روايات وقصص

جوزي زعيم المافيا. حكايات ميراا

«اقبليها… أو اطلعي برّه بيتي.» ما قالهاش بصوت عالي. وده كان أصعب. كان واقف قدامي الناحية التانية من رخام جزيرة المطبخ، لابس قميص رمادي غامق وأكمامه مرفوعة لحد دراعه، ووشه مفيهوش أي تعبير تقريبًا، كأنه بيتكلم في صفقة شغل، مش بيطلب من مراته اللي حامل في الشهر السادس إنها تتقبل الست اللي بقاله سنين زميلة وواقفة جنبه في شغله وحياته.

المطر كان بينزل على شبابيك قصرهم في شيكاغو.

مقالات ذات صلة

حطيت إيدي تحت بطني المنتفخ.
بنتي اتحركت جوايا.

وعلى بُعد عشرين خطوة، كانت سيلين مراد، الزميلة القديمة لآدم، قاعدة في أوضة السفرة.
على كرسيي أنا.
ولابسة واحد من بلوفرات الكشمير بتوع جوزي.
التفصيلة دي وجعتني أكتر مما كنت عايزة أعترف.
تمن سنين جواز.
تمن سنين وأنا بعمل عزومات لرجالة كنت عارفة كويس إني ماينفعش أسألهم بيشتغلوا إيه.
تمن سنين قعدت جنب آدم المنشاوي في مناسبات، وتحقيقات، وخلافات، ومستشفيات، ومحادثات هامسة كانت بتسكت أول ما أدخل.
تمن سنين وأنا مصدقة إن مهما كان آدم راجل مشغول وعملي إزاي مع باقي الناس، معايا أنا هيكون مختلف.
لكن دلوقتي كان بيبصلي كأن الوفا دين لسه أنا اللي مطالبة أسدده، رغم إنه قضى سنين بيبعدني عن تفاصيل شغله.
قلت بصوت واطي:
«قولها تاني.»
شد آدم فكه.
«ماتكبريش الموضوع.»
بصيتله بثبات.
«قولها تاني.»
اتنهد.
«سيلين جزء من حياتي المهنية والقديمة. وده مش هيتغير بسهولة.»
«وأنا مراتك.»
«أيوه.»
«وأنا شايلة بنتك.»
«عارف.»
«يبقى إنت عايزني أتقبل إيه بالظبط؟»
نظراته قست.
أنا كنت عارفة النظرة دي كويس.
مئات الناس في شيكاغو كانوا بيعملوا لها حساب.
لكن أنا… مبقتش أخاف.
قال آدم ببطء:
«أنا خلصت تمثيل إن الموضوع ده مش مخفي. سيلين مش هتختفي لمجرد إنك مش مرتاحة لوجودها في محيطنا. البيت ده بتاعك. عندك حراسة. عندك كل حاجة ممكن تحتاجيها. بنتنا كمان هيكون عندها كل حاجة.»

بصيتله.
كل حاجة.
ماعدا أب بيحترم أمها.
ماعدا بيت مش مبني على الغموض والإهانة.
وماعدا المثال اللي فجأة اكتشفت إني على وشك أقدمه لبنتي.

سألته:
«ولو قلت لأ؟»

ملامحه بقت هادية بشكل مخيف.
«يبقى امشي.»
البنت اتحركت جوا بطني تاني.
بصيت لتحت.
ولثانية واحدة بس، افتكرت البنت اللي كان عندها أربعة وعشرين سنة ووقعت في حب آدم المنشاوي.
كان عنده وقتها تلاتين سنة، وكان بالفعل راجل ناجح وقوي، وحواليه ناس كتير بيوطوا صوتهم أول ما يدخل المكان.
لكن معايا كان بيضحك.
كان بيطبخ مكرونة نص الليل.
وكان بيقعد على الأرض جنب كرسي المستشفى وأنا جنب أمي وهي بتموت، ويمسك إيدي لحد الفجر.
ولما طلب إيدي، قال لي:
«في حاجات في حياتي هتشوفيها غريبة. بس عمرك ما هتضطري تسألي نفسك إذا كنت بحبك ولا لأ.»
وأنا صدقته.
وده كان غلطي.
مش إني حبيته.
غلطي إني صدقت إن الحب هيخليني مستثناة من القواعد والغموض اللي هو بيفضه على كل اللي حواليه.
رفعت عيني وبصيتله.
وقلت:
«ماشي.»
ظهر شيء غريب على وشه.
هو كان مستني صريخ.
يمكن مساومة.
يمكن دموع.
كان متوقع إني أستسلم زي أي حد بيتعامل مع الظروف دي.
لكن أنا لفيت ومشيت على السلم.
الشنطة كانت متجهزة أصلًا.
وده الجزء اللي آدم ماكانش يعرفه.
لأن الإنذار اللي قالهولي حصل يوم الأحد بعد الضهر.
لكن جوايا أنا… الجواز كان انتهى من أسبوعين.
أنا بس ماكنتش قلتله.
قبلها بأسبوعين، يوم الجمعة، آدم قال لي إنه مسافر ميلووكي عشان اجتماع عمل طارئ.

نفس الفندق.

نفس الشركاء.
نفس الحجة اللي قالها سنين.
ابتسمت وأنا بتفرج عليه وهو بيخرج.
وبعدها ركبت عربيتي الإيجار وروحت لمطار خاص قريب.
الساعة 7:23 الصبح، عربية آدم وصلت.

نزل منها.
لكن بدل ما يطلع طيارة السفر، مشي ناحية عربية تانية.

كانت فيه ست قاعدة ورا الدركسيون.
شعرها غامق.
لابسة بالطو كريمي.
في أواخر العشرينات.
جميلة بالطريقة الهادية والمصقولة اللي بتخلي الحكاية تبدو مرتبة.
قالت له حاجة.
فضحك آدم.
مش الضحكة المهذبة اللي كان بيضحكها في مناسبات الشغل.
ضحكته الحقيقية.
ضحكته اللي أنا ماعدتش أسمعها في البيت من شهور.
مشيت وراهم لحد بيت في شمال شيكاغو.
الست فتحت الباب من غير تردد.
وآدم شال شنطته ودخل.
ومن فتحة صغيرة بين الستائر، شوفته وهو بيرحب بيها بحرارة.
ماكانش ترحيب اتنين لسه بيبدأوا حاجة.
كان ترحيب اتنين بيرجعوا لحاجة قديمة ومألوفة.
طلعت موبايلي.
صورت صورة.
وبعدها صورة تانية…
مش لأنه بيخفي عني تفاصيل.
لكن لأن المشهد أكدلي حاجة كنت برفض أصدقها:
آدم ماكانش واقع في غلطة عابرة.
آدم كان عايش حياة تانية.
حياة أنا عمري ما كنت الجزء الحقيقي منها.
قفلت الموبايل، ورجعت على عربيتي.
ما واجهتوش.
ما اتصلتش بيه.
وما سألتوش مين هي.
لأني لأول مرة فهمت إن السؤال مش هيغير الإجابة.
بعد يومين، بدأت أدور بهدوء.
اكتشفت إن اسمها سيلين مراد.
وإنها مش مجرد معرفة عادية.
كانت موجودة في حياة آدم من قبل ما أتجوزه أصلًا.
اختفت فترة طويلة…
وبعدين رجعت.
والأخطر؟

إن آدم كان مجهز لها مكان باسم شركة من شركاته.

ومصاريفها كلها كانت بتتدفع بترتيب خاص.
قعدت قدام اللابتوب ساعات وأنا براجع الأوراق.
كل شهر.
نفس الترتيب تقريبًا.
بقاله أكتر من أربع سنين.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى