عام

مدرسه انجليزى

امانى السيد

في لحظتها، حسيت إن ربنا بيردلي اعتباري وبيعرفني إن الشرف والأمانة في شغلي هما اللي أنقذوني مش الفلوس. أخدت المبلغ، وخلصت إجراءات الشراكة مع زميلتي، والمركز بقى باسمنا إحنا الاتنين بالنصف، والورق اتوثق في الشهر العقاري رسمي، وكل ده بيحصل وجمال فاكر إني قاعدة في البيت بتعصر من الهم وبدور على طريقة أتحايل بيها عليه عشان يديني الفلوس.

رجعت البيت بليل، كان قاعد في الصالة حاطط رجل على رجل ومستني لحظة الانكسار، مستني أجي أترجاه وأبوس أيده عشان يكتب المركز باسمه ويدفع الخمسين ألف. قعدت قدامه بكل هدوء، حطيت شنطتي على الترابيزة، وبصلته بنظرة أبرد من نظرته بكتير، وطلعت من الشنطة نسخة العقود التلغرافية الموثقة للمركز الجديد.

جمال بص للورق باستغراب، ومسك العقود يقلب فيها وهو مش مصدق عينيه، وش ألوانه اتغيرت، والدم هرب من عروقه لما شاف اسمي واسم زميلتي فقط على الأوراق والختم الرسمي موجود، وشاف عقد الملكية النهائي للسنتر الكبير.

رفع عينه فيا بصدمة وقال لي بصوت مبحوح: «أنتي جبتي الفلوس منين؟ وعملتي ده إزاي من غير ما ترجعيلي؟»

قربت منه خطوة واحدة، وبصيت في عينه وقالتله: «جبتها من اسمي وشقايا وتعب السنين اللي كنت فاكر إنك بتكسرني بيه.. جبتها من الناس اللي قدرت قيمتي لما أنت استخصرت فيا كلمة حلوة ومساندة في وقت شدة. المركز اتكتب خلاص يا جمال، ومن النهاردة، زي ما عرفت طريق شغلي ونجاحي لوحدي، هتعرف أنت كمان طريق مصاريف بيتك وعيالك اللي نسيتهم من سنين.. اللي فات حمادة، واللقطة اللي جاية دي حاجة تانية خالص».

جمال قام وقف من طوله، العقود كانت بتترعش في إيده وشكله بقى زي اللي أخد قلم على وشه صحاه من وهم كبير كان عايش فيه. الفكرة نفسها كانت صدمة ليه؛ الست اللي كان فاكر إنه حاصرها في خانة اليك، واللي حاطط في حسابه إنها هترجع له مقهورة وتبوس إيده عشان ينقذها، وقفت قدامه وهي شايلة نجاحها في إيدها ومسحت بيه كل مخططاته في لحظة.

قرب مني بغضب وحاول يمسكني من دراعي وهو بيزعق بصوت مهزوز: «إنتي بتستغفليني يا هناء؟ بتخرجي من ورايا وتعملي صفقات وتدخلي ناس غريبة ما بيننا؟ طلعتي منين بالفلوس دي؟ مين اللي أداكي الـ ٥٠ ألف جنيه في أربع وعشرين ساعة؟»

شديت دراعي منه بمنتهى القوة والجمود، وربعت إيدي وبصيت له بثبات عمري ما حسيته قبل كده: «إياك تلمسني تاني يا جمال، والناس الغريبة اللي بتتكلم عنهم دول هما اللي قدروا اسم أستاذة هناء اللي أنت عشت سنين بتاكل في خيرها وتستقل بيها. المبلغ ده أخدته بشرفي وباسمي وبشغلي اللي أنت كنت فاكره مالوش قيمة.. الراجل يديني الملايين وهو مطمن، عشان عارف إن كلمة هناء العوضي بضمان جبل، مش زي ناس عايشين معايا في بيت واحد وبياكلوا من شقايا وبيخططوا من ورايا إزاي يكتفوني ويبيعوني».

أول ما سمع كلمة “بيخططوا من ورايا”، وش جمال اتقلب أصفر زي الورق والميه نشفت في زوره. أدرك في ثانية إني سمعت مكالمته مع أخته، وعرف إن الكارت الأخير اللي كان بيلعب بيه في الخفاء اتكشف واتحرق. قعد على الكرسي بذهول، وحاول يجمع كلامه أو يداري خيبته، بس اللسان اللي كان بينقط سم وبرود مبارح كان عاجز تماماً إنه يدافع عن نفسه.

سبته واقف في الصالة مش فاهم أولها من أخرها، ودخلت أوضتي قفلتها بالمفتاح، ولأول مرة من سنين أنام ونفسي مرتاحة، حاسة إني أخدت حقي وأثبت لنفسي قبل أي حد إني مش ضعيفة ولا محتاجة لضلمة يستقوى عليا.

من تاني يوم الصبح، حياتنا اتغيرت ١٨٠ درجة. أنا مكنتش ناوية أعدي الموضوع كأنه مجرد خناقة وتعدي، القصة بقت قصة وجود وكرامة. الصبح بدري، قبل ما أنزل المركز الجديد، جمعت ورقة وقلم وحطيتهم على السفيرة قدامه وهو بياكل.

بص للورقة باستغراب وقالي: «إيه ده كمان؟»

رديت بمنتهى الجدية والهدوء: «دي قايمة بمتطلبات البيت ومصاريف الولاد الشهرية.. إيجار، فواتير ميه ونور وغاز، أكل وشرب، دروس العيال ومصاريف مدارسهم، ودروس السباحة بتاعتهم. السنين اللي فاتت أنا كنت بشيل ده كله بحجة إني بساعد، بس من النهاردة أنا طلقت دور “الراجل والست” اللي أنت عيرتني بيه.. فلوسي وشقايا من السنتر الجديد والقديم رايحين لحسابي في البنك ولتطوير شغلي، وأنت كراجل البيت مكلف رسمياً بالإنفاق على بيتك وعيالك بالحرف، والورقة دي هتوصلك كل يوم واحد في الشهر».

جمال اتجنن ووقف يصرخ: «أنتي اتجننتي يا هناء؟ أنتي فاكرة نفسك إيه؟ أنتي فاكرة إن عشان ربنا كرمك بمركز هتتنسري عليا؟ الماهية اللي باخدها من شغلي مبتغطيش كل ده! إنتي كنتي بتشيلي النص وأنا النص!»

بتسمت بابتسامة باردة جداً وقربت منه: «لا يا جمال، أنا مكنتش بشيل النص، أنا كنت بشيل الكول.. أنت كنت بتاخد مرتبك وتحطه في حسابك أو تصرفه على أهلك وعربيتك، وتسبني أنا أدفع كل قرش من لحم حي. لما جيت أطلب منك مساندة في لحظة، استغليت ضعفي وكنت عايز تاكل تعب عمري وتكتبه باسمك. يبقى خلاص، كل واحد يشيل شيلته.. تقدر توريني شطارتك كرجل بيت وتصرف على ولادك، وإلا بقى السوبر ماركت والمدارس هيعرفوا إن أستاذ جمال هو اللي يدفع، ومش هيدخل قرش من جيبي في البيت ده تاني».

سبته ونزلت، وسبت ورايا نار بتاكل في أعصابه. السنتر الجديد اتفتح، وكان تحفة معمارية وتعليمية، الاسم بتاعي مع اسم زميلتي عمل ضجة كبيرة في المنطقة، والطلاب بدأوا يحجزوا بأعداد مهولة، الدخل اللي كان بيدخل لي في شهر بقيت أعمله في أسبوع، ورجلي بقت ثقيلة في السوق والكل بيعملي ألف حساب.

لكن جمال مكنش يسكت، لما لقى إن التهديد المادي مانفعش، وإن مصاريف البيت بدأت تضغط عليه بجد واضطر يسحب من مدخراته اللي كان شايلها على قلبو، بدأ يلعب لعبة أحقر وأذكى.. بدأ يقلب العيال عليا، وبدأ يستغل غيابي في المركز عشان يحسسهم إن أمهم باعتهم وفضلت الفلوس والشهرة عليهم.

في يوم رجعت بالليل متأخر بعد يوم شغل شاق جداً، لقيت ابني الكبير “أحمد” قاعد في الصالة ومستنيني، وعلى وشه علامات غضب وتأثر مش طبيعية. أول ما دخلت، وقف قدامي وقالي بنبرة فيها عتاب جاف: «هو أنتي يا ماما خلاص مابقاش يهمك غير المركز والفلوس؟ بابا هو اللي بياكلنا وهو اللي بيقعد معانا، وأنتي طول النهار برة وسايبانا.. بابا قالي إنك بقيتي مغرورة وإن السنتر الجديد ده أهم عندك مننا كلنا!».

الكلام نزل عليا زي الخنجر، المرة دي  مكنتش من جمال، الصدمة كانت إن الشجرة اللي سقيتها بدمي وتدريبي وتلخيصاتي وسهري جنبهم طول السنين اللي فاتت، جمال قدر في كام أسبوع يزرع فيها الشك ناحيتي، وعرفت إن الحرب كده اتنقلت لمرحلة ثانية وأخطر بكثير.. مرحلة بيحاول فيها  مني ولادي بعد ما فشل يسرق تعبي.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى