روايات وقصص

حكايات رومانى مكرم

مرت الأيام تقيلة لحد ما جه صباح يوم الجمعة. صحيت الساعة سبعة الصبح على هبد ورزع على باب الشقة كأنه بيتكسر. قمت مفزوعة، وطارق جري ورايا وهو بيفرك في عينه.
فتحت الباب، لقيت الحاجة فاطمة في وشي، وداخلة وزاقة الباب بكتفها، ووراها بنتها الكبيرة “شيرين”. حماتي مكنتش جاية لابس لبس خروج، دي كانت لابسة عباية بيتي قديمة، ورابطة راسها بإيشارب كرب، وفي إيدها كيس أسود كبير مليان قزايز كلور ومنظفات ومقشات.
وقفت في نص الصالة، وبصتلي من فوق لتحت بقرف، ووجهت كلامها لطارق اللي واقف مش فاهم حاجة:
— صحيتك من النوم يا حبيب أمك؟ معلش، أصل الهانم مرتك مجتش تنظفلي، فقلت العيب ما يصحش يفضل في بيتنا. أنا جيت بنفسي وجبت منظفاتي معايا عشان أنظف شقة ابني.. وأعلم الهانم اللي مأصلتش إزاي البيوت بتتغسل!
وتمت لفت ليا وعينيها بتطق شرار، وزعقت بصوت سمع العمارة كلها:
— بقى بترفضى تيجي تنظفيلي وتقوليلي أبعتلك ست بالفلوس؟ طيب وريني بقى هتمشي كلامك عليا إزاي في بيتك يا ست نادين!
وقفت نادين في نص الصالة، الدم بيغلي في عروقها من الإهانة، والذهول شال تفكيرها لثواني. حماتها واقفة بعبايتها القديمة وفي إيدها المقشات والكلور، وشيرين أخت طارق واقفة وراها بابتسامة تشفي، والصوت العالي مسمّع العمارة كلها.
​طارق اتصدم، الموقف كان أكبر من إنه يستوعبه في لحظات. بص لأمه، وبعدين بص لنادين اللي كانت واثقة إن دي اللحظة الفاصلة في جوازها؛ يا إما طارق هيكون راجل بيتها ويحمي كرامتها، يا إما كل شيء انتهى.
​قبل ما نادين تنطق بحرف، طارق أخد نفس عميق، وقرب من أمه بسرعة، مسك إيدها اللي فيها المنظفات وأخد منها الكيس والمقشة، وقال بصوت حاسم بس فيه احترام:
— “إيه اللي حضرتك بتعمليه ده يا أمي؟ بقى ينفع الحاجة فاطمة بقدرها وقيمتها تنزل في الشارع بالمنظفات عشان تعمل شو قدام العمارة؟ كدة بتقللي مني قبل ما تقللي من نادين!”
​حماته اتفاجئت بردة فعله، وبدأت تزعق:
— “أنا بقلل منك يا طارق؟ بقلل منك عشان جيت أنظفلك بيتك لما الهانم رفضت أصول البيوت وتربيتها؟”
​هنا طارق وقف بثبات، وبص لأخته ولأمه وقال:
— “لا يا أمي، نادين متربية وأصلها طيب، وعمرها ما قصرت معاكي. أنا ونادين متفقين من قبل الجواز على شكل حياتنا، وهي عرضت تبعتلك أم أحمد على حسابها الخاص إكراماً ليكي، وده كرم منها مش واجب عليها. شقتي ونظافتها دي مسؤوليتي أنا ومراتي، ومحدش ليه يدخل فيها.. اتفضلي يا أمي أدخلي استريحي واستدي كرامتك، أو أوصلك لبيتك معززة مكرمة، لكن المهزلة دي مش هتحصل في بيتي!”
​شيرين اخت طارق حاولت تتكلم وتولع النار:
— “جرى إيه يا طارق؟ إنت كبرت على أمك عشان خاطر الـ…”
​طارق قاطعها بصوت زلزل الصالة:
— “أنا بتكلم مع أمي يا شيرين! وما تسمحيش لنفسك تتخطي حدودك في بيتي ومع مراتي!”
​نادين في اللحظة دي اتصرفت بذكاء ووقار شديد؛ ما ردتش بكلمة ردح ولا دخلت في مشادة. مشيت ب هدوء، جابت كوبايتين مية ساقعة، وقدمتهم لحماتها ولشيرين وهي بتقول بصوت هادي ومرفوع الرأس:
— “منورة يا حماتي.. بيتك ومطرحك تنزلي فيه معززة مكرمة تأكلي وتشربي على راسنا من فوق، لكن شغل البيت مش شغلي ولا هيحصل، وطارق فاهم ده كويس من زمان. تفضلي استريحي.”
​الحاجة فاطمة اتلجمت. كانت داخلة بنية إنها تكسر نادين وتخلي طارق يضربها أو يطلقها، لقيت ابنها واقف حيطة سد، ومراته بتتعامل بثبات وانضباط انفعالي يطفئ أي حريقة. أخدت أخت طارق وإيدها فاضية، وقامت وهي بتمطم:
— “شيء طيب يا طارق.. بقى دي آخرتها؟ بتبدي مراتك على أمك؟”
​طارق مشي وراها وباس إيدها وقالها:
— “إنتي على راسي يا أمي، بس بيتي وكرامة مراتي من كرامتي، وأنا مش هسمح بقلة قيمة لحد فينا.”
​بعد ما مشيوا وقفل الباب، طارق لف لنادين وأخدها في حضنه وهو بيعتذرلها عن الموقف الصعب. نادين عرفت في اللحظة دي إن اختيارها لطارق كان صح، وإن الحدود لما تترسم بوضوح من البداية وبسند قوي من الزوج، محدش يقدر يخترقها مهما حاول.
​ومرت الأيام، والحاجة فاطمة عرفت إن نادين خط أحمر، ورجعت العلاقة في حدود الأدب والاحترام السطحي اللي يحفظ كرامه الجميع.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

مقالات ذات صلة
2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى