
— “إيه ده يا حسن؟ إيه القرف ده؟”
حسن بص للدكتور إيهاب المساعد، وقال بنبرة قاطعة:
— “إيهاب… ادخل اقعد.”
إيهاب كان بيرتعد. حقيبته الجلدية سقطت من إيده على السجاد!
حسن كمل كلامه بثبات وهو يشير إليّ:
— “دي وفاء… وفاء الخدامة اللي بتنظف جزمة جنابك كل يوم. وفاء اكتشفت إن الشنطة المعقمة اللي جابها حسام أخويا، كان فيها خيوط كفلار صناعية سامة… خيوط ما بيستخدمهاش غير اللي خدم في وحدات التدخل السريع أو الصيانة العسكرية!”
إيهاب سقط على ركبتيه فوراً، وصرخ برعب:
— “والله العظيم ما أنا يا حسن بيه! والله العظيم حسام بيه هو اللي جابلي العلبة المغلقة وقاللي دي خيوط مستوردة من ألمانيا للعمليات الحساسة وأمرني أستخدمها وأقفل بيها الطبقة الداخلية للجرح!”
حسام اتجنن وصرخ في إيهاب وهو بيضربه برجله:
— “أنت كذاب يا كلب! أنت بتتبلى عليا عشان تنقذ نفسك؟!”
لوجينا جرى ومسك حسام من ذراعه، وثبته على الكرسي بقوة خرافية.
وقف حسام ممسوكاً، والفضائح انكشفت في نص الغرفة.
أنا مشيت بخطوات ثابتة نحو حقيبة إيهاب الجلدية التي سقطت على الأرض. فتحت السوستة الخارجية، وطلعت منها علبة خيوط بلاستيكية شفافة، متبقية فيها بكرة خيط سوداء متطابقة تماماً مع الخيوط التي استخرجتها من كتف حسن!
رفعت البكرة قدام ضوء اللمبة وقلت بصوت حاد وواثق:
— “البكرة دي عليها رقم التسجيل التجاري: (M-402)… وده نفس رقم التشغيلة الخاصة بالمهمات التي وردتها شركة ‘النيل للنسيج والصلب’… الشركة اللي حسام بيه اشترى فيها 60% من الأسهم الشهر اللي فات من ورا ضهر حسن بيه!”
حسن بص لحسام بنظرة جعلت الغرفة كلها تجمد.
حسام وشـه فقد أي طيف للحياة. الأوراق والكشوفات المالية والنسيجية أصبحت كلها متصلة بخيط واحد أسود!
قال حسن بنبرة خفيضة كأنه يقرأ حكماً بالإعدام:
— “حسام… أنت اللي خططت لمحاولة الاغتيال الأولى على الطريق الصحراوي. ولما الرصاصة جات في كتفي وما موتتنيش… خفت أرجع وأعرف إنك بتسرق حسابات المجموعة في دبي وسويسرا. فاستغليت جرحي، وجبت الخيوط المسممة دي من شحنة شركتك، وأمرت إيهاب يخيط بيها جرحي الداخلي عشان أموت بالتسمم البطيء وتبان وفاة طبيعية وناتجة عن مضاعفات جراحية!”
حسام بدأ يبكي ويصرخ بهيستيريا وهو يتوسل لأخيه الكبير:
— “حسن! ارجوك يا حسن! الشيطان غواني! الديون كانت هتخرب بيتي والشركاء في بيروت كانوا بيهددوني بالقتل لو ما سلمتلهمش توكيل المجموعة! سامحني يا أخويا! أنا أخوك من أباك وأمك!”
حسن غمض عينيه بنفاذ صبر، ونزل رأسه للأرض.
ثم رفع رأسه وقال للوجينا بنبرة قاطعة خالية من أي رحمة:
— “لوجينا… خد حسام وإيهاب وعامر على المزرعة القديمة في الفيوم. الحقوق اللي اتسرقت من المجموعة ترجع بالكامل… وبعدها، يتقفل ملفهم بالطريقة اللي يفهموها.”
لوجينا والحراس سحبوا الثلاثة وهم يصرخون ويتوسلون، وخرجوا من الجناح الملكي، وأُغلق الباب الثقيل وراءهم.
ساد الصمت الشديد في الجناح الملكي.
بقيت واقفة في نص الغرفة، ملابسي البسيطة مغطاة بقع الدم، وإيدادي ما زالت تحمل أثر الجراحة الإنقاذية.
حسن قام من على السرير ببطء. مشي بخطوات ثقيلة وثابتة، ووقف أمامي مباشرة.
تأمل وجهي الشاب، وعيني الواثقتين اللتين لم ترتبكا أمام نفوذه وسلاحه.
أخرج من جيبه الداخلي لسترة مكتبه مظروفاً أبيض ثقيلاً، وحطه في يدي.
قال بصوت دافئ وقوي:
— “ده فيه الشيكات الخاصة بديون المستشفى بتاعة أمك الله يرحمها… مدفوعة ومقفولة بالكامل بختم البنك المركزي.”
أنا مسكت المظروف، وتنفس بحرقة وارتياح:
— “شكراً يا حسن بيه… كده أنا أقدر أمشي وأرجع لحياتي البسيطة.”
ابتسم حسن ابتسامة حقيقية، ونفى برأسه بهدوء:
— “تمشي فين يا وفاء؟! أنتِ من الليلة دي مش الخدامة اللي بتمسح البلاط في القصر… أنتِ من الليلة دي رئيسة قطاع المراجعة والجودة الفنية والسلامة لكل مستودعات وشركات مجموعة حسن المنشاوي!”
اتسعت عيناي بالذهول:
— “أنا؟! بس أنا ما عنديش شهادة جامعية في الإدارة يا حسن بيه!”
وضع حسن يده الثقيلة على كتفي، وقال بكل كبرياء وصدق:
— “العين اللي قدرت تشوف ست غرز سوداء مدفونة في عمق اللحم وسط عشرين جراح وملايين الدولارات… أحسن وأصدق من مية شهادة جامعية. القوة مش بالشهادات يا وفاء… القوة بالعقل والضمير والنية الصافية.”
بعد مرور عام كامل…
أقف الآن أمام الشباك الزجاجي العريض في الدور الخمسين بإحدى نطاحات السحاب بالقاهرة.
أرتدي بدلتي الرسمية الفاخرة، وفي يدي ملفات المراجعة الفنية الخاصة بأضخم صفقات المهمات والنسيج الطبي والصناعي في الشرق الأوسط.
لم أعد تلك الفتاة المكسورة التي تطاردها ديون المستشفيات وشبح الفقر. أصبحت “المهندسة وفاء”—الرأس الفني الموثوق الذي يخشاه الجميع، والذي يدير منظومة السلامة والتدقيق في إمبراطورية حسن المنشاوي بكل شرف ونزاهة.
حسن استرد صحته بالكامل، وتطهرت إمبراطوريته من الخونة والمستغلين، وأصبح يعمل في النور بعقود رسمية ومشاريع تنموية كبرى تحت رقابتي وحرصي الدائم.
تذكرت أمي الراحلة… تذكرت يدها الخشنة وهي تعرّفني على أسرار الخيوط والألياف تحت إضاءة لمبة الكيروسين البسيطة في بيتنا القديم المحلة.
ابتسمت ورأسي مرفوعة للسماء…
علمت أن الشرف والضمير والخبرة الصادقة هما السلاح الأعظم الذي يكسر العروش الفاسدة، وأن الله ينصر صاحب النية الصافية واليد الشريفة ويدفعه من القاع إلى القمة مهما بلغت الظلمات.
تمت بحمد الله.
صلوا على النبي، والحق دايماً بيبان والنية الصافية ربنا بينصر صاحبها في النهاية.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”
-
سلفتى 3 حكايات رومانى مكرممنذ ساعة واحدة
-
سلفتى 2 حكايات رومانى مكرممنذ ساعة واحدة
-
سلفتى 1 حكايات رومانى مكرممنذ ساعة واحدة
-
حكاية ياسين ومريم 1منذ ساعة واحدة





