منوعات

زباله ابنى ١

امانى السيد

بعد أول أسبوع جواز قولت لمرات ابنى تخرج الزباله كل يوم الصبح عشان أنا اتفقت مع واحد هيجي ياخدها كل يوم وأنا هحاسبه وفعلاً صدقت زبقت تخرج كل يوم كيس الزباله

كنت اطلع اخده وافتش فى شنطه الزباله عشان اعرف ابنى بيصرف كام وعلى ايه

كنت الاقى اكياس شيبسى وحلويات وأكياس اندونى بقيت اصور الاكياس وابعتها للجيران عشان يبقوا شاهدين على مرات ابنى ويشوفوا بتضيع فلوس ابنى فى ايه

وفضلت على الحال ده ييجي شهر بحاله، كل يوم الصبح أستنى الباب يتقفل، وأتسحب على طراطيف صوابعي ألم الكيس كأني طالعة بكنز. أفتحه في الصالة، وأفرز فواتير السوبر ماركت، وعلب الميك أب الفاضية، وإيصالات الدليفري. بقيت أعمل ألبوم في التليفون مسمياه فضايح السنيورة، وكل يوم أنزل لجاراتي تحت في مدخل العمارة أقولهم: «شوفوا يا حبايب، جايبالكم الدليل على الخراب المستعجل، ابني طالع عينه في الشغل وهي بتطلب برجر بميتين جنيه، وده كيس شيبسي بالجمبري! هو الجمبري رخص وأنا ماعرفش؟».

الجيران كانوا بيهزوا راسهم، فيهم اللي بتطبطب عليا وتقولي «معلش يا ختي حكمة ربنا»، وفيهم اللي بيبصوا لبعض بابتسامات خبيثة ما ارتحتلهاش، بس أنا دماغي كانت سايقاني، وقلت مش هرتاح إلا لما أكسر مناخيرها وأخلي ابني يعرف قيمتي وقيمة القرش اللي بتطيره على الهوا.

لحد ما جه اليوم الموعود، فتحت الكيس كالعادة، لقيت علبة اختبار حمل فاضية ومكتوب عليها خطين حمر، وجنبها روشتة فيتامينات وغذا للحوامل بمبلغ وقدره. الدم غلي في عروقي، مش عشان هبقى جدة، لأ، عشان عرفت إنها مقوية قلبها ومش قايلالي ومخلية ابني يصرف في الساكت، وكمان عشان الروشتة غالية قوي على ميزانيته!

قمت طالعة بالعلبة والروشتة في إيدي، ومن غير ما أخبط رقعت بالصوت في الصالة وندهت على ابني، وكنت مجهزة صور الزبالة كلها على شاشة التليفون عشان أفضحه قدامها وأفضحه قدام نفسه: «تعال شوف الهانم مصرووفك رايح فين، تعال شوف الفواتير والحلويات والتحاليل من ورايا، دي زبالتكم اللي بتنزل

انا هتصل بأهل مراتك وهما يجوا يشوفوا بنتهم الجعانه دى ومصاريف الادويه دى هما يشيلوها انت ذنبك ايه

ياترى رد فعل ابنها ايه واهل مراته ؟؟ خصوصا لما يعرفوا إن خصوصياتهم الكل عارفها

 

انعقد لسان ابني لحظات وهو يبص لعلبة اختبار الحمل والروشتة اللي في إيدي، وشه اتخطف ولونه بَقت أصفر زي الليمونة، مش من الصدمة بتاعة الحمل، لأ.. من طريقة الدخلة والصوت العالي اللي صرخت بيه في صالة شقته. مراته خرجت تجري من المطبخ وهي ماسكة بطنها ومجهدة، أول ما شافتني واقفة بصرخ وفي إيدي الزبالة المصورة على شاشة التليفون، دموعها نزلت من غير ما تنطق ولا كلمة، وبصت لزوجها بنظرة انكسار وخيبة أمل عمرها ما هتتمسح من ذاكرته.

ابني اتنفس بصوت عالٍ، وقرب مني بخطوات ثقيلة، وشده الذهول وهو بيشوف ألبوم الصور اللي على تليفوني والمكتوب عليه «فضايح السنيورة». بصلي وعينيه مليانة وجع وذهول وقال بنبرة صوت واطية ومبحوحة بس يرعب من كتر الغضب: «أمي.. أنتِ بتفتشي في زبالتنا؟ أنتِ بقالك شهر بتتسحبي تاخدي كيس القمامة وتصوريه وتفرزيه؟ أنتِ جرسشتينا وفضحتين أسرار بيتي قدام الغريب والقريب؟».

مسكت التليفون ورفعتها في وشه وقلت بثقة: «أنا بعمل كده عشان خايفة عليك! عشان أعرفك إن فلوسك وشقاك رايحين في الأرض على الشيبسي والبرجر والحلويات والروشتات الغالية دي! هي وأهلها لازم يشيلوا مصاريف الحمل ده، أنت ذنبك إيه تشيل كل ده لوحدك؟».

في اللحظة دي، ابني بصوت هز جدران الشقة، صوت عمره ما رفعه عليا في حياته: «ذتبي إيه؟! ذنبي إن دي مراتي! وده ابني اللي في بطنها! الأكل ده أنا اللي بطلبهولها بنفسي عشان كانت بتتوحم وتعبانة ومستحيل تاكل أكل البيت، والشيبسي والحلويات دي أنا اللي جايبهم عشان أراضيها! والروشتة دي ثمن تثبيت الحمل اللي كان مهدد بالإجهاض من أول أسبوع! أنتِ متخيلة أنتِ عملتي إيه؟ أنتِ طلعتِ خصوصيات غرفة نومنا وأكلنا ومرضنا لجيران العمارة كلهم؟!».

سكتت لحظة مصدومة من كلامه، بس كبريائي منعني أراجع نفسي. مسكت تليفوني وطلبت رقم أبوها بسرعة، وحطيت السماعة على السبيكر عشان أسمع ابني فضيحتهم. أول ما أبوها رد وسمع صوتي وأنا بصرخ وبقوله: «تعالى خذ بنتك وشوف مصاريفها اللي خربت بيت ابني، وتجيبوا فلوس الروشتات التحاليل دي معاكم!»، الراجل اتصدم، وقبل ما ينطق بكلمة، ابني شد التليفون من إيدي وقاله بصوت بيترعش من القهر: «يا عمي.. أنا آسف، ادخلوا الشقة فوراً، حقكم عليا أنا، تعالي يا حمتي وشوفي اللي حصل».

خلال ربع ساعة، كان والد مراته وأمها وأخوها الكبير كابسين على الشقة. الهدوء اللي دخلوا بيه كان يرعب أكتر من أي صراخ. والدها دخل بص لمراته ولأبنه، وبعدين بص لابني وقال بنبرة حاسمة وصارمة: «احنا جينا عشان نسمع منك أنت يا عريس.. إيه الفضيحة اللي حمتك بتتكلم عنها؟ وإيه موضوع الزبالة والصور دي؟».

قبل ما ابني يرد، أنا اتدخلت وبدأت أعرض التليفون وصور الكياس وعلبة الحمل والروشتة، وقلت بثقة: «شوفوا بنتكوا بتصرف إيه من ورا ابني! وشوفوا الدليفري والحلويات! وشوفوا الروشتة دي بكام! ده يرضي ربنا؟».

والد مراته بصللي بقلة حيلة وقرف شديد، وبعدين التفت لابني وقال: «أنت راجل البيت ده يا بني؟ أنت سايب أمك تفتش في زبالتك وتصّور حفاضات واختبارات حمل مرتك وتبعتها للشارع وللجيران؟ أنت عارف معنى إن نسوان العمارة يعرفوا بنتي بتتوحم على إيه وبتتعالج من إيه؟ أنت عارف إن الكلام ده جاب مناخيرك ومناخيرنا الأرض؟».

أم مراته جرت على بنتها المنهارة وأخدتها في حضنها وقالت بصوت مكسور: «بنتي كانت بتقولي يا ماما حماتي بتعاملني حلو وبتبعت تاخد الزبالة بنفسها عشان تريحني.. أتاريها كانت بتدور على جنازة تشبع فيها لطم! بنتي يا حصرتي عليها كانت ساكتة ومستحملة الإجهاض والتعب عشان ما تضايقكمش، وأنتوا فضحتوها قدام يسوى وما يسواش!».

ابني كان واقف وسط الصالة مطأطأ رأسه، دموعه نزلت لأول مرة قدام حماه، وقال بصوت متقطع: «حقكوا عليا.. أنا نفسي ما كنتش أعرف إن أمي بتعمل كده.. أنا مصدوم زيكم بالضبط ومكسور».

أبو مراته وقف بمنتهى القوة وقال لابني: «الكلمة كلمتك دلوقتي يا ابن الناس.. البنت دي مش هتقعد في البيت ده دقيقة واحدة طول ما أسرار زبالتها بتتصور وتتوزع على الجيران. البنت نازلة معانا دلوقتي، وأنت قدامك حل من اتنين: يا إما تبص لبيتك وتعرف ازاي تحمي حرمتك وخصوصية مراتك وتوقف المهزلة دي عند حدها وتيجي تأخد مراتك برأس مرفوعة، يا إما المأذون ينهي المهزلة دي قبل ما الطفل ده يخرج للدنيا ويلاقي صور زبالته مالية العمارة!».

مراته لمّت هدومها في شنطة صغيرة وهي بتعيط بحرقة، وما بصتش في وشي ولا بصلت لابني حتى. خرجوا كلهم وقفلوا الباب وراهم بهدوء يوجع القلب.

أول ما الباب اتقفل، الشقة بقت فاضية وساكتة. التفت لابني وقلت له وأنا بحاول أداري التوتر: «سيبك منهم يا بني، دول ناس بيتلككوا، وبكرة لما تعرف قيمة القرش هي ترجع لك راكعة.. أنا بعمل كل ده لمصلحتك!».

ابني بصلي بعيون غريبة جداً، عينين ما فيهمش زعل ولا غضب، فيهم فراغ تام وقسوة عمره ما بصلي بيها. سحب مفاتيح عربيته وتليفونه من على الترابيزة، وقرب مني وقال بصوت هادي وبارد زي الثلج: «مصلحتي؟ أنتِ بيتي، قدام الناس اللي كنت بفتخر قدامهم بكرامتي. أنتِ خلتي الجيران يضحكوا عليا ويدوسوا على كرامة مراتي. أنا خارج دلوقتي يا أمي.. ومش راجع الشقة دي تاني غير لما أعرف إزاي أصلح الخراب اللي أنتِ عملتيه، وإذا كانت مراتي هترجعلي ولا أنا اللي خسرت كل حاجة بسببك».

خرج وسابني واقفة لوحدي في نص الصالة، صوت خطواته على السلم كان بيتردد في العمارة كلها، ومفيش في إيدي غير التليفون اللي عليه صور الزبالة، والهدوء القاتل اللي ملأ المكان.

عدت ليلتي الأولى لوحدي في الشقة، السكوت فيها كان يفرعن ، صوت دقات الساعة على الحيطة كان زي ضربات المطرقة في دماغي. التليفون ما رنش ولا رنة، لا ابني اتصل ولا حتى جارة من اللي كنت بفتكرهم حبيباتي نزلت تسأل عليا. طلعت بلكونة الصالة الصبح بدري، الشارع كان فاضي، بس أول ما أم أحمد وأم محمود جارات المحل اللي تحتي طلعوا ينشروا الغسيل، بصلهم وبدأت أهز راسي بابتسامة متعودة عليها، لقيتهم بيبصوا لبعض بضحكات مكتومة، واحدة منهم شاورات للتانية وقالت بصوت مسموع وصلني لحد فوق: «أهو الكنز طلع مش زبالة، طلعت حفيد وهدوم بيبي، ويا خسارة الصور اللي اتلمت في الألبوم!».

نزلت دماغي في الأرض ينقط من وشي، عرفت إن اللي كنت فاكراه شطارة ودليل مسكته على مرات ابني، بقى هو هو السلاح اللي الجيران يضحكوا بيه عليا وعلى خيبتي. كبريائي اتجرح، بس بدل ما أراجع نفسي، الشيطان كان لسه سايقني وقايل لي: «أنتِ صح، هما اللي مستقويين بأهلها وبكرة ييجوا ينبثوا إيدك عشان ترجعيها».

فات يومين وابني ما ظهرش، شقته فوقي مقفولة بالضبة والمفتاح، نوره مطفي والهدوء فيها يقطع القلب. في اليوم التالت، سمعت صوت خطوات تقيلة على السلم، جريت فتحت الباب وأنا فاكرة ابني راجع يترجاني أتدخل وأصلح الموضوع. بس الصدمة كانت لما لقيته داخل ومعاه اتنين عمال شايلين كراتين فاضية وشريط لزق عريض، وجنبه صاحب شركة نقل عفش.

وقفت في وشهم على باب الشقة وقلت بصوت بيترعش: «إيه ده يا بني؟ جايب الناس دول يسووا إيه في شقتك؟ أنت هتغير العفش ولا إيه؟».

ابني ما بصليش حتى، كأني خيال مآتة واقف قدامه. وجه كلامه للعمال وقالهم: «ادخلوا افكوا غرفة النوم والصالون، ولموا الهدوم والمطبخ وكل حاجة تخصنا وشيلوها في العربيات اللي تحت».

جنيت، وقفت في نص السلم وزعقت: «أنت بتعمل إيه يا مجنون؟! بتفضي شقتك؟ رايح فين وسايب أمك؟ بقى عشان حتة أكلة ودواء تبيع أمك وتروح تتسحب ورا مراتها وأهلها؟!».

التفت لي ابني وقام واقف قصادي، وشه كان شاحن وهالات سودة تحت عينيه تبين إن ما ذاقش النوم من يومها. قال لي بصوت جاف وخالي من أي مشاعر: «أنا مش رايح لأهل مراتي يا أمي.. أنا أتحرمت من مراتي وابني بسببك، وهي رافضة تبص في وشي أو ترجعلي طول ما بيتي لازق في بيتك وأسراري بتتفتش في الزبالة. أنا أأجرت شقة ثانية في أخر الدنيا، شقة بعيدة عن العمارة وبعيدة عن الجيران اللي فضحتيني قدامهم. هاخد عفشي ومتاعي وهعيش هناك لوحدي لحد ما أقدر أثبت لمراتي وأهلها إني راجل أقدر أحمي بيتي وخصوصيتي، وحتى لو ما رجعتليش، مش هعيش في المكان اللي اتكسرت فيه كرامتي».

 

 

العمال بدأوا ينزلوا العفش حتة حتة قدام عيون أهل العمارة كلهم. الجيران طلعوا على الشبابيك وفي المداخل يتفرجوا. أم أحمد نزلت تحت العمارة وحطت إيدها في جنبها وتبص على العفش وهو بيتأجر، وتتبادل النظرات مع أم محمود. أنا كنت واقفة على الباب شايفهم وهما بيتغامزوا عليا، حسيت بكسرة ونقص عمري ما حسيت بيهم في حياتي. كل صورة صورتها، وكل كلمة قولتها للستات دول، ردت في صدري زي الخنجر.

ابني أشرف على نقل كل حاجة، الشقة فوق بقت عريانة ومفيش فيها غير السيراميك والتراب. لما خلص، نزل الشنطة الأخيرة وقفل الباب وحط المفتاح في جيبه. حط إيده على أكرة بابي، فتكرت إنه هيسلم عليا أو يبوس رأسي، بس هو اكتفى إنه يبصلي بصة أخير فيها وداع تقيل وقال: «أنا هفضل أصرف عليكِ واجيبلك كل طلباتك يا أمي، مش هقصر في حقك المادي أبداً عشان ربنا.. بس بيتي وحياتي وسري، خلاص.. أنتِ خرجتِ برة منه للأسد. ما تدوريش عليا وما تسأليش عن مكاني، ولما حفيدك يتولد، هبقى أبعتلك خبر.. ده لو مراتي وافقت إنها تخليه يشوف العمارة دي أصلاً».

مشي ونزل السلم بخطوات سريعة. جريت على البلكونة أصرخ باسمه، بس هو ركب عربية النقل وقعد جنب السواق، وما بصلش فوق ولا مرة، والتفتت العربية ومشت واختفت في أخر الشارع.

دخلت الشقة وقفت الباب بالترباس. الصالة اللي كنت بفرز فيها أكياس الزبالة كل يوم الصبح كأني طالعة بكنز، بقت فاضية وظلمة. مسكت التليفون وأنا إيدي بتترعش، فتحت الألبوم المكتوب عليه «فضايح السنيورة»، وبقيت أفرز الصور صورة صورة.. صور علب الشيبسي، فواتير البرجر، وعلبة اختبار الحمل اللي كان فيها خبر أحلى حفيد كنت بتستناه. دموعي نزلت حامية على الشاشة، وأنا حاسة إن الألبوم ده ما كانش فضايح لمراته.. ده كان ألبوم خرابي بيدي، والوثيقة اللي قطعت بيها إيد ابني عني وحرمت نفسي بيها من عيلتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى