منوعات

حكايات رشا خالد 1

وبعدين ضحكت بسخرية وقالت:

— وبعدين بنتك بصراحة مدلعاها زيادة عن اللزوم.

بصيتلها.

فكملت:

— إحنا أول ما جينا هنا، طلبنا منها بس تسيبلنا أوضتها كام يوم عشان نقعد فيها، لكنها رفضت!

— عشان كده ماما قالت لازم ملك تتعلم الأدب وتاخد درس.

بصيت لكل واحد فيهم.

نظرتي اتحولت بالتدريج من القلق للبرود.

في اللحظة دي فهمت حاجة واحدة…

دول مش ناويين يقولولي بنتي فين.

طلعت موبايلي قدامهم.

وكلهم كانوا فاكرين إني هتصل بسامح تاني.

لكن أنا طلبت رقم الشرطة.

وأول ما الخط اتفتح قلت:

— ألو، يا فندم… أنا عايزة أعمل بلاغ.

وسكت لحظة وأنا ببص في عيون حماتي.

وبعدين قلت:

— بنتي القاصر اتاخدت من بيتي واتسلمت لناس معرفهمش، وأنا مش عارفة مكانها لحد دلوقتي.

— أرجوكم ابعتوا قوة

و

وأول ما سمعت كلمة “قاصر” و”شرطة”، وش حماتي اصفرّ في ثانية، والمباهاة والبرود اللي كانت بتتكلم بيهم اختفوا تمامًا. مرات أخو جوزي وقفت بسرعة من على الكنبة، وأخو جوزي اللي كان قاعد ساكت وبياكل في التسالي بصلي بذهول وهو مش مصدق إني عملت كده.

حماتي وقفت بغضب وجات ناحيتي وهي بتصرخ:

— أنتِ اتجننتِ يا نهى؟! بتطلبي الشرطة لعيلتك؟ أنتِ عايزة تفضحينا وتودينا في داهية عشان حتة بت؟!

رديت عليها بنبرة أبرد من الثلج، وأنا لسه ماسكة التليفون في إيدي وبأكد للمأمور على العنوان بالظبط:

— البت دي بنتي.. وقاصر.. وأي حد أخدها من بيتها وشغلها غصب عنها في مكان مجهول، دي بالنسبة للقانون جريمة خطف وتشغيل أطفال وتعريض قاصر للخطر.

قفلت المكالمة وحطيت الموبايل في شنطتي، وبصيتلهم كلهم بجمود. البيت اللي كان بالنسبة لي مصدر أمان ودفا، بقى فجأة زي ساحة حرب، ناس غريبة واخدين راحتهم، فارشين أمتعتهم في الصالة، وأوضة بنتي اللي كانت مليانة كتب ومذكرات وضحكها، بقت معسكرة فيها عيلة أخو جوزي.

مرات أخو جوزي قربت مني وبدأت تلعب دور الضحية، قالت بنبرة حادة ومستفزة:

— جرى إيه يا نهى؟ إحنا ضيوفك! بدل ما تقابلينا بابتسامة وتعمليلنا واجب الضيافة، جايبة لنا الشرطة؟ هو إحنا حرامية ولا قطاع طرق؟ إحنا أهل جوزك!

رديت عليها وأنا بقلب نظري بينها وبين جوزها:

— الضيف اللي يدخل بيت مش بيته، ويطرد صاحبة الأوضة، ويشارك في إخفائها، ما يبقاش ضيف.. يبص لروحه في المراية الأول.

في اللحظة دي، تليفوني رن. كان سامح.

