
فتح بابا المايك، وكان صوت عمي حسين طالع من السماعة وهو حاسس بحجم المصيبة، بدأ كلامه بتلعثم ونبرة محاولة لتهدئة اللعب:
“مساء الخير يا حاج… رمضان كريم عليك وعلى أهل البيت كلهم. أنا متصل بيك وحاسس بالكسوف، بس والله أنا ما كنتش موجود في البيت وقت الفطار، ولما رجعت وعرفت اللي حصل اتجننت! أحمد ابني غلطان، وأنا جايب الحق لحد عندك.”
بابا رد عليه بهدوء قاتل، هدوء يرعب أكتر من الزعيق:
“أهلاً يا حاج حسين… الله أكرم. بس الحق اللي بتتكلم عنه ده مش كلمتين في التليفون، الحق ده كرامة بنتي اللي اتدَاست في بيتك وفي أول عزومة ليها عندكوا.”
عمي حسين حاول يلطّف الجو وقال:
“يا حاج اتعوذ من الشيطان، دي زغزغة شباب وفهم خاطئ.. أم أحمد كانت بتهزر معاها وافتكرتها زي بنتها، وأحمد اتصرف بغشامة شوية عشان كبريائه قدام أمه. إحنا أهل، وبكرة هجيب أحمد وأمه ونجيلكم البيت نعتذر لـ هدى ونبوس رأسها كمان.”
في اللحظة دي، بابا بصلي، ولقى رد فعلي ثابث ومفيش فيه أي تراجع، فكمل كلامه بصلابة:
“يا حاج حسين.. الهزار له أصول، واللي حصل مع بنتي ما كانش هزار، ده كان استعباد وقلة قيمة. بنتي دخلت بيتكم بكرامتها، مش شايلة مواعين الصبح بتاعتكم، وابنك بدل ما يدافع عنها ويصونها، كسر بخاطرها وقالهالها وش: ‘ولا كمان هنغسل وراكي؟’.. ابنك شايف بنتي شغالة، مش عروسة وشريكة حياة.”
عمي حسين حاول ينادي على أحمد عشان يتكلم، وسمعنا صوت أحمد في الخلفية بيحاول يبرر بحدّة:
“يا بابا أنا ما قلتش حاجة تضايق، هي اللي كبرت الموضوع وعملت حكاية عشان كام طبق!”
سمعنا صوت بابا وهو بيكتم غضبه بالعافية، وقال لحسين بصوت هز أركان الصالة:
“سمعت ابنك بيقول إيه؟ لسه شايف إنه ما عملش حاجة! أديك سمعت أسلوبه بعينك وأذنك.. ابنك مش مقدر يعني إيه أصول، ولا فاهم يعني إيه رجولة وتحمل مسؤولية. بنتي مش هترجع للتفاهة دي تاني.”
عمي حسين اتوتر جداً وقال بسرعة:
“حقك عليا يا حاج.. اقفل التليفون ده دلوقتي، وأنا ساعة زمن وهكون عندك في البيت أنا وأحمد، مش هنمشى غير ولادنا متراضيين.”
بابا رد بقطع قاطع:
“تيجي على راسي يا حاج حسين، البيت مفتوح لك في أي وقت تنورنا فيه بصفتك راجل كبير بنحترمه.. لكن ابنك يفضل برة، وما يتبسش عتبة البيت ده غير لما يعرف قيمة البنت اللي كان هيتجوزها.”
قفلت المكالمة، والبيت كله كان في حالة غليان. أخويا محمود وقف وقال:
“أنا نازل أقف تحت العمارة يا بابا.. لو أحمد جه معاهم، مش هخليه يحط رجله جوة العمارة أصلًا.”
مرت حوالي ساعتين، والساعة بقت 12 بالليل. وفجأة، سمعنا جرس الباب بيرن بصوت متواصل ومتردد..
بابا قام، ومحمود وقفه وقال: “خليك يا بابا، أنا هفتح.”
فتح محمود الباب، ولقينا عمي حسين واقف، ووراه حماتي وبنتها.. والظاهر إن عمي حسين أجبرهم ييجوا عشان يلحقوا الجوازة اللي هتتفركش، بس الغريبة إن أحمد ما كانش معاهم، كان واقف بعيد في أول السلم ومربع إيديه ونظراته كلها تحدي وكبرياء!
حماتي دخلت وهي باصة للأرض وبتحاول تبتسم ابتسامة صفراء، وقالت لماما:
“السلام عليكم يا أختي.. رمضان كريم، معلش جينا في وقت متأخر بس الحاج أصر ننيجي نوضح الفهم الخاطئ اللي حصل.”
بابا وقّفهم عند باب الصالة وما عزمهومش يقعدوا، وقال بنبرة جافة:
“اتفضل يا حاج حسين اقعد.. لكن الهوانم يفضلوا واقفين، عشان يعرفوا إن البيت ده له أصول، وزي ما بنتي وقفت في مطبخكم تتهان، أنتوا واقفين هنا تسمعوا الرد.”
وش حماتي اتغير فوراً ودمها اتصفى، وبنتها بصت لأمها بصدمة.. وفي اللحظة دي، أحمد طلع من على السلم ودخل الشقة بغضب وقالية بصوت عالي:
“جرى إيه يا عمي؟ أنتوا هتعاملوا أمي كده ولا إيه؟!”
أحمد أول ما فتح فمه بالصوت ده، محمود أخويا ما استناش؛ خطى خطوات سريعة ونزل إيده على صدر أحمد وبقوة حازمة زقه لبرة باب الشقة وقاله بصوت واطي ومزلزل:
“نزل صوتك ده وإنت واقف على عتبة بيتنا.. الكلام هنا للكبار، وإنت أثبتّ إنك صبي مش راجل، فتقف برة لحد ما نشوف كباراتك هيقولوا إيه!”
أحمد وشه احمرّ وكان حاسس بقلة حيلة رهيبة قدام حزم أخويا وصموده، وعمي حسين تلفّت لأحمد وزعق فيه بعصبية:
“انزل اقعد في العربية برة يا أحمد! مش عايز أسمع صوتك لحد ما أخلص كلامي هنا، إنت ضيعت كل حاجة بغشامتك!”



