منوعات

قـيدوني بالجنـزير عشـان ما أروحـش لأبـويا ج 1 حكـايات مني السيد

ما عمي رجع من السفر.
وقفت على رجلي بصعوبة، الدورة الدموية كانت واقفة في كاحلي، حسيت بدبابيس بتشك في لحمي. ماردتش بكلمة واحدة. بصيت في عين طارق نظرة خالية من أي إحساس، نظرة خوّفته لدرجة إنه رجع خطوة لورا واتنحنح
ساكتة ليه؟ ما تخلصي وتدخلي شوفي اللي وراكي!
دخلت المطبخ بخطوات تقيلة، صوت الجنزير بيجر ورايا على السيراميك زي صوت الأغلال في السجون. وقفت قدام الرخامة، كميات لحمة، فراخ، خضار، بط، ورق عنب، وحلل مقاسات عملاقة كانت محطوطة ومستنية الإيد اللي تخدمها.
حماتي وقفت على باب المطبخ، مكتفة إيديها
البطتين دول يتغسلوا بالدقيق والجنزبيل عشر مرات، ومش عايزة ريحة زفارة في المحشي! والرقاق يتعمل بالسمنة البلدي مش الزيت، سامعة ولا أطرشيتي؟
سامعة يا طنط.
رديت بصوت هادي وواطي، هدوء خلاها تقف ثواني تبصلي باستغراب، كانت متوقعة إني أعيط، أترجى، أطلب الموبايل أطمن على أبويا.. بس لما لقتني ساكتة وبدأت أشتغل في صمت، ضحكت بانتصار وقالت
أهو كده.. العين الحمرا بتنفع برضه، الست منكم ما تجيش غير بالكسر.
خرجت وسابتني، وقفلت ستارة المطبخ عشان لو حد دخل الصالة ما يشوفش السلسلة اللي في رجلي.
أول ما خرجت، مديت إيدي بسرعة ورا علبة السكر البني القديمة على الرف التالت، وطلعت موبايلي القديم. الموبايل كان مخفي وشاشته مطفية بس الكاميرا شغالة وبتسجل كل تحركاتي وكل صوت بيتقال في المطبخ والممر. فتحت الشاشة بسرعة، لقت الإشعارات واصلة تسجيل الفيديو بتاع الفجر اتحفظ، وفويس نوت أمي وصور رجلي المتسلسلة بقوا موجودين في المسودة الجاهزة للإرسال على درايف وعلى أرقام معينة كنت مجهزاها.
وصلت الموبايل ببطارية الشحن المتنقلة الباور بانك ورجعته مكانه بمهارة، وبدأت أشتغل.
طبخت زي ما عمري ما طبخت في حياتي.
حطيت البهارات، شوحت اللحمة، لفيت ورق العنب صباع صباع بتركيز مريب، قطعت السلطات، وجهزت صواني البشاميل والرقاق.. كل حركة كنت بعملها كانت بتتحسب بالدقيقة. الألم اللي في رجلي كان بيفكرني في كل خطوة بالذل اللي عشته، بس كل صينية كانت بتدخل الفرن، كانت بتقربني ساعة من الحساب.
على الساعة اتناشر الضهر، جرس الباب بدأ يرن، وأصوات الدوشة والضحك بدأت تملى الصالة.
يا ألف مرحب! يا مرحب يا حاج إبراهيم! نورتوا البيت والله!
صوت حماتي وهي بتستقبل حماها وأولاد عم طارق وعماته بالزغاريد والترحيب العالي.
طارق كان واقف لابس قميص جديد ومتشيك، بيوزع ابتسامات ويسلّم على الرجالة
منورين يا رجالة، والله البيت ما يسوى من غيركم!
دخلت سلايفي وبنات عمومته، الأصوات كانت واضحة جداً في المطبخ
أومال فين مريم يا طارق؟ مش باينة يعني تسلّم ولا تبارك؟
صوت نادية، مرات أخوه الكبير، وهي بتسأل بخبث.
ثريا ردت بسرعة وبنبرة متبجحة
مريم جوة في المطبخ مش فاضية، بتظبط لكم الأكل على أصوله، أصلها ملهاش في قعدات الصالة، بتحب تخدم حبايبنا بنفسها!
صوت همسات وضحكات مكتومة
أيوا يا ستي ربنا يعينها، أصل مريم دي ست بيت شاطرة مطيعة، طارق عرف يربيها صح والله.
أنا كنت سامعة كل حرف، وإيدي ما بطلتش تقليب في الشوربة. الجنزير كان بيحك في عضم رجلي مع كل حركة بين البوتاجاز والحوض، والدم بدأ ينز من تحت القماش المتبطن، بس مكنتش حاسة بأي ۏجع جسدي.. الۏجع كان كله في صدري على أبويا اللي بېموت وأنا محپوسة بطبخ لعيلة مفترية.
الساعة بقت واحدة ونص. الأكل كله استوى وبقى جاهز على الغرف.
دخل طارق المطبخ ووشه منور بالانبساط المزيف، ووطى صوته وهو بيبصلي بصرامة
يلا يا مريم، جهزي السرافيس والصواني على الرخامة عشان نطلعها. الرجالة هيقعدوا في الصالون والحريم في الصالة الكبيرة. اخلصي بسرعة!
الأكل جاهز يا طارق.. بس مش هعرف أمد إيدي أحط الصواني الكبيرة دي كلها على الرخامة والسلسلة دي مشدودة كده، فك القفل عشان أعرف أتحرك بالحلة السخنة، ولا عايزني أدلقها على نفسي؟
طارق فكر للحظة، وبص على الباب، وطلع المفتاح من جيبه
هفكه، بس لو رجلك خطت برة باب المطبخ أو حاولتي تنطقي بنص كلمة للناس اللي برة، أنتي عارفة أنا وأمي هنعمل إيه.. بطاقتك وتليفونك وفلوسك معايا، يعني مالكيش مهرب.
فتح القفل، والحديد وقع على الأرض برنة خفيفة. فركت رجلي في ثواني، وقولتله بهدوء تام
ما تقلقش.. مش هخرج.
بدأنا نطلع الأكل، سفرتين كبار اتفرشوا بأفخم أنواع الأكل؛ بط محمر، صواني رقاق، محاشي، طواجن بامية باللحمة الضاني، وسلطات ومشروبات.
القعدة برة كانت عامرة، وصوت الضحك والأكل والشرب مالي البيت. حماتي قاعدة على راس السفرة زي الملكة المتوجة، بتوزع النواب وتقول
كل يا حاج إبراهيم، دوق عمايل إيدينا، البيت ده مفتوح بحس طارق وحسي، وإحنا أصل الكرم والأصول!
الكل بياكل ويمدح، والعيال بتجري وتلعب، ومحدش فيهم حتى فكر يقول تسلم إيدك يا مريم أو يسأل هي فين ولا كلت ولا لأ.
أنا كنت واقفة جوة المطبخ، في الركن المضلم جنب التلاجة. طلعت موبايلي القديم، شبكته على نت الموبايل السري اللي كنت مفعلاه في كارت إضافي، وبدأت أجهز الضړبة.
جمعت كل حاجة في رسالة واحدة
فيديو متصور بجودة عالية جداً فيه خناقة السلم، قلم حماتي، وكلماتها الواضحة لو أبوكي ماټ النهاردة ېموت، المهم عيلتنا وعزومتنا الأول!.
تسجيل طارق وهو بيلغي حجز قطر المنصورة ببرود وأنا بترجاه.
فويس نوت أمي وهي بتستغيث بيا وأبويا بيطلع في الروح.
صور واضحة ومقربة جداً للجنزير المقفول على رجلي والدم النازف منها، مع لقطة واسعة للجنزير وهو ممتد من السرير لحد مدخل المطبخ.
تسجيل الصبح وصوت طارق وحماتي وهما بيجبروني أطبخ وأنا مربوطة.
كتبت تحت الملفات دي سطرين اتنين بس
دي الأصول اللي بتتباهى بيها عيلة فلان.. ودي نهاية خدمة سبع سنين. المحپوسة دي مريم، وأبوها بېموت في المستشفى وهما رابطينها عشان تطبخ العزومة اللي أنتوا بتاكلوها دلوقتي بالهنا والشفا.
الساعة بقت اتنين ونص بالظبط.
الوقت اللي الكل فيه خلص أكل، والرجالة بتشرب الشاي في الصالون والحريم قاعدين يحلّوا بالفاكهة في الصالة.
حددت الجروب العائلي الكبير اللي فيه كل أفراد العيلةأعمام، عمات، سلايف، خلان، كبار وصغيرينوبعتت الرسالة.
ومش بس كده.. بعتت نفس الرسالة لنقابة المهندسين اللي طارق عضو فيها، ولصفحة الشركة اللي شغال فيها مدير مشروعات، ولجروب العمارة والمنطقة كلها على الواتساب والفيسبوك.
ضغطت إرسال.
وقفت في مدخل المطبخ، حاطة إيدي في جيبي، وعيني على الصالة.
ثانية.. ثانيتين.. تلاتة.
وفجأة، بدأت التليفونات ترن في نفس اللحظة برنات الإشعارات المتتالية.
تن.. تن.. رن.. تن…
صوت الضحك بدأ يهدى تدريجياً.
نادية مرات أخوه كانت أول واحدة مسكت تليفونها
إيه الرسايل دي كلها اللي نزلت على جروب العيلة فجأة؟
طارق طلع موبايله من جيبه وهو بيضحك مع ابن عمه، وفتح الشاشة.
حماتي مسكت نظارة القراءة وفتحت تليفونها.
في ثواني معدودة، الصالة اللي كانت قالقة الدنيا بالضحك والهزار، اتحولت لمقپرة. سكوت تام ومفاجئ لدرجة إن صوت عقارب الساعة اللي على الحيطة كان مسموع بوضوح مرعب.
صوت الفيديو اشتغل من تليفون عم طارق الكبير.. صوت خبط القلم، وصوت حماتي العالي وهي بتزعق لو أبوكي ماټ النهاردة ېموت! ملأ أركان الصالة والصالون.
وش طارق اتحول من اللون الطبيعي للأبيض، وبعدين للأزرق، عينه جحظت والتليفون بدأ يتهز

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى