روايات وقصص

حكايات امانى السيد 2

سقطت على الأرض من شدة الإعياء والوجع الذي تمكن من جسدي، وغطى صوت أنفاسي المتقطعة على كل ما يدور حولي. أحمد أخويا ساب ياقة زياد وجري عليا بذهول وخوف، ونزل على ركبه وهو بينادي بلهفة:
ـ سهيلة! مالك يا بنتي؟! الحقيني يا أمي بسرعة!

 

مقالات ذات صلة

أمي جرت وهي بتمسك رأسها والدموع تنزل بغزارة، وفي لحظات كان أحمد قد حملني برفق واتجه بي نحو السلم، بينما وقف زياد في وسط الشقة مذهولاً، ووقفت مراته الجديدة جنبه تنظر ببرود وقسوة وهي تهز رأسها بصوت مسموع: “أهو ربنا أخدلي حقي وجاب عقابها لنفسها!”.

التفت إليها أحمد بنظرة غاضبة وهو يحملني، ثم صرخ في وجه زياد بصوت حاسم:
ـ وحياة تعب أختي ده يا زياد، لو جرى لها أو للطفل حاجة، لن أترك حقوقنا قانونياً ولن أرحم هذا التجاوز!

ركبنا السيارة وانطلق بنا أحمد بسرعة نحو أقرب مستشفى طوارئ. كنت شبه غائبة عن الوعي، لا أسمع سوى دعوات أمي المذعورة، بينما الألم في بطني يزداد شدة.

فور وصولنا، نقلني فريق التمريض فوراً على السرير المتحرك إلى غرفة الطوارئ، وتجمع الأطباء لتقديم الرعاية اللازمة. بعد فترة غبت فيها عن الوعي، فتحت عيني لأجد نفسي في غرفة بالقسم الداخلي، والمحاليل متصلة بي، وأمي تجلس بجانبي تمسك يدي بدموع، بينما أحمد يترقب بقلق عند الباب.

التفت إلى أمي بصوت ضعيف ومبحوح:
ـ أمي.. الطفل.. هل حدث له مكروه؟

قبلت أمي يدي بدموع مترطبة وقالت بصوت مكسور:
ـ الحمد لله يا بنتي.. ربنا سترها. الدكتورة أخبرتنا أنها حالة إجهاض منذر، ونزيف حاد نتج عن الضغط العصبي والنفسي الشديد الذي تعرضتِ له، لكنهم تمكنوا من تثبيت الحالة ومنحك الحقن والمثبتات، ويجب أن تلزمي الراحة التامة على الظهر.. أي إرهاق أو انفعال جديد قد يعرض الجنين للخطر الفوري.

تنظرت بعمق وسالت دموعي، تجمع فيها شعور الراحة بأن طفلي ما زال حياً، والخوف العارم مما تخبئه الأيام.

وفجأة، انفتح الباب بقوة.. ودخل زياد!

كان شكله مبعثراً وعيناه حمراوين. أسرع أحمد ليقف أمده ويمنعه من التقدم، صارخاً بغضب:
ـ بأي وجه تقف هنا الآن؟! ألا تستحي بعد كل ما بدر منك؟!

تجاهل زياد دفع أحمد، وبدت على صوته علامات الارتباك والخوف لأول مرة:
ـ أرجوك يا أحمد اتركني أدخل.. أنا هنا لأطمئن على سهيلة وعلى الطفل.. لقد سمعت الطبيبة تتحدث عن خطورة حالتها.

اقترب زياد من السرير بقلة حيلة، وقال بصوت حاول جاهدة أن يهدئه:
ـ حمداً لله على سلامتك يا سهيلة.. أنا حقاً لم أكن أتمنى أن تصل الأمور لهذا الحد، أنتِ تعلمين حجم الضغوط التي كنت أحاط بها.. المهم الآن أن تكوني أنتِ والطفل بخير.

نظرت إليه نظرة لخصت كل خذلان السنين، ورددت بصوت هادئ ولكنه قاطع:
ـ طفل؟ هل أصبح طفلاً الآن يا زياد؟ ألم يكن منذ ساعات “الشيء” الذي طلبت مني التخلص منه فوراً والذهاب للاعتذار لزوجتك ونفي وجوده؟ هل تأتي للاطمئنان بعد أن كدت تقضي عليّ وعلى جنيني بهذا الضغط المتعمد؟

حاول زياد تبرير موقفه بضعف:
ـ كنت فاقداً لسيطرتي وعصبياً يا سهيلة.. زوجتي الجديدة هددت بطلب الطلاق، وكنت محاصراً بوعود سابقة.. وأنتِ من تسببتِ في تصعيد الموقف عندما تحدثتِ مع الأقارب!

تدخل أحمد بصوت يشبه الرعد:
ـ ألا زلت تبرر أفعالك؟! تفضل رضا زوجتك المراهقة على استقرار بيتك وسلامة زوجتك وأم أولادك؟! أختك لن تعود معك لهذا البيت، وكل نفقات علاجها وحقوقها ستتحملها كاملة، والطلاق أصبح أمراً حتمياً بمجرد أن تتعافى!

تغيرت ملامح زياد وظهر التوتر جلياً في عينيه، وقال بعناد واهٍ:
ـ طلاق ماذا يا أحمد؟! سهيلة زوجتي ولن أطلقها! ستظل على ذمتي وتعود لمنزلها حين تخرج من المستشفى، ولن يسمح أحد بتربية ابني بعيداً عني!

في تلك اللحظة، رن الهاتف المحمول لزياد بصوت مرتفع، وكان المتصل زوجته الجديدة (شيماء). فتح الخط بعصبية ليسمع الجميع نبرتها الحادة عبر السماعة:
ـ في أي مستشفى يقبع هذا العبث يا زياد؟! أما زلت هناك؟! اسمعني جيداً.. إن لم تأتِ فوراً ومعك ورقة طلاقها، فاعتبر كل شيء بيننا انتهى وسأتوجه لمنزل أهلي نهائياً!

تسمر زياد مكانه متشتتاً بين ضغط شيماء وتهديدها، وبين تأنيب الضمير وموقف المستشفى. حاول تهدئتها عبر الهاتف بصوت مبحوح:
ـ شيماء، افهمي الوضع، سهيلة مريضة وفي المستشفى، دعينا نتحدث لاحقاً..

لكنها قاطعت بحسم:
ـ لا مجال للحديث! إن خرجت من هناك بدون طلاقها، فانتهى الأمر بيننا!

أغلق زياد الهاتف ووجهه شاحب كالاصفرار، ناظراً إلينا بتردد كبير. خطا أحمد خطوة أخرى للأمام وقال ببرود حاسم:
ـ سمعت قرارها.. اختر الآن، إذن من حافظت عليك وصبرت على أعبائك، أم من تلوي ذراعك وتضع شروطها بلا توقف؟

حاول زياد الهروب من الموقف بالغضب:
ـ لا حق لك بالتدخل يا أحمد! سهيلة.. ألا تريدين الحفاظ على بيتنا وأولادنا؟

جمعت قواي وأجبت بصوت ثابت هادئ خالي من الضعف:
ـ البيت تهدم منذ أن سمحت لزوجة أخرى بتحريك قراراتك والطلب مني إنهاء حياة طفلي يا زياد.. الاختيار لم يعد بيدي، لقد اخترت أنت منذ أن رضيت بإهانتي.

تدخلت الطبيبة المتابعة للحالة فجأة، وبدت عليها علامات الغضب الشديد لرؤية الانفعال والمشاحنات بجانب جهاز القياس الذي أظهر ارتفاعاً خطيراً في ضغط الدم:
ـ ما هذه المهزلة؟! ألم أؤكد أن المريضة تعاني من إجهاض منذر وضغط مرتفع يعرض حياتها وحياة الجنين للخطر؟! تفضلوا جميعا بالخروج حالاً!

دفع أحمد زياد بهدوء نحو الباب، بينما لوح الأخير بوعيد خفي قائلاً:
ـ سنلتقي لاحقاً يا سهيلة، ولن أقبل بأي طلاق مهما حدث!

خرج الجميع، وتلديت للعلاج والمهدئات التي وصفها الأطباء، مدركة أن المعركة الحقيقية لحماية حقوقي وأولادي قد بدأت ولن تكون سهلة.

في اليوم التالي، وأثناء وجودي ببيت أهلي بعد خروجي، تفاجأنا بوصول محضر رسمي على الباب.. لم يكن سوى إنذار بالدخول في “طاعة زوجية”، والمفاجأة الكبرى كانت تكمن في العنوان المكتوب داخل هذا الإنذار للمكان الذي يطالبني بالعودة إليه!

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى