عام

انا وضرتى 1

امانى السيد

كان عندي بيت دورين، متجوز فيه اتنين؛ القديمة في الدور الأول، والجديدة في الدور التاني. كنت شايل باب الشقة خالص وعامل باب عمومي، لكن ماكانش فيه حاجة اسمها باب شقة مقفول.

كانت مراتي الجديدة ولاء بتغير من مراتي القديمة هند، وكانت دايمًا تضايقها وتستفزها، وأنا كنت بعمل نفسي مش واخد بالي. ولما هند تكلمني، كنت أقول لها: “إنتِ عايزة تدخليني ليه في مشاكل الحريم؟”

وعلى العكس، لما ولاء تقول لي على موقف بينها وبين هند، كنت أقف في صفها وأحاول أرجع لها حقها. ولما هند تقول لي: “اشمعنى؟”، كنت أقول لها: “لأنك عديتي الحدود وبتغيري منها.”

كانت بتسكت، وعشان كده بقى أي مشكلة تظهر في المستقبل كنت دايمًا أرد عليها بنفس الكلمة: “إنتِ بتغيري منها.”

ولاء فهمت إن الكلمة دي بتوجع هند، فبقت دايمًا تقول لها: “إنتِ بتغيري مني عشان أنا الجديدة وهو بيحبني أكتر واتجوزني عليكي، وهو كمان عارف إنك بتغيري مني، عشان كده عمره ما هيقف في صفك. مهما أنا عملت، هو هيفضل معايا. لو أنا مكانك كنت أسيب البيت وأمشي، إنما إنتِ واخدة عيالك حجة عشان تفضلي.”

وفي مرة، قررت ولاء تثبت لهند إنها مهما عملت، أنا مش هقدر أوقف ضدها.

في يوم كنت بايت عند ولاء، ولقيتها يومها عاملة عصير للكل. أخدت العصير ونمت. ولما نمت، ولاء نزلت بهدوء لشقة هند، وقامت بتصرف مؤذٍ في حقها أثناء نومها، وغيرت شكل شعرها بشكل واضح.

صحيت تاني يوم على صوت هند وهي بتصرخ من الصدمة، وبتطلب مني أتدخل.

قالت:
— “شايف؟ شايف عملت فيا إيه؟! استغلت إني نايمة وعملت فيا كده! شعري اللي كنت بحافظ عليه سنين! شوفتني بقت عاملة إزاي؟! هي دي اللي بتدافع عنها؟!”

الناس والشارع بدأوا يتجمعوا بسبب الصوت، وولاء كانت واقفة من فوق في الدور التاني بتبص ببرود، وبعدها دخلت شقتها.

وبدل ما أطبطب على هند أو أحاول أفهم اللي حصل، لقيت نفسي بكل قسوة بقول قدام الناس:

— “تستاهلي، ما إنتِ اللي وصلتي الأمور لكده. وكل شوية تستفزيها وتقارني نفسك بيها. إنتِ مش ناوية تكبري وتعقلي؟”

هند كانت واقفة قدامي، حاطة إيدها على راسها، والدموع في عينيها من القهر. وأنا بدل ما أهديها، زودت عليها وقلت بعصبية:

— “إنتِ اللي بتستفزيها من الأول! اسمعي الكلام بعد كده وماتستفزيهاش تاني. إنتِ بتغيري منها وبتدوري لها على غلطة.”

هند بصتلي بصدمة وقالت:

— “أنا؟! أنا اللي بدور لها على غلطة؟! دي دخلت عليا وأنا نايمة وعملت فيا كده!”

رديت:
— “ما هي ما عملتش كده من نفسها. إنتِ كل شوية تفتحي معاها سيرة شعرك وتقارني نفسك بيها. عايزة إيه يعني؟ تفضل ساكتة لك؟”

قالت:
— “وإنت كمان هتصدقها؟!”

قلت:
— “أيوه هصدقها، عشان أنا عارفك وعارف غيرتك منها.”

الكلمة دي كانت كفيلة إنها تفقد هدوءها.

بصتلي شوية من غير كلام، وبعدها مسحت دموعها وقالت:

— “خلاص… طالما إنت شايف إني أنا الغلطانة، يبقى أنا كمان هتصرف بطريقتي.”

دخلت شقتها بسرعة، وأنا افتكرت إنها هتهدى.

لكن بعد ثواني سمعت صوت باب بيتفتح. بصيت ناحية السلم، لقيت هند نازلة وماسكة أداة في إيدها، وراها بنتها بتعيط وبتقول:

— “ماما، سيبيها!”

ولاء كانت واقفة عند باب شقتها في الدور التاني. ولما شافت هند طالعة ناحيتها، ما اتحركتش خطوة.

بالعكس، دخلت وقعدت على الكرسي، وحطت رجل على رجل، وبصت لهند بمنتهى البرود، كأنها كانت مستنية اللحظة دي.

هند طلعت السلم وهي بتقول:

— “زي ما عملتي فيا، هعمل فيكي!”

أنا جريت ووقفت بينها وبين ولاء.

— “ابعدي عنها!”

قالت:
— “هي عملت فيا إيه؟! مش هتسمحلي أرد عليها؟!”

قلت:
— “لأ، مش هسمحلك.”

قالت:
— “طب وهي سمحت لنفسها تعمل فيا كده ليه؟!”

قلت:
— “أنا قلتلك تستاهلي! وقلتلك بعد كده تسمعي الكلام وما تستفزيهاش!”

ولاء كانت قاعدة ورايا، ساكتة تمامًا، وحاطة رجل على رجل، وعينيها فيها شماتة واضحة.

هند حاولت تعديني، لكني وقفت قدامها وقلت:

— “ارجعي مكانك.”

وبعدين حاولت تقرب من ولاء تاني، فقمت بمنعها وقلت لها بغضب:

— “لو قربتي منها خطوة واحدة، مش هسمحلك تكملي.”

هند اتجمدت مكانها، وبصتلي كأنها لأول مرة تشوفني.

قالت بصوت مكسور:

— “بنتي؟! دي بنتك إنت كمان، وعشان مراتك هتضحي ببنتك؟”

قلت:
— “أيوه. ابعدي عن ولاء، وماتخلينيش أتصرف بطريقة تندمي عليها.”

بصيت لهند وقلت:

— “خدي بنتك واطلعي شقتك، وماتعمليش فيها بطلة. إنتِ أصلًا السبب في كل اللي حصل.”

هند كانت واقفة مش قادرة تتكلم.

ولاء وقتها قالت بمنتهى الهدوء:

— “سيبها يا حبيبي، هي أكيد فهمت خلاص.”

هند لفت ناحيتها، وعينيها مليانة دموع وغضب.

ولاء ابتسمت وقالت:

— “مش قلتلك قبل كده إنك بتغيري مني؟ وإن مهما حصل هيفضل هو في صفي؟ أنا عارفة إنك مهما عملتي مش هتقدري تغيري الوضع.”

وقفت هند باصة لشريف ومراته الجديدة ولاء، اللي كانت قاعدة حاطة رجل على رجل وبابتسامة فيها شماتة.

شافت جوزها وهو بيحميها وبيقف ضدها، بل وبيمنعها حتى من الرد.

في اللحظة دي، حست ببرود غريب بيسري في جسمها، كأن كل مشاعر الوجع والقهر تحولت فجأة لجمود تام.

فهمت، من غير ما تنطق، إن أي صراخ أو محاولة للرد دلوقتي هتبقى مجرد طاقة بتستنزفها على الفاضي.

شريف خلاص رمى سنين العِشرة ورا ظهره، ومابقاش فيه أي أمل في إن الأمور ترجع زي الأول.

نزلت إيدها، وبصت لشريف نظرة طويلة، نظرة خالية من أي رجاء أو عتاب، نظرة مكسورة لكن واعية، وقالت بصوت هادي جدًا وثابت:

— “تمام يا شريف… كتر خيرك. وضحت الرؤية، وعرفت أنا كنت عايشة مع مين سنين عمري.”

لفت ظهرها بهدوء، ومسكت إيد بنتها اللي كانت منهارة من العياط وقالت لها بحنان:

— “يلا يا حبيبتي… ادخلي معايا.”

دخلت هند شقتها وقفلت الباب وراها بهدوء غريب، وده صدم ولاء وشريف، لأنهم كانوا متوقعين إنها هتعمل مشكلة أو تفضل تصرخ.

جوه الشقة، الدموع كانت في عيون بنتها، لكن هند تماسكت. قعدت على السرير، ومسحت دموع بنتها وقالت لها بصوت حازم:

— “اسمعيني كويس يا حبيبتي… إحنا مش هننزل لمستواهم، ولا هنعمل مشاكل تضيع حقنا. اللي اتكسر اتكسر، بس صدقيني… اللي ظلمونا هيتحاسبوا بالطريقة الصح، وفي الوقت الصح.”

تاني يوم الصبح، كانت ولاء عازمة تثبت لهند إنها انتصرت نهائيًا.

نزلت من الدور التاني، ومشت بخطوات كلها غرور قدام شقة هند. كانت عاملة تسريحة شعر جديدة، وبتلعب بخصلات شعرها قدام عيون هند اللي كانت قاعدة جوه وشايفاها بوضوح.

وقفت ولاء عند مدخل الشقة من بره، وبصت لجوه وقالت بنبرة مليانة استفزاز:

— “صباح الخير يا ضرتي العزيزة! الواحد لازم يغير شكله عشان يليق بالجو الجديد. شريف اداني فلوس وروحت عملت شعري، مش عارفة إنتِ عملتي إيه في شعرك دلوقتي! المهم، أنا قلت أسلم عليكِ بنفسي وأوريكي شعري عامل إزاي. وأعتقد كده إنتِ فهمتي مكانك إيه، ومهما عملتي مش هتقدري تغيري حاجة.”

ولاء كانت واقفة مستنية هند تفقد أعصابها وتخرج تعمل مشكلة عشان تلاقي حجة جديدة ضدها.

لكن المفاجأة إن هند ما تحركتش من مكانها، ولا حتى ردت عليها بكلمة واحدة.

فضلت باصة لها ببرود تام وثبات عجيب، كأن اللي واقفة قدامها ما بقتش تملك أي تأثير عليها.

استمرت ولاء في استفزاز هند.

كانت تخرج مع شريف، وتتعمد تسيب لها مسؤوليات البيت والأولاد، وكانت تتعمد تظهر اهتمامها بشريف قدام هند.

لكن كل ده، ماكانش معروف لهم إن هند كانت بتفكر في حاجة تانية تمامًا، وبتجهز لخطوة هتغير شكل الأمور كلها.

كانت هند لأول مرة مش بتفكر في الرد بنفس الأسلوب، لكنها كانت بتجمع كل اللي حصل، وبتحاول تعرف إزاي تحمي نفسها وبنتها وتستعيد حقها بالطريقة الصحيحة.

ومن يومها، بدأت هند تتصرف بهدوء غير معتاد.

ما بقتش ترد على الاستفزاز، ولا تدخل في جدال، ولا تدي ولاء الفرصة إنها تستخدم غضبها ضدها.

كل كلمة كانت بتتقال، كانت بتسجلها في ذاكرتها.

وكل موقف كان بيحصل، كانت بتفكر في عواقبه.

ولاء كانت فاكرة إن سكوت هند معناه إنها استسلمت.

لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.

هند كانت بتجهز لخطوة جديدة، وخطوة المرة دي مش هدفها الانتقام…

كان هدفها إنها توقف الظلم، وتحمي بنتها، وتثبت إن الهدوء أحيانًا بيكون أقوى من أي رد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى