
دخلت الشقة أنا وملك بعد ليلة طويلة ومجهدة في قسم الشرطة. كانت الساعة قربت من تسعة الصبح، والنور مالك المكان، بس الشقة كانت لسه مليانة بآثار وجودهم: شنط هدوم مرمية في الصالة، ألعاب ابن أخو سامح على الأفيال الخشب، وكراكيب في كل حكاية. ملك أول ما دخلت، جرت على أوضتها بلهفة. فتحت الباب ووقفت مكانها مصدومة.
-
رجع من المانيا حكايات ميرامنذ 3 ساعات
-
حكايات رشا خالد 1منذ 3 ساعات
-
جوزها حجز لنفسه . حكايات ميراامنذ 3 ساعات
-
هى اتصلت بالرقم الغلط حكايات ميرامنذ 3 ساعات
الأوضة اللي سابتها متنعكشة ومترتبة على ذوقها، كانت مكركبة تمامًا؛ سريرها متبهدل، كتبها ومذكراتها محذوفة في الأركان عشان يفصّوا مكان لشنط مرات أخو سامح وهدومها.
ملك بصتلي والدموع اتجمعت في عينها تاني:
— ماما.. حتى حاجتي لمسوها ورموها في الأرض!
قربت منها وحضنتها بقوة وقلت لها:
— ما تزعليش يا قلب ماما.. كل كركبة هنا هتتمسح، وكل حاجة هتستعدل. الأوضة دي بتاعتك، ومحدش هيعتبها تاني.
في اللحظة دي، جرس الباب رن بحدة وتكرار.
فتحت الباب، ولقيت سامح واstep ورا step، وشّه شاحب، وعيونه دبلانة من السهر، ومعاه أخوه وزوجة أخوه. كانوا راجعين من القسم بعد ما النيابة أفرجت عنهم بضمان مالي مؤقت في انتظار استكمال التحقيقات، بينما حماتي وصاحب المصنع اتجدد حبسهم على ذمة التحقيق.
سامح حاول يدخل الشقة فورًا وهو بيقول بعصبية محشورة بالخوف:
— نهى.. افتحي الطريق خلينا ندخل ونشوف هنعمل إيه في المصيبة دي! أمي محبوسة تحت التحقيق بسببك!
وقفت في نص الباب، وحطيت إيدي على الإكرة، وقلت بصوت حاسم وجاف:
— خطوة واحدة جوة الشقة دي، وهطلب النجدة فورًا بتهمة اقتحام ملكية خاصة.
أخو سامح اتدخل بصوت عالي ومستفز:
— اقتحام إيه يا ست أنتِ؟! ده بيت أخويا! إحنا مانامناش طول الليل بسببك وبسبب جنونك، وجايين نلم حاجتنا ونشوف هنعمل إيه عشان نخرج أمي!
رديت عليه بثبات أذهلهم كلهم:
— البيت ده بيتي أنا، بعقد ملكية مسجل باسمي من قبل ما أعرف أخوك أساسًا. مالكوش عندي هنا أي حق، ولا حتى حق الضيافة اللي استغليتوه وغدرتوا بيا وببنتي عشانه.
سامح بصلي بذهول وهو مش مصدق النبرة اللي بكلمه بيها:
— نهى! أنتِ بجد بتتكلمي كده؟ أنا جوزك! عايزة تطرديني أنا وعيلتي في الشارع؟
— أنت مش جوزي من اللحظة اللي بعت فيها بنتك وسكتّ على طردها وتدبيسها في مصنع عشان ترضي أهلك. المحامي بتاعي بدأ إجراءات الطلاق فورًا بناءً على عقد ما قبل الزواج، وأوراق بيع الشقة دي بالكامل قيد التنفيذ.
مرات أخوه صرخت بسخرية وغل:
— بيع إيه وطلاق إيه؟! أنتِ فاكرة نفسك مين؟ أنتِ هتتحبسي جنب حماتك لما نرفع عليكِ قضية رد اعتبار بلاغ كاذب!
ابتسمت لها ببرود وقلت:
— بلاغ كاذب؟ المحضر فيه أقوال صاحب المصنع اللي اعترف إن حماتك قبضت منه عربون، وفيه شهادة بنتي القاصر، وفيه تقرير الطب الشرعي عن حالة ملك والتعب اللي ظهر عليها. القانون ما بيفهمش كلام العاطل بالباطل اللي بتقولوه ده.
سامح قرب مني وبيحاول يوطي صوته ويرطب الجو:
— نهى.. عشان خاطري، خلينا ندخل نتكلم جوة بعيد عن الناس والجيران. اللي حصل ده كابوس ونقدر نصلحه.. أمي أخطأت، وأنا اعترفت لك إنها غلطت، بس ما ينفعش نسيبها في الحجز كده! تعالي نروح النيابة ونتنازل عن المحضر، وأنا أوعدك هاخد عيلتي ونمشي فورًا ومش تشوفيهم تاني!
بصيت في عينه وقرأت فيها الخوف.. مش الخوف على أمه، ولا الخوف على بنته، لكن الخوف على نفسه وعلى قرشين العز اللي كان عايش فيهم على حسابي.
قلت له بصوت واطي ومسموع له ولهم:
— أنت عارف يا سامح؟ أنا طول السنين دي كنت فاكرة إنك راجل سند، وكنت بسبق بالخير وبستحمل طمع أهلك عشان خاطرك.. بس اكتشفت إنك مجرد ظاهرة، إنسان معندوش أدنى تحمل للمسؤولية ولا حتى نجدة لأقرب الناس ليك.. بنتك!
كملت كلامي وأنا بشاور على الشنط اللي مالية الصالة:
— أستاذ هشام المحامي جايب معاهم رجال تنفيذ أحكام وضباط مباحث عشان يخلوا الشقة رسميًا. قدامكم بالضبط نص ساعة، تلموا الكراكيب والهدوم دي كلها وتغوروا من هنا.. لو النص ساعة خلصت ولقيت واحد فيكم هنا، هسلم الباقي للشرطة بتهمة سرقة ممتلكات شخصية.
أخو سامح ومراته اتلخبطوا وبدأوا يبصوا لبعض بذعر. مراته جريت جوة الشقة وهي بتصرخ وتلم في شنطهم وهدومهم بقلة ذوق، وأخوه يسب ويشتم تحت ضارسه وهو بيساعدها.
أما سامح، ففضل واقف مكانه قدامي، وشّه زايغ:
— نهى.. بجد هتهدي بيتك؟ هترميني كده بعد كل السنين دي؟
— أنا ماهديتش بيتي يا سامح.. أنت اللي هدمته لما سمحت لهم يدوسوا على بنتك. البيوت ما تتبنيش على حساب كرامة وأمان عيالنا.
في الوقت ده، خرجت ملك من أوضتها، وقفت جمبي ومسكت في دراعي بكل قوتها. سامح بص لها بنظرة ترجي وقال:
— ملك.. قولي لأمك حاجة.. أنا بابا يا ملك!
ملك بصت له بعيون قوية، وقالت له كلمة واحدة قطعت القول:
— البابا اللي بيحب بنته، بيحميها.. مش بيبيعها عشان يرشي أهله.
الكلمة نزلَت على سامح زي الصاعقة. سكت تمامًا وما قدرش ينطق بكلمة تانية.
بعد نص ساعة بالضبط، كانت الشنط كلها بره باب الشقة. أخو سامح ومراته كانوا بيبصولي بكره وازدرى وهما بيجروا شنطهم في السلم، وسامح واقف مع أمتعته المتبقية زي الغريب اللي مالوش مأوى.
قفلت الباب في وشهم بالقفل والمفتاح، ولأول مرة من ٣ أيام حسيت إن الهواء اللي في البيت بقى نضيف ونقي.
بصيت لملك وقلت لها:
— يلا يا ملك.. نغير هدومنا ونرتاح شوية، لأن وورانا مشوار مهم أوي بعد الظهر.
ملك سألتني باستغراب:
— مشوار إيه يا ماما؟
ابتسمت لها وقلت:
— هنروح للمحامي عشان نكتب عقد شقتنا الجديدة اللي هنشتريها باسمك أنتِ.. وهنسجل لك في أحسن كورس ومدرسة عشان تالتة ثانوي تبدأ صح.
وفي العصر، رن تليفوني وكان الأستاذ هشام المحامي:
— أستاذة نهى، النيابة أمرت بإحالة حماتك وصاحب المصنع للمحاكمة العاجلة بتهمة تشغيل وتغيب قاصر والاتجار غير المشروع، وسامح تم استدعاؤه رسميًا لإعادة الاستجوب بصفتة شريك ومسترع على التكتم.
رديت بثبات:
— كمل في الإجراءات يا أستاذ هشام.. ومش هتنازل عن حرف واحد من حقوق بنتي أو حقوقي المالية.
قفلت التليفون وبصيت لملك وهي قاعدة على السرير بتراجع كتبها وتستعد لدروسها، وعرفت إن الحق لما يرجع لأصحابه، القوة والهدوء بيبقوا هما العنوان الوحيد للحياة.
مرت الأسابيع بسرعة، وكان كل يوم بيمر بيأكد لي إن القرار اللي أخدته كان الصح. نقلت أنا وملك لشقتنا الجديدة في حي هادي وقريب من مدارسها ومراكز الدروس. ملك بدأت تستعيد ضحكتها ونشاطها، ورجعت تركز في مذاكرتها ومستقبلها وهي حاسة بأمان كامل، بعد ما قصينا كل الخيوط اللي كانت بتربطنا بالماضي.
في الجهة التانية، كان الكابوس بيشتد على سامح وعيلته.
أستاذ هشام المحامي كان ماشياً في القضايا بخطوات متتالية وقاتلة. تحقيقات النيابة كشفت بلاوي أكتر؛ صاحب المصنع اعترف رسمياً إن حماتي ما اكتفتش بتشغيل ملك عنده، دي كمان كانت اتفقت معاه على “خصم” جزء من أجر البنت الشهري لحسابها الشخصي بحجة “مصاريف إقامتها وتهذيبها”. الاعتراف ده ثبّت تهمة الاتجار بالبشر واستغلال قاصر على حماتي بشكل قاطع، ومحي تماماً أي محاولة لإظهار الموضوع كـ “مجرد خلاف عائلي”.
سامح حاول مراراً وتكراراً يتصل بيا، يبعت رسائل رجاء واستعطاف، ويدخّل وسطاء من قرايبه اللي ما شفناش وشهم قبل كده. كان بيتحيل عشان أتراجع عن قضية الطلاق للضرر وعن المحضر الجنائي ضد أمه.
وفي يوم جلسة المحاكمة الأولى، التقيت بسامح في أروقة المحكمة. كان منظره يوجع القلب من كثرة البهدلة؛ وشه شاحب، هدومه مش متنسقة، وباين عليه الإرهاق الشديد. أخوه ومراته سابوه ورجعوا بلدهم فوراً بعد ما حسوا إن الموضوع دخل في سجن وقضايا جد، وسابوه يشيل شيلة أمه ومصاريف المحامين لوحده بعد ما اتقفلت في وشه حنفية الفلوس والراحة اللي كان عايش فيها معايا.
قرب مني سامح بخطوات مكسورة وقال بصوت مبشوح:






