
لم يعد هناك عدو مشترك نصلب عليه أحقادنا، فبدأنا نأكل بعضنا البعض. نادية، التي شعرت أن الشقة المجاورة أصبحت فارغة، طالبت فورًا بنقل أثاث جديد لها وتوسيع شقتها لتشمل جزءًا من شقة شيماء السابقة. وعندما رفض أحمد بسبب ضائقته المالية الخانقة بعد تسديد حقوق شيماء والمصاريف القضائية، اندلعت بينهما حرب لا ترحم.
صرخت نادية في وجهه وسط الصالة وامتدت يدها بالإشارة المستفزة: “يعني بعت اللي حيلتك عشان تدفع للي راحت؟ وأنا وابنك نقعد في الضيق؟ لو مش قد الجواز والخلفة كنت قعدت جنب أمك!”
-
جوزى مسافر 2حكايات زهرهمنذ 27 دقيقة
-
جوزى مسافر 1 حكايات زهرهمنذ 28 دقيقة
-
اول حاجه عملها جوزى 2منذ ساعتين
-
اول حاجه عملها جوزى 1منذ ساعتين
تدخلت حماتي لتحمي ابنها وتسترد هيبتها الضائعة، فما كان من نادية إلا أن صرخت في وجه حماتي بأبشع الألفاظ، وطردتها من الشقة وأغلقت الباب في وجهها! حماتي التي كانت تصرخ “يييع كبوه في الزبالة!” على أكل شيماء الصافي، أصبحت اليوم تُطرد من شقة ابنها وتُرمى كلماتها في سلة المهملات على يد الضرة التي فضلتها ورقصت في عقيقتها.
أما أنا وسلفتي الثانية وأخت زوجي، فقد انقلبت حياتنا إلى جحيم. أزواجنا بدأوا ينظرون إلينا بنظرات الشك والريب، وأصبح زوجي يلومني باستمرار: “أنتم اللي وشكم شؤم على البيت! أنتم اللي قهرتم البت لحد ما خربتم البيت وجبتوا لنا الكلام في الشارع!”
تحولت جلسات الشاي والمؤامرات السابقة إلى مشادات يومية بيننا. أخت زوجي أصبحت تعايرنا، وأنا وسلفتي أصبحنا نتبادل الاتهامات عن المتسبب الأول في الطريقة التي كنا نعامل بها شيماء. أصبح البيت كأنه مأهول بالأشباح واللعنات؛ لا طعام له طعم، ولا فرحة تدخل القاعة، والصوت الوحيد الذي يعلو يوميًا هو صوت صراخ نادية وبكاء طفلها وخلافات أحمد المستمرة معها.
وفي أحد الأيام، اضطر أحمد لبيع سيارته الصغيرة واقتراض مبلغ من المال ليسدد بقية الديون التي تراكمت عليه للشرطة والمحامين ومؤخر الصداق. صار يشيخ قبل الأوان، يذهب إلى عمله وجهه ملبد بالهموم، ويعود لبيت لا يجد فيه سوى النكد والطلبات المعجزة من نادية.
وفي مساء يوم جمعة، جليست حماتي في البلكونة وحدها، تنظر إلى الحارة الشعبي. مرّت “أم أمل” الجارة من تحت البلكونة وهي تتحدث مع إحدى الجارات بصوت أسمع الجميع: “سبحان مغير الأحوال.. شيماء ربنا عوضها وفتحت مشروع أكل بيتي من شقة أخوها، والناس طوابير على أكلها ونضافتها، وربنا فتحها في وشها عشان مظلومة. أما الناس اللي ظلموها، شوفوا حالهم بقى عامل إيه!”
سقطت دمعة حارقة من عين حماتي، دمعة ندم متأخرة لا تنفع صاحبها. التفتت إليّ وأنا أضع أمامه كوب الشاي، وقالت بصوت مكسور يرجف: “إحنا عملنا إيه في نفسنا يا بَنتي؟ إحنا خربنا بيتنا بأيدينا عشان نكسر واحدة مالهاش حد.. أهو ربنا جاب لها حقها وخلى الدار تسود في وشنا.”
لم أستطع الرد عليها. نظرت إلى الأرض وشعرت بخزي يأكل أعماقي. كانت تلك هي اللحظة التي أدركنا فيها جميعًا أن السحر قد سحر الساحر، وأن الحساب البشري قد انتهى، ليبدأ الحساب الإلهي الذي سيتكفل بدفع ثمن كل دمعة وكل قهر أذقناه لتلك اليتيمة.
مرت السنون، ولم تكن الأيام كفيلة برأب الصدع أو معالجة الشرخ الذي أحدثه الظلم في بيتنا. تحول “بيت العيلة” الكبير من رمز للهيبة واللمة إلى هيكل متهالك ممتلئ بالضغينة والندم.
نادية، التي ظن الجميع أنها السند والواجهة التي ستبيض الوجه، استمرت في إذاقة حماتي وأحمد ألواناً من الجحيم. لم تكتفِ بالسيطرة على الشقة، بل تحولت حياتهم معها إلى سلسلة لا تنتهي من المشاجرات اليومية والصراخ الذي يسير به القاصي والداني في الحارة. لم تراعِ كبر سن حماتي ولا مرضها، بل كانت تتعمد إهانتها أمام الجيران بالطريقة نفسها التي كنا نضحك بها قديماً على شيماء، وكأن العدالة الإلهية أبت إلا أن تجعل العقاب من جنس العمل وبنفس الأدوات.
أما أحمد، فقد انكسر ظهره تماماً؛ تراكمت عليه الديون، وفقد هيبته بين أقرانه، وأصبح يهرب من بيته ليقضي معظم وقته على القهاوي، فاراً من نكد نادية ومتطلباتها التي لا تنتهي. وفي أحد الأيام، جاءنا الخبر الذي أثلج صدور كل من عرف قصة شيماء؛ لقد تقدم لخطبتها رجل صالح، تاجر ميسور الحال ذو خلق ودين، عرف قصتها ورأى فيها الزوجة الأصيلة والمرباة، وجاء يطلب يدها من أخيها محمود مرفوع الرأس.
في يوم زفاف شيماء الجديد، كانت الحارة كلها تتحدث عن فرحها. خرجت كالأميرات من بيت أخيها، وحولها المحبون والجيران الذين شهدوا ألمها قديماً ويشهدون اليوم تكريم ربنا لها. في ذلك اليوم بالذات، كانت حماتي تجلس خلف الشباك المظلم، نفس الشباك الذي كانت شيماء تطل منه تبكي، تصب الدموع حارقة على ما اقترفته يداها، وتتمتم بصوت خافت مكسور: “سامحينا يا شيماء.. سامحينا يا ابنتي.”
وانفرط عقد البيت الكبير؛ أنا وسلفتي الثانية أصررنا على الاستقلال بشقق خارجية بعيداً عن هذا الجو المسموم بعدما أكلت الخلافات زوجينا، ورحلت أخت زوجي لبيت زوجها وهي تحمل عقدة النفسية والذنب، وبقيت حماتي وحدها مع أحمد ونادية في بيت تسكنه الأشباح والذكريات القاسية.
الحكمة والعبرة من القصة
تتجلى في هذه القصة سنة إلهية ثابتة لا تتخلف: “الظلم ظلمات يوم القيامة، والديّان لا يموت”.
* اليتيم والضعيف له رب يحميه: قد يظن الإنسان في لحظة طغيان أو غرور بالكثرة والعزوة أن استضعاف اليتيم أو سلب حقه أمر سهل لا عقاب عليه، لكن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، وتأتي الإجابة ولو بعد حين.
* الجزاء من جنس العمل: كل كلمة قاسية، وكل كسرة خاطر، وكل إساءة وُجهت لشيماء ردها القدر بأضعاف مضاعفة لأصحابها، ليذوقوا من نفس الكأس التي سقوا منها غيرهم.
* الكرامة لا تُشترى: الصبر والسكوت ليس لضعف، بل كان نبلاً من شيماء؛ وعندما جاءت لحظة الاستغناء، أثبتت أن كرامة الإنسان ورحمته بنفسه أهم من البقاء في جحر يتغذى على القهر.
إن جبر الخواطر عبادة، وكسرها ذنب قد لا يُمحى إلا بعقاب عاجل في الدنيا قبل الآخرة.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”