فتحت السبيكر قدامهم كلهم عشان يسمعوا. صوته كان متوتر ومشحون:

— نهى! أمي كلمتني الحقيني وتقولي إنك طلبتِ الشرطة؟ أنتِ جرى لعقلك إيه؟ أنتِ عايزة تخربي البيت وتفضحينا قدام منطقتنا وناسي؟

سألته بصوت هادي جدًا:

— سامح.. أنت عارف بنتك فين؟

تردد لحظة، وبعدين قال بعصبية بيحاول يداري بيها ضعفه:

— أمي قالت لي إنها في مصنع نسيج تبع معارفنا في منطقة قريبة.. شغلانة خفيفة كده تجيب منها مصاريفها وتتعلم.. إيه المشكلة يعني؟ أنتِ مكبرة الموضوع ليه؟

— أنت بجد بتسأل إيه المشكلة؟ بنتك اللي طالعة تالتة ثانوي، اللي حلمها تدخل هندسة، تسيب دروسها ومذاكرتها في عز الصيف وتتبعت مصنع نسيج غريب عشان تفضي أوضتها لعيلة أخوك؟ وأنت كأب موافق على المهزلة دي؟

سامح زعق في التليفون:

— ما تتكلميش عن عيلتي بالطريقة دي! أخويا وظروفه صعبة، وما صدقنا نجمع العيلة! وبعدين ملك مش صغيرة، وهي فين المشكلة لما تتعب شوية؟ اعتبريها قرصة أذن عشان قلة أدبها ولما أمي طلبت منها الأوضة وقفت تتناقش معاها!

ابتسمت بسخرية وقالتله:

— تمام يا سامح. الشرطة زمانها في السكة. وأنا مش هتنازل عن البلاغ غير لما بنتي ترجع قدام عيني، وكل واحد عمل الحركة دي يدفع التمن.

زعق أكتر:

— لو الشرطة دخلت البيت يا نهى، اعتبري اللي بيننا انتهى!

رديت بمنتهى الثبات:

— هو انتهى بالفعل من اللحظة اللي بعت فيها بنتك عشان ترضي أمك وأخوك. اقفل يا سامح.. استغل الوقت ده ودور لك على مكان تقعد فيه أنت وعيلتك، لأن البيت ده قدامه ساعات ويتقفل في وشكم كلكم.

قفلت السكة في وشه قبل ما ينطق بكلمة. حماتي كانت بتبصلي بذهول، مش متوقعة إن نهى الهادية، الموظفة الناجحة اللي كانت ديمًا بتعدي وتسامح عشان خاطر بيتها وجوزها، تتحول للشرس ده في لحظة.

قالت حماتي وهي بتهز إيدها بتهديد:

— ماشي يا نهى.. بقى بتبيعي جوزك وبتقفي لأمه عشان خاطر بت لا راحت ولا جت؟ بكرة تعنس وتقعد في أقرابك، وساعتها تشوف مين اللي هيقف جنبك!

ما لحقتش أرد، لأن جرس الباب رن.

فتحت الباب، وكان فيه أمين شرطة واثنين معاه من رجال الأمن. الأمين بص للبيت وللناس اللي قاعدين، وبعدين بصلي وقال:

— حضرتك الأستاذة نهى اللي بلغتِ عن اختفاء ابنتك القاصر؟

قلت بثبات ووضوح:

— أيوة يا فندم. أنا نهى، والبيت ده ملكي بعقد مسجل. أنا كنت في سفر عمل لمدة ٣ أيام، ولما رجعت لقيت حماتي وأقارب جوزي مستوليين على البيت، وبنتي القاصر (ملك سامح منصور – ١٧ سنة) مش موجودة. وحماتي اعترفت صراحة إنها أخدتها ورغمتها تشتغل في مصنع مجهول بدون إذن مني بصفتي ولي أمرها وصاحبة البيت.

أمين الشرطة بص لحماتي وقال بنبرة رسمية صارمة:

— الكلام ده صحيح يا حجة؟ فين البنت؟

حماتي ارتبكت وبدأت تتلعثم:

— يا باشا دي عيلة وبنأدبها.. البت كانت بتترسم علينا ومش راضية تسيب أوضتها لضيوفنا، فقلنا تسرح تشتغل شوية وتعرف قيمة القرش.. ده موضوع عائلي ما يستاهلش الشرطة!

الأمين رد بحزم:

— موضوع عائلي لما تختلفوا على العشا.. لكن تشغيل قاصر وتغيبها عن بيتها بدون علم والدتها دي جريمة. فين مكان المصنع ده بالظبط؟

أخو جوزي اتدخل وهو خايف:

— يا باشا والله إحنا مالناش دعوة.. أمي هي اللي نسقت مع صاحب المصنع، هو مصنع طوب ونسيج على أطراف المنطقة الصناعية.. إحنا مجرد ضيوف!

قلبي اتقبض أكتر لما سمعت كلمة “مصنع طوب ونسيج على أطراف المنطقة الصناعية”. بنتي الرقيقة، اللي أقصى حلمها كتاب جديد أو كورس إنجليزي، محبوسة في مكان زي ده وفي الحر ده عشان ترضي غرور حماتي ووقاحتها؟

قلت للأمين بصوت بيترعش من الغضب:

— يا فندم أنا نطاق ولايتي على بنتي واضحة، وأنا بطالب بحمايتها فورًا وضبط كل من اشترك في نقلها للمكان ده.

في اللحظة دي، دخل سامح وهو بيجري، عرقه سايح ووشه أحمر من الغضب والارتباك. بصلي بغل وبعدين بص للشرطة وقال:

— يا حضرة الضابط، أنا والد البنت! أنا سامح منصور، وأنا اللي وافقت على سفرها للعمل.. أمي مالهاش ذنب، وده شأن أسري!

الأمين بص لسامح ببرود وقال:

— الأم هي المسؤولة وهي اللي أبلغت عن غيابها وتسلّمها لجهات غير معلومة بدون علمها.. وحضرتك بتقول إنك الأب، لكن البلاغ قيد التحقيق دلوقتي. اتفضلوا معانا على القسم عشان نحدد مكان القاصر فورًا ونعمل محضر بالإجراءات.

حماتي بدأت تصرخ وتصوّت:

— يا فضيحتك يا سامح! مرتك بتجرجر أمك للقسم! يا ناس يا عالم، جنيت على نفسي لما جوزتك واحدة شايفانا ولا حاجة عشان معاها قرشين!

بصيت لسامح وقلت له قدام الضابط:

— القرشين دول هما اللي أكلت منهم وأنت وعيلتك، والبيت ده اللي شايلكم هو بيتي.. وبنتك اللي فرطت فيها عشان أرضيت كبرياء أمك، هي الخط الأحمر اللي هيطير فيه رقابكم كلكم.

أمين الشرطة طلب من الجميع التوجه للقسم. حماتي وأخو جوزي ومراته كانوا بيمشوا وهما بيبصولي بكراهية وغضب، بينما سامح كان بيحاول يكلمني بعيد عن الشرطة:

— نهى.. ارجعي عن اللي في دماغك! لو عملتِ محضر لأمي، قسمًا بالله ما هتشوفي ملك تاني، وأنا اللي هخفيها عنك بجد!

وقفت مكاني وبصيت له في عينه بشكل مرعب، وقلت له بصوت واطي ومسموع له بس:

— تهديدك ده هو اللي هيضمن إنك تقضي بقية حياتك بتدفع ثمن الغباء ده. المحامي بتاعي على وصول للقسم، والعقد اللي بيننا هيتنفذ بالحرف.. أنت انتهيت يا سامح.

وصلنا قسم الشرطة. كانت الساعة قربت من منتصف الليل. الهدوء اللي في القسم كان بيقطعه صراخ حماتي ومشاحنات أخو جوزي. بعد فترة قصيرة، وصل المحامي بتاعي، أستاذ هشام، ومعاه أوراق البيت وعقد الزواج والشرط الجزائي وعقد ما قبل الزواج.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى