية والغل عادت على وشه من تاني، وقال بنبرة وواثقة: “أهلاً يا ست العاقلة.. جيت لك في بيتك تاني عشان تشوفي بنفسك إن كلمتي هي اللي بتمشي، وإن الفلوس اللي تتسفهي بيها بتجيب أختك لرجلي زي الخدامة!”.

وقف قدامه بثبات وأنا حاطة إيدي في ، وقفل مساحة اللي كان بيحاول يبثها في المكان، وقلت له بنبرة أبرد من التلج: “أنت فاكر لما تقف على رجليك بالعكاز وتجيب معاك حراسين وتزعق في نص الليل ؟ أنت مجرد إنسان مريض وشبع بعد ، داخل تتفرد بعقدك النفسية وتضرب واحدة ست وتستقوى عليها بالخيزرانة لأنك عارف إنك في الحقيقة ضعيف ومش قادر تملا عين حد!”.

مقالات ذات صلة

كلامي نزل عليه زي الصاعقة، وشه اتغير وبقى أصفر من الغيظ، والحراس اللي وراه تباعدت نظراتهم بذعور من جراءتي. رفع العكاز في وشي وهو بيجز على أسنانه بصوت مرعب: “أنا هربيكي أنتِ وأهلك كلهم! أختك مراتي على سنة الله ورسوله، وكتبت الكتاب بمهري وفلوسي، يعني تخرج معايا فوراً وإلا والله العظيم هطلب لها البوليس ، وأقفل عليكم وأرمي أباكِ في !”.

أمي أول ما سمعت سيرة ، خرجت تجري من جوه وبدأت تعيط وتوطي على إيده وهي بتقول : “لا يا بيه.. أبوس إيدك، بلاش البوليس! إحنا ناس على قد حالنا ومش حمل .. البنت غلطانة وخرجت من غير إذنك، بس وحياة ربنا هي كانت خايفة.. ارحمنا يرحمك ربنا!”.

زقيت إيد أمي بعيد عنه من كتفها وقومتها بثبات، وبصيت في عين أمي وقلت لها بصوت جهوري هز الطرقة: “ارفعي راسك يا أمي! ما توطيش لإنسان رخيص زي ده.. اللي بيطي له بيتداس بالأقدام، والبيت ده مش ولا هياخد منه نملة غصب عنا!”.

لفت وشي للعريس وقلت له بعلو صوتي عشان الشارع كله يسمع: “أنت عايز أختي؟ أعلى ما في خيلك أركبه! طلب البوليس؟ اطلبه حالا! وتيجي النيابة وتشوف التقرير الطبي لجسد أختي والضرب اللي في وشها ! ونشوف ساعتها القانون هيحمي المريض اللي بيعذب مراته ولا هيجيب حقها.. وأنا بكرة الصبح هيكون المحامي بتاعي في محكمة الأسرة ، وبلاغ “.

العريس بصلي ونظرة الغل في عينيه تحولت لكره أعمى ، رفع إيده وهزها : “فاكرة نفسك شاطرة يا عفاف؟ فاكرة إنك كدة كسبتي الماتش؟ أنتِ فتحتي على أهلك باب مش هيتقفل.. أختك مش هتشوف يوم عدل، وحسابي معاكي أنتِ بالذات هيكون عسير أوي.. مش أنا اللي حتة بت فقيرة تتحداني!”.

لف ظهره ببطء ومشي وهو بيتسند على العكاز ومستند على الحارس بتاعه، وركبوا العربيات ومشيت بصوت فرامل رن في كل الشارع.

أول ما العربيات اختفت، أمي اترمى جسدها على الكنبة وهي بتبكي حارة، وبصت لي وهي على صدرها: “يخرب بيتك يا عفاف.. ! الراجل ده واصل ومش في حالنا.. عيشنا وهيشرّدنا في الشوارع!”.

أبويا قعد جنبها وعينه في الأرض، بس للمرة الأولى بصلي وقال بصوت هادي : “عندها حق يا أميمة.. البت عندها حق، إحنا اللي بعنا شهد من الأول، وعفاف هي الوحيدة اللي وقفت تجيب حق اختها وكرامتنا.. أنا مش هسمح له يمس بت من بناتي تاني حتى لو هشتغل شغال في الشوارع!”.

شهد خرجت وهي بتبكي وتقول: “شكراً يا عفاف.. أنتِ أنقذتيني من ، بس أنا خايفة عليكي منه.. الراجل ده ومش هيعديها بالساهل”.

ابتسمت لها وجسمي كله من المجهود والضغط، وقلت لها: “اللي بيخاف من بيطلع له.. طالما إحنا على حق، ربنا مش هيسيبنا”.

عدت أيام قليلة، والهدوء اللي كان في البيت كان هدوء ما قبل العاصفة.. لحد ما في يوم الصبح، جالي رسمي على البيت، وباب اتخبط بقوة من راجل بدلة سمرا.. واكتشفنا إن العريس بدأ خطة ، بس المرة دي الضرب لم يكن لشهد ولا لأمي.. الضرب جه في أكتر حاجة أنا شخصياً!

فتحت الإخطار وإيدي بتهتز، وكانت إن العريس ما اكتفاش ، ده بدأ يتحرك بأساليب عشان نفسي ونفس العيلة كلها. كان بطردنا من  فيها! اتضح إن العريس اشترى العمارة باللي فيها من صاحبها القديم بفلوسه، وطالب بإخلائها فوراً بحجة الترميم وبأوراق ومحامية مطلعين فيها كل الثغرات.

مش بس كده، أبويا اللي شغال محسباتي في شركة صغيرة، جه بالليل ووشه أصفر .. أخد استقالة مسببة تحت الضغط بعد ما الشركة جاتلها تعليمات من جهات أعلى بتنفيذ كشوفات وتقليص العمالة، والكل فاهم مين اللي واقف ورا القرارات دي!

أمي قعدت تلطم على وشها وتصرخ في الصالة: “شفتي يا عفاف؟ شفتي آخره وناشفت راسك؟! أهو شردنا وبقينا في الشارع من غير لقمة عيش ولا سقف يسترينا! هنعمل إيه دلوقتي؟ نروح نشحت في الشوارع؟!”.

شهد كانت قاعدة في الزاوية، حاسة بالذنب ، بس الخوف المرة دي ما أخدش مني شبر واحد.. بالعكس، غضب كاسح اتولد جوايا. عرفت إن الحرب دي مش أمي.. دي حربي أنا! الراجل ده نازل بكل قوته ونفوذه عشان يخليني أركع وأروح له واستعطفه، وأنا مش هحقق له الأمل ده لو كانت دي آخر لحظة في حياتي.

رجعت البيت وأنا جوايا خطة جبارة.. ما اعتمدتش بس على المحكمة والقانون، قررت أبدأ  رزقه.

مرت أسابيع وأنا بواصل الليل .. هالات سودا تحت عيني، بس نفسي عزيزة وراسي فوق. شهد بدأت تسترد عافيتها وشجعتها تبدأ معايا ونتشارك الشغل من البيت.. بقينا نشتغل سوا ونوقف البيت على حيله بكرامة، وأمي لما شافت وإني مش مستسلمة، بدأت تتكسف من نفسها .

وفي يوم من الأيام، وأنا نازلة من مكتب الترجمة في وسط البلد بالليل، الشارع كان هادي جداً.. فجأة وقفت عربية سودا كبيرة جنب الرصيف، ونزل منها الشاب اللي بيساعد العريس، ومعاه راجل تاني.. وقفو في وشي وسدوا عليا الطريق.

الشاب قرب مني وبصلي بنظرة خبيثة وهو بيطلع من جيبه ظرف أبيض تقيل، وقال بنبرة مسمومة: “الباشا بيسلم عليكي.. وبيقولك اللعبة طولت وزادت عن حدها، الظرف ده فيه المبلغ اللي يخليكي تعيشي أنتِ وأهلك في الماظ.. والتنازل عن كل القضايا والتعهادت يخلص بكرة في الشهر العقاري.. غير كده، المرة الجاية مش ولا عيش.. المرة مسكت الظرف بإيدي، وبصيت في عين الشاب بكل احتقار، وقبل ما ينطق كلمة زيادة…

فتحت الظرف قدام عينيه ببرود تام، وطلعت حزمة الفلوس الشديدة الجديدة اللي كانت جواه.. بصيت للشاب وللراجل اللي جنبه بنظرة ازدراء خلتهم يتراجعوا خطوة لورا، وفجأة رميت الفلوس كلها في وشه وفي الشارع، الفلوس تطايرت في الهواء كأنها ورق مالوش أي قيمة.

الشاب وشه اتغير وبقى أصفر من والغيظ، جمع الفلوس من الأرض بقلة حيلة وهو

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى