روايات وقصص

الشهر التاسع 1 حكايات رومانى مكرم

انسحبت مريم إلى الخلف بخطوات هادئة ومبتعدة بساقين تخوران كأنهم قُدا من زجاج. كانت دواخلها تغلي بمزيج حارق من الغضب، الخيانة، والرعب. لم يكن الأمر مجرد رغبة من حسام في عدم الإنجاب، بل كان مؤامرة دنيئة تُحاك ضد جسدها وحقها في الأمومة بدم بارد، وتواطؤ من أطباء باعوا ضمائرهم.

عادت إلى غرفة التجهيز قبل أن تلمحها الطبيبة أو الممرضات. جلست على طرف السرير الإستثماري الفاخر، تلهث والدموع تنهمر على خدها كالشلال، لكنها لم تكن دموع ضعف، بل كانت دموع الغضب المفاجئ الذي يستنهض أقصى درجات حذر الإنسان دفاعاً عن حياته. تساءلت في سرها: “ليه؟ ليه بيعمل كل ده؟ إيه السر المظلم اللي يخليه يشتري صمت دكتورة ويزور تقرير عشان يقطع عقبي لل أبد؟”

مقالات ذات صلة

تذكرت في تلك اللحظة السريعة شقيقته التي زارتهم منذ أسبوعين، والتلميحات الغريبة التي كانت تسقط منها حول ثروة العائلة وعقد القران القديم، وشروط والده المتوفى في الوصية التي لم تعرها مريم اهتماماً وقتها. هل للأمر علاقة بالمال؟ أم أن حسام يخفي مرضاً وراثياً؟ أم أن هناك امرأة أخرى في حياته يخطط لبدء حياة جديدة معها بعد أن يضمن عدم قدرة مريم على ربطه بأطفال آخرين؟

لم يكن هناك وقت للتحليل؛ صوت أقدام الممرضة والطبيبة كان يقترب من الباب. مسحت مريم دموعها بسرعة، واستجمعت كل ما تبقي لديها من قوة، وأغمضت عينيها متظاهرة بالألم الشديد نتيجة تقلصات الولادة.

فتحت الطبيبة الباب، وبجانبها الممرضة تحمل حقنة التخدير الموضعي أو المهدئ. أطلقت الطبيبة ابتسامة مزيفة تتصنع الرحمة والتفهم:

* “إزيك يا مريم؟ معلش الألم شديد، بس خلاص، جهزنا غرفة العمليات وهندخل نعمل قيصرية فوراً عشان نطمن على البيبي وعليكي.”

نظرت مريم في عيني الطبيبة مباشرة، بجمود أربك الأخيرة لثوانٍ، وقالت بصوت متهدج ولكن نبرته ثابته:

* “دكتورة.. أنا عايزه أغير المستشفى. أنا مش مرتاحة هنا.”

ارتبكت الطبيبة وتراجعت خطوة للوراء، بينما تقدمت الممرضة تحاول إمساك يد مريم:

* “تغيري المستشفى إزاي بس يا مدام؟ أنتِ في حالة مخاض، والولد رأس نزلت، أي حركة دلوقتي خطر عليكي وعلى الجنين!”

تدخلت الطبيبة بسرعة محاولة تدارك المواقف:

* “مريم يا حبيبتي، ده توتر الطبيعي بتاع قبل الولادة.. جوزك حسام محضر كل حاجة، والأوضة مجهزة بأحدث الأجهزة، متقلقيش خالص، أنا جنبك وهنهي كل حاجة في نص ساعة.”

في تلك اللحظة، دخل حسام الغرفة بابتسامة متكلفة، لكن عينيه كانتا ترصدان التفاصيل بذكاء حاد. شعر بأن هناك شيئاً غير طبيعي في الهواء. اقترب من السرير وضع يده على كتف مريم بحنان مزيف وقال:

* “اهدائي يا مريم.. كل حاجة تحت السيطرة، الدكتورة شاطرة جداً وأنا واقف بره مستني أسمع صوت ابننا.”

نفضت مريم يده عن كتفها بقوة وجلست باعتدال رغم الألم الحاد الذي يعصر أحشاءها. نظرت إليه بنظرة نارية جعلت حسام يتراجع خطوة متفاجئاً.

* “شيل إيدك عني يا حسام.. أنا مش هولد هنا، ومش هتدخل غرفة العمليات دي بالذات!”

تغيرت ملامح حسام للقصوة، وغابت الابتسامة المزيفة لتظهر الشخصية المستبدة التي رأتها في الصالة منذ أيام:

* “أنتِ اتجننتِ؟ يعني إيه مش هتولدي هنا؟ الحساب مدفوع، والدكتورة جهزت كل حاجة، أنتِ فاكرة الولادة لعبة؟ يلا يا دكتورة جهزوها بسرعة مفيش وقت للفرعة دي!”

أومأت الطبيبة للممرضة لتبدأ في تجهيز المحاليل، لكن مريم صرخت بأعلى صوتها، صوت هز أرجاء الممر الهادئ:

* “أنا اتقال لي بره في الممر كل حاجة! سمعتك يا حسام وأنت بتتفق مع الدكتورة تبيعوا ضميركم وتعملوا لي ربط رغماً عني وتزوروا تقرير طبي! لو حد قرب مني دلوقتي هصرخ وألم المستشفى كلها وهطلب البوليس فوراً بتهمة الشروع في إحداث عاهة مستديمة والتزوير!”

ساد الذهول الغرفة. شحب وجه الطبيبة تماماً وتراجعت للخلف وكأنها تلقت صفعة، متلعثمة:

* “يا مدام.. أنتِ فاهمة غلط.. ده كلام..”

بينما تحول وجه حسام إلى اللون الأحمر القاني، واشتعلت عيناه بظلم جحيمي. أدرك أن مخططه الخبيث قد انكسر على عتبة الباب، وأن مريم عرفت كل شيء. اقترب منها بتهديد واضطراب، وأمسك بمعصمها بقوة وقسوة شديدة:

* “أنتِ نهيتِ كل حاجة بعضك ده.. اطلعي قدامي على العربية! مفيش ولادة هنا ولا في غيره لحد ما تعقلي!”

صرخت مريم من شدة الم قبضته ومغص الولادة المتزايد:

* “سيب إيدي يا مجرم! يا ناس.. الحقوني!”

دخل إداري المستشفى وبعض أفراد الأمن على أثر الصراخ، وساد الهرج والحديث الحاد. استغلت مريم حالة الارتباك، وسحبت هاتفها المحمول من حقيبتها الملقاة على الطاولة بخفة، واتصلت برقم شقيقها الأكبر “محمود”، الرجل الصارم الذي كان دائماً مصدر أمانها.

بصوت يختنق بالبكاء والألم صرخت في الهاتف:

* “الحقني يا محمود! حسام جايبني مستشفى (….) ومتفق مع الدكتورة يقطعوا عقبي ويخدروني من غير أذني! تعالالي بسرعة أنا في خطر!”

سمع حسام المكالمة، فحاول سحب الهاتف منها، لكن الأمن تدرب للتدخل لمنع أي اعتداء جسدي داخل أروقة المستشفى، خصوصاً بعد أن بدأت الممرضات والأطباء الآخرون يتجمعون متسائلين عما يحدث. الطبيبة المتواطئة انسحبت بجبن إلى مكتبها وأغلقت الباب على نفسها، خائفة من فضيحة قد تنهي مسيرتها المهنية.

قال حسام وهو يحاول السيطرة على أعصابه أمام الناس والجمهور المتجمع:

* “يا جماعة دي مراتي وفي حالة هستيريا من ألم الولادة وبتتخيل حاجات مش حقيقية!”

ردت مريم وهي تتكئ على أحد رجال الأمن، والدموع تحرق وجهها، لكن نبرتها كانت واضحة كالسيف:

* “أنا بكامل عقلي! والست الدكتورة اللي جوه واخدة عربون عشان تزور تقرير طبي وتقول إن كان فيه خطر على حياتي! لو راجل صح خليهم يتصلوا بمدير المستشفى يفتشوا مكتبها دلوقتي!”

ارتبك حسام، وشعر أن الفخ الذي نصبه لمريم قد أطبق على رقبته هو. كان يعلم أن شقيقها محمود رجل لا يرحم، وأنه في طريقه إليه الآن رفقة رجال العائلة. أدرك حسام أن البقاء في هذا المكان يعني مواجهة مفتوحة لن يستطيع التملص منها، خصوصاً مع وجود تسجيلات كاميرات المراقبة في الممرات التي قد تدينه وهو يقف أمام مكتب الطبيبة في العتمة.

نظر إلى مريم بنظرة تتطاير منها شرارات الانتقام والوعيد، وقال بصوت خافت لا يصله أحد غيرها:

* “فاكرة إنك كده كسبتِ؟ وحياة ابني اللي في بطنك ده، للخليكي تندمي على اليوم اللي اتولدتي فيه.. والطفل ده مش هتشوفيه ولا هتربيه إذا كان بكتفي بيه بالسيف!”

استدار حسام بغلّ، وغادر المستشفى بسرعة قبل وصول عائلتها، تاركاً خلفه دوياً من الشكوك والفضائح.

بعد أقل من عشرين دقيقة، اقتحم محمود شقيق مريم المستشفى كالإعصار، ومعه اثنان من أقاربهم. وجدوا مريم مستلقية على الكرسي متحرك في الاستقبال، تعاني من آلام مخاض متقدمة ووجهها شاحب كالموت.

احتضنها محمود بلهفة وهو يرتجف خوفاً عليها:

* “مريم! إيه اللي حصل؟ فين حسام الندل ده؟”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى