روايات وقصص

عشرون جراحا

عشرون جرّاحًا، وملايين الدولارات، وأقوى المضادات الحيوية التي يمكن للمال شراؤها، قد فشلوا جميعًا في إنقاذ حسن، أخطر رجل في عالم الجريمة في مصر. ثم رأيت ست غرز سوداء مدفونة داخل كتفه المحتضر، وهمست: «دي مش غرز طبية.» ضحك الجرّاح. لكن حسن لم يضحك. فتح عينيه بصعوبة وقال بصوت متقطع:
«هاتوا المقص للخدامة.»

كنت في الثانية والعشرين من عمري، وكنت أعمل في تنظيف قصر عائلة حسن لأدفع ديون المستشفى التي تركتها أمي خلفها.
وبين رجال زي دول، كان الاختفاء عن الأنظار هو الشيء الوحيد اللي بيخليني عايشة.
قبل ثلاثة أسابيع، نجا حسن من محاولة اغتيال. الرصاصة اخترقت كتفه من غير ما تصيب عظمة أو شريان رئيسي.
كان المفروض إنه يتعافى.
لكن بدل كده، بدأ لحم كتفه يموت.
وفي الليلة دي، وصلت حرارته لأربعين درجة مئوية.
وقف الدكتور عامر جنب سريره، ومصرّ إن مفيش غير حل واحد.
«لازم نبتر الذراع.»
كان لوجينا، أقرب رجال حسن إليه، واقفًا بجوار السرير ويده قريبة من مسدسه.
قال بحدة:
«لو قطعت دراعه يا دكتور، أنا هقطع دراعك إنت.»
وقفت ساكتة وأنا ماسكة كيس النفايات الطبية.
وفجأة شممت الرائحة.
رائحة لوز محروق.
وصبغة كيميائية.
أمي كانت بتشتغل في مصنع ملابس لمدة أربعين سنة، وكانت أحيانًا ترجع البيت وهي شايلة نفس الرائحة بعد ما تتعامل مع خيوط صناعية معالجة بمواد كيميائية.
اقتربت أكتر.
كانت هناك غرز سوداء مجدولة ومدفونة بعمق داخل كتف حسن.
وسائل داكن كان بيتسرب منها.
همست:
«دي غلط.»
التفت الجميع ناحيتي.
بص لي عامر باحتقار.
«إنتِ قلتي إيه؟»
قلت وأنا أشاور على كتفه:
«ده حبل صناعي… مش خيط جراحي طبيعي.»
ضحك بسخرية.
«هي بتنضف الحمامات، وأنا جرّاح.»
تحركت يد لوجينا ناحية مسدسه.
لكن عيني حسن المحتقنتين انفتحت فجأة.
وقال بصوت ضعيف:
«هاتوا لها… المقص.»
اعترض عامر بسرعة:
«ممكن تقتلك!»
حسن بص له ببرود وقال:
«هات لها المقص… دلوقتي.»
توقفت إيديا عن الارتجاف وأنا بمسك المقص.
أنا مش دكتورة.
لكن أنا كنت أعرف الخيوط.
أمي علمتني كتير عن الألياف، والشد، والمواد الكيميائية، وإيه اللي ممكن يحصل لما مادة غلط تدخل جسم الإنسان.
مسكت أول عقدة.
وقصيتها.
انزلق الحبل الأسود من داخل كتفه.
ظهر دم أحمر طازج مكان السائل الأسود اللي كان متجمع هناك.
#حكايات_شروق_خالد
#حصري
ثم قصصت الغرزة الثانية.
وبعدها الثالثة.
والرابعة.
والخامسة.
والسادسة.
وفي النهاية، كانت ست قطع سوداء مرمية داخل الحوض المعدني.
رجعت خطوة لورا.
كانت إيديا كلها غرقانة في دم حسن.
صرخ عامر:
«هي قتلته!»
واندفع ناحية السرير.
في نفس اللحظة، رفع لوجينا مسدسه.
«المس حسن… وأنا هخلي مخك يتناثر على الكتب دي.»
مرّت دقيقتان كاملتان، محدش فيهم تقريبًا كان بيتنفس.
ثم تغيّر صوت جهاز المراقبة.
بدأ نبض حسن يهدأ.
وتنفسه بقى أعمق.
والصوت الرهيب اللي كان خارج من صدره اختفى تدريجيًا.
حسن كان بيستقر.
لفّ لوجينا ببطء ناحية عامر وقال:
«لمّ حاجتك يا دكتور.»
كادت رجلي تنهار من تحتي.
لكن حسن مد إيده وقبض على معصمي.
ثم نظر إلى الغرز السوداء الموجودة داخل الحوض.
وقال بصوت خافت:
«محدش يخرج من القصر.»
ساد الصمت القاتل في الغرفة.
ثم رفع حسن عينيه وبص لي مباشرة.
«لأن الشخص اللي حط الغرز دي جوايا… كان عارف بالضبط هو بيعمل إيه.»
وفجأة، أصبح كل شخص في الغرفة مشتبهًا فيه.
حتى عامر.
وحتى لوجينا.

مقالات ذات صلة
السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى