منوعات

عزومة مميزه

حكايات زهره الربيع

مراتي كانت واقفة وشها أبيض كالثلج، وعينها مذهولة مش مصدقة الجريمة الكوميدية اللي عملتها فيها وفي أهلها. أختها الكبيرة وجوزها بصوا للأكل بصدمة، وبعدين بصوا لبعض، وجوز أختها مسك نفسه بالعافية عشان ما يضحكش بصوت عالي.

أما حماتي… فكانت في الوقت ده فتحت باب الشقة ونزلت على السلم جري وهي بتبرطم وتزعق باعلي صوتها: “ده راجل مجنون! قليل الأدب! ده هبلنا كلنا!”

وقفت أنا بكل هدوء جنب السفره، وربطت إيدي في صدري، وبصيت لمراتي بهدوء وقولت:

— “إيه يا حبيبتي؟ الأكل مش عاجبك إنتي وأهلك ولا إيه؟ ما هو ده اللي على قد فلوسنا، وبدل ما نشتكي لبعض على الإسبيكر ونقول ‘جاي يعمل علينا دور الكحيان’، أهوه جه دور الكحيان بجد! فلوس العزومات راحت لمكانها الصح: إصلاح الغسالة عشان مراتي تعرف تغسل القميص اللي مش لقياه!”

مراتي انهارت من العياط والقهر، وقعدت على الكرسي وهي بتقول بصوت مهزوز:

— “إنت… أنت فضحتني قدام أهلي! هبّلتني أنا وأمي!”

قولت لها بصوت حاسم وبنظرة ثابتة:

— “لا يا أمي… أنا ما فضحتش حد، أنا بس وضحت الصورة. زي ما أهلك شايفين إنهم أسياد البيت ولكل حق يتدخلوا ويشحنوكِ عليا، لازم يعرفوا كمان إن البيت ده ليه صاحب بيشقا ويموت نفسه عشان يوفر اللقمة، ومش عيب أبدًا أكون ‘كحيان’ على قد حالي، العيب الحقيقي إن اللي اتجوزتني تنسى أصلها وتقارن جوزها بغيره وتبيع كرامة بيتها عشان منظر قدام أختها!”

البيت كله اتقلب في ثواني، أهلها مشيوا، وحماتي كانت بتتوعد ليا بكل الشر وهي نازلة، لكن أنا مكنش يهمني أي حاجة في الدنيا دي غير إن الكبرياء الوهمي ده يتكسر.

قعدت على الكنبة، وبصيت لمراتي وسايب لها الاختيار… يا إما نتعلم نعيش على قد لحافنا ونقدر تعب بعض، يا إما السباق الوهمي ده نهايته هتكون خراب بيتنا بجد.

سكتت مراتي ولأول مرة من سنين… نزلت راسها في الأرض، وبدأت تفهم إن الإيد اللي بتبني هي اللي تستاهل تتبوس، مش الإيد اللي بتهد عشان مجرد

“منظرة فارغة”.

الجزء الثالث: بداية التعقل بعد الصدمة

اليوم ده عدى على البيت كأنه زلزال بقوة عشر درجات. بعد ما أهلها مشيوا، والشارع هدي، قعدت في الصالة مستني رد فعلها. كنت عارف إن الصدمة كانت قوية، وإن كبرياءها وأهلها اتعرضوا لهزة مش هتنساها بسهولة.

لقيتها قاعدة على السفرة، باصة لأطباق الإندومي والطعمية اللي كانت مكسفة الكل، والدموع نازلة على خدودها بصمت. مكنتش بتبكي عياط العند، دي كانت دموع إنسانة فاقت فجأة من كابوس طويل كانت هي بطلته.

قربت منها وبهدوء، سحبت الكرسي وقعدت قصادها، وقلت بصوت هادئ:

— زعلانة مني عشان كسرت عينك قدام أهلك، ولا زعلانة عشان الحقيقة ظهرت على أصلها؟

رفعت عينيها الحمراء ليا وقالت بصوت مكسور ومرجوف:

— إنت فضحتني يا محمود… فضحتني قدام أمي وأختي، ودلوقتي هيقطعوا بينا ومش هيجوا هنا تاني أبدًا!

رديت عليها بحزم وبدون تراجع:

— لو هما كانوا بيجوا عشان ياكلوا اللحوم والمحاشي ويفضلوا يقارنوني بجوز أختك ويحطوا السم في دماغك، فغيابهم راحة لبيتنا. ولو إنتِ فاكرة إن منظرك قدام أختك أهم من استقرار بيتنا وفلوس تعبي، يبقى احنا عندنا مشكلة كبيرة أوي في أساس الجوازة دي. أنا مش بخيل يا سميرة، وعمري ما بخلت عليكي بحاجة أقدر عليها، بس الطمع والسباق الوهمي ده هيخرب بيتنا بجد.

سكتت… منكنش بترد، لأنها كانت عارفة جواها إني عندي حق في كل كلمة.

تاني يوم الصبح، باب الشقة خبط. فتحت، لقيت الصنايعي بتاع الغسالات واقف وباصصلي باستغراب. دخل وصلح الغسالة في أقل من ساعة، ودفعت حسابه من الفلوس اللي كنت سايبها.

سميرة كانت واقفة في المطبخ، متابعة كل حاجة بصمت. أول ما الصنايعي مشي، دخلت لقيتها ممسوحة من التوتر، وراحت ناحية الغسالة وحطت فيها أول دُورة غسيل… ولأول مرة من شهور طويلة، وشها مكنش مقموص ولا مكشر.

بعدها بكم يوم، تليفونها رن. كانت أختها بتكلمها. سمعت سميرة بتقول باختصار شديد وبنبرة قوية أول مرة أسمعها:

— معلش يا ماما، محمود عنده حق… ظروفنا على قدنا، ومش كل جمعة هنعمل عزومات تكلفنا أضعاف مرتبنا. اللي عايز يزورنا يشرفنا على فنجان قهوة، وغير كده البيت مش متحمل.

قفلت التليفون، وجات وقفت قدامي، ونزلت راسها وقالت بحرج حقيقي:

— حقك عليا يا محمود… أنا كنت عمياء، وكنت عايزة أعيش عيشة مش عيشتي عشان أرضي ناس مش هيعجبهم العجب أصلاً. سامحني، وغسالتك اهيه اشتלت، والقميص اتغسل ومكوي.

ابتسمت، ومديت إيدي مسكت إيدها وقلت:

— مسامحك يا أم حمزة… طول ما إحنا فاهمين إن البيت ده بيتبنى برضا القليل قبل الكتير، هنرتاح وكل حاجة هتبقى تمام.

من اليوم ده، العزومات الأسبوعية الطحينة دي اختفت للأبد. بقينا نعزيم أهلها في الشهر مرة بكل حب وبما يرضي الله، ومن غير تكلف ولا ديون. والغسالة بقت تشتغل في ميعادها، ورجعت الضحكة الحقيقية لبيتنا، بعيد عن أي “منظرة فارغة

” ممكن تهد حياتنا.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى