
— نهى.. أرجوكِ، اسمعيني للمرة الأخيرة. أومي صحتها بتتدهور في السجن، ومش حمالة الحبس ده كله. أنا أتعلمت الدرس، وعرفت إن عيلتي استغلوني واستغلوكي، وأنا مستعد أقطع علاقتي بيهم كلهم وأعيش تحت رجليكي أنتِ وبنتك.. بس بلاش تدمريني وتدُمري أمي.
بصيت له بمنتهى الجمود والهدوء، وقلت له:
-
رجع من المانيا حكايات ميرامنذ 3 ساعات
-
حكايات رشا خالد 1منذ 3 ساعات
-
جوزها حجز لنفسه . حكايات ميراامنذ 3 ساعات
-
هى اتصلت بالرقم الغلط حكايات ميرامنذ 3 ساعات
— أنت اللي دمرت نفسك يا سامح لما شوفت بنتك بتتباع قدام عينك وسكتّ. أمك ما افتكرتش صحتها ولا كبر سنها وهي بتاخد بنتي القاصر ترميها في مصنع طوب ونسيج عشان تفضي الأوضة لأخوك. كل واحد فيكم بيحصد اللي زرعه.
سامح نزلت دموعه وقال بيأس:
— أنا خسرت شغلي يا نهى.. الناس في الشركة عرفوا بقضية تشغيل قاصر والاتجار بالبشر وموقفي في العمل بقى زفت. والشقة اللي كنا أجرناها مؤقتاً مش قادر أدفع إيجارها.. أنا اتدمرت رسمياً!
رديت عليه بكلمة واحدة قبل ما ألف وأمشي:
— اللي يفرّط في بيته وبنته عشان يرضي كبرياء غيره، ما يستاهلش يكون له بيت ولا عيلة أساساً.
دخلنا قاعة المحكمة. للقاضي كان صارم جداً بعد ما استمع لشواهد القضية وتقرير الطب الشرعي وأقوال ملك اللي كانت موثقة بالصوت والصورة. حماتي كانت قاعدة في قفص الاتهام بتبكي وبتبصلي بنظرات ترجي بعد ما راحت منها كل علامات التكبر والبرود اللي كانت بتقابلني بيهم في بيتي.
بعد المداولة، صدر الحكم المبدئي:
حبس الجدة (حماتي) سنتين مع الشغل والنفاذ بتهمة استغلال قاصر والاتجار بالبشر، وحبس صاحب المصنع سنة مع الغرامة، مع إحالة أوراق سامح للنيابة العامة لاستكمال التحقيق في مدى اشتراكه بالتكتم والتستر على الجريمة.
أول ما القاضي نطق بالحكم، صرخت حماتي ووقعت أرضاً في القفص، وسامح قعد على كرسي الخشب وهو حاطت إيده على وشه ودموعه نازلة بقلة حيلة.
خرجت من المحكمة وأنا حاسة إن جبل ثقيل انشال من على صدري.
أستاذ هشام جه جمبي وابتسم وقال:
— مبروك يا أستاذة نهى. قضية الطلاق للضرر اتحكم فيها لصالحك رسمياً اليوم مع نفقة مؤخر ومستحقات كاملة لملك، وبناءً على عقد ما قبل الزواج، سامح ماليش أي حق يطالب بأي قرش أو عقار من ممتلكاتك. أنتِ وبنتك بقيتوا أحرار تماماً وقانوناً.
طلعت موبايلي واتصلت بملك، أول ما ردت بصوتها الفرحان:
— ألو يا ماما؟ عملتِ إيه؟
قلت لها وأنا ببتسم من قلبي ونفسي مرتاح:
— كل حاجة انتهت يا ملك.. حقك جه بالقانون، ومحدش في الدنيا دي كلها يقدر يمس شعرة منك تاني. يلا جهزي نفسك عشان نخرج نتعشى بره ونحتفل ببداية حياتنا الجديدة.
قفلت المكالمة وأنا بصة للسما، متأكدة إن الأمومة مش مجرد كلام، الأمومة هي حماية وسند، وأي حد يفكر يدوس على عيالنا لازم يعرف إن الثمن هيكون غالٍ جداً.
مرّت أربعة أشهر على يوم الحكم. كانت الحياة هديت تماماً، والشمس أشرقت من جديد في بيتنا الصغير الهادي. ملك دخلت سنتها المصيرية في تالتة ثانوي بكل همة وشغف، وجداول دروسها ومذاكرتها بقت هي شغلنا الشاغل، والبيت بقى مليان بضحكتها وراحة بالها اللي غابت عننا كتير.
وفي يوم جمعة مشمس، وأنا قاعدة مع ملك في البلكونة بنشرب الشاي وبنراجع جدول امتحاناتها التجريبية، رن تليفوني.
كان الرقم غريب، بس حسيت بنغزة في قلبي. فتحت الخط وجالي صوت سامح.. بس مش الصوت اللي عرفته، كان صوت مكسور، حزين، وثقيل بالندم:
— نهى.. أنا عارف إنك مش عايزة تسمعي صوتي، ومش طالب منك تسامحيني.. أنا بس متصل أقولك إني مسافر اليوم بلدي، وسايب القاهرة خالص.
سكت وما رديتش، فكمل بصوت بيترعش:
— أومي أترمت في السجن، وصحتها ضاعت.. وأخويا ومراته اللي عملت كل ده عشانهم ورضيتهم على حساب بنتي، أول ما الفلوس راحت والشقة اتسحبت مني والقضايا اشتغلت، سابوني ولوحدي وما حدش فيهم سأل فيا ولا شال معايا جنيه في مصاريف المحامين. شغلي في الشركة انتهى بعد المحضر، وبيتي اتهد.. أنا خسرت كل حاجة يا نهى.. خسرت أومي، وشغلي، وكرامتي.. وأهم حاجة، خسرتك وخسرت ملك.
سمعته بمنتهى الهدوء، وما كانش جوايا أي غل ولا تشفي، كان جوايا بس راحة إن الحق ظهر، وإني حميت بنتي من النموذج ده.
قلت له بصوت هادي وثابت:
— ربنا يسهلك طريقك يا سامح. أنت خسرت ده كله يوم ما اخترت تكون متفرج على ظلم بنتك. اللي يفرّط في فلذة كبده عشان يرضي غرور الناس، الدنيا بتعلمه الدرس بالقسوة دي. اتعلم من اللي حصل، وابدأ نظف حياتك.
سامح اتنهد بكسرة وقال:
— ممكن أكلم ملك كلمة واحدة؟ أقولها بس إنها تسامحني؟
بصيت لملك اللي كانت قاعدة جنبي وسمعاني. ملك هزت رأسها بالرفض وهدوء شديد، وقالت لي بصوت واطي: “ماما.. أنا مش زعلانة منه، بس مش عايزة أفتكر الأيام دي تاني.. أنا باصة لقدام”.
قلت لسامح في التليفون:
— ملك بتبص لمستقبلها يا سامح، ومش محتاجة ترجع للماضي. ادعيلها من بعيد إن ربنا يوفقها في دراستها.
سامح سكت لحظات، وبعدين قال بنبرة مبشوحة:
— خلي بالك منها يا نهى.. أنتِ كنتِ الأم والأب، والسند اللي أنا معرفتش أكونه.. مع السلامة.
قفلت السكة. حطيت التليفون على الترابيزة وبصيت للسما.
ملك قربت مني، حطت رأسها على كتفي وقالت:
— ماما.. أنا بحبك أوي. شكراً إنك ما استسلمتيش، وشكراً إنك علمتيني إن البنت مش ضعيفة، وإن الحق دايماً بيرجع لو صاحبه قوي.
ضميتها لصدري بكل الحب والدفا اللي في الدنيا، وقلت لها:
— طول ما أنا حية على وش الأرض يا ملك، محدش هيقدر يكسر لك كلمة ولا ياخد منك حقك. يلا يا بطلة.. ورانا مراجعة فيزياء محتاجة تركيز!
ضحكت ملك من قلبها، ورجعت تفتح كتبها بحماس.
في اللحظة دي، عرفت إن القصة ما انتهتش بخسارة سامح ولا بسجن أمه.. القصة بدأت الحقيقة من هنا؛ بانتصار الأمومة، واسترداد الكرامة، وبداية مستقبل جديد ونظيف، مبني على الأمان والحب الصادق اللي محدش يقدر يساوم عليه.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”






