
عمري ما كنت أتخيل إن يوم فرح بنتي الكبيرة، الست اللي سابتني أنا وبناتي الستة من 15 سنة… هترجع تظهر تاني!
مش عشان وحشاها بناتها…
لأ.
رجعت عشان خايفة عيلتها الجديدة تقول عليها إيه لو ما حضرتش فرح بنتها!
أنا اسمي محمود، ولسه فاكر كويس اليوم اللي مراتي داليا سابت البيت فيه.
كانت أصغر بنت عندنا عندها 9 شهور، نايمة على صدري، وخمس بنات صغيرين واقفين في الصالة بيتفرجوا عليها وهي بتسحب شنطها.
بصيت لها وقلت:
«رايحة فين يا داليا؟»
ردت بمنتهى البرود:
«رايحة أعيش حياتي.»
ضحكت من الصدمة وقلت:
«حياتك؟ وإحنا إيه؟»
بصت للبنات وقالت:
«أنا تعبت من الفقر ده… تعبت من إني عايشة مع واحد مش قادر يجيبلي اللي نفسي فيه.»
وبعدين قالت الجملة اللي عمرها ما خرجت من دماغي:
«حسام يقدر يديني الحياة اللي أنا أستحقها.»
حسام كان مديرها في الشغل.
وساعتها بس فهمت إن الموضوع مش مجرد طلاق…
دي كانت سايباني عشانه.
خرجت داليا من البيت، وأنا كنت فاكر إنها بعد كام يوم هتندم وترجع.
لكن الأيام بقت شهور…
والشهور بقت سنين.
ولا مكالمة.
ولا زيارة.
ولا حتى جنيه واحد لبناتها.
ست بنات كبروا قدامي وأنا اللي شلت كل حاجة.
كنت بنزل شغلي الصبح بدري، وأحيانًا آخد شيفت زيادة، وأرجع آخر الليل ألاقي واحدة عايزة تتسرح، وواحدة عندها امتحان، وواحدة سخنة، وواحدة بتعيط عشان اتخانقت مع صاحبتها.
اتعلمت أضفر الشعر.
واتعلمت أعمل الأكل اللي بيحبوه.
واتعلمت إن البنت لما تقول «أنا كويسة» وهي ساكتة زيادة عن اللزوم، تبقى مش كويسة خالص.
كنت أب وأم في نفس الوقت.
والحمد لله، ربنا عوضني فيهم.
كبروا وبقوا ست بنات محترمين، وكل واحدة فيهم كانت سند للتانية.
لحد ما الكبيرة، سارة، اتخطبت.
وبدأنا نجهز للفرح.
قبل الفرح بحوالي 3 أسابيع، موبايلي رن.
لقيت رسالة من داليا.
فتحتها…
وكان مكتوب:
«أنا هحضر فرح سارة. عيلتي الجديدة هتستغرب جدًا لو ما حضرتش فرح بنتي. أتمنى تحترم ده.»
فضلت باصص للرسالة شوية.
وبعدين رحت لسارة ووريتهالها.
كنت متوقع إنها تتعصب.
تعيط.
تقول لي «مش عايزاها تيجي».
لكنها عملت حاجة غريبة جدًا.
ابتسمت.
وقالت:
«خليها تيجي يا بابا.»
استغربت.
وقلت:
«إنتِ متأكدة؟»
قالت:
«أيوه.»
وبعدين قربت مني وقالت:
«أنا محضّرة لها حاجة من زمان.»
سألتها:
«حاجة إيه؟»
ضحكت وقالت:
«هتعرف في الفرح.»
يوم الفرح جه.
القاعة كانت مليانة.
أهل العريس وأصحابه وأقاربنا، والكل فرحان بسارة.
وقبل ما الفرح يبدأ بوقت قليل…
دخلت داليا.
بعد 15 سنة كاملة!
كانت لابسة فستان غالي، وشايلة شنطة ماركة، وشكلها واضح إنه عايش في مستوى مختلف تمامًا عن حياتنا زمان.
دخلت وهي بتبص حواليها بثقة.
وأول ما شافت سارة، فتحت دراعها وقالت:
«بنتي! وحشتيني أوي!»
أنا كنت واقف بعيد.
لكن سارة راحت حضنتها.
وبصوت هادي قالت:
«وحشتيني يا ماما.»
داليا ابتسمت.
واضح إنها كانت مستمتعة بدور الأم اللي رجعت فجأة في أهم يوم في حياة بنتها.
وبعد شوية، قربت مني وقالت:
«كويس إنك خليتهم يرحبوا بيا.»
ما رديتش.
دخلت سارة علينا، ومسكت إيد أمها.
وقالت:
«ماما… تعالي معايا. عايزاكي تشوفي حاجة.»
أخدتها ناحية وسط القاعة.
وفجأة…
دخل 3 من العاملين في القاعة وهم بيجروا صندوق خشب كبير جدًا.
كان مربوط بشريط أبيض.
الناس بدأت تستغرب.
حطوه قدام سارة وداليا.
سارة مسكت الميكروفون.
وقالت:
«أنا وأخواتي حضّرنا مفاجأة لماما.»
داليا ضحكت وقالت:
«يا حبيبتي، مكنش له لازمة التعب ده.»
سارة بصت لها وقالت:
«لأ… له لازمة جدًا.»
وبعدين قالت قدام كل الناس:
«إنتِ غبتي عن حياتنا 15 سنة.»
ابتسامة داليا بدأت تختفي.
سارة كملت:
«كل سنة كنتِ بعيدة فيها، أنا وأخواتي كنا بنحتفظ بحاجة.»
وبعدين قالت:
«حاجات مكنش ينفع نرميها.»
داليا سألت:
«إيه الحاجات دي؟»
سارة قالت:
«افتحي الصندوق.»
داليا فتحت الغطا…
وفجأة سكتت.
وشها اتغير.
رجعت خطوة لورا.
إحدى قريبات العريس حطت إيدها على بقها من الصدمة.
وأنا نفسي قربت أشوف.
الصندوق كان مليان حاجات صغيرة…
صور قديمة.
جوابات.
ورق مدارس.
تذاكر مستشفيات.
كروت أعياد ميلاد.
وفوق كل ده…
كان فيه دفتر كبير مكتوب على أول صفحة فيه: “أمي… كل الحاجات اللي كان نفسي أقولها لك.”
داليا مسكت الدفتر وإيدها بتترعش.
سارة قالت:
«ده أول حاجة.»
وقلبت الصفحة.
وكان مكتوب:
«يا ماما… أنا عندي 10 سنين النهارده، وكل البنات قالوا إن أمهاتهم جم لهم الحفلة… هو إنتِ هترجعي إمتى؟»
داليا بدأت تعيط.
لكن سارة ما وقفتش.
طلعت ورقة تانية.
وقالت:
«ودي من عند أختي منى وهي عندها 12 سنة.»
وبعدين قرأت:
«أنا مش زعلانة إنك مشيتي… أنا بس زعلانة إنك ما حاولتيش ترجعي.»
القاعة كلها بقت ساكتة.
داليا مسحت دموعها وقالت:
«كفاية يا سارة…»
لكن سارة ردت:
«لأ يا ماما… لسه.»
طلعت ظرف قديم.
وقالت:
«فاكرة السنة اللي قولتي فيها لكل الناس إن بابا هو اللي مانعك تشوفينا؟»
داليا اتجمدت.
سارة فتحت الظرف.
وطلعت منه رسائل كانت داليا نفسها باعتاها لباباها ولصاحبتها القديمة.
رسائل مكتوب فيها إنها مش عايزة ترجع.
وإنها مرتاحة مع حسام.
وإنها شايفة إن البنات عبء عليها.
أنا وقتها بصيت لداليا…
لأول مرة في حياتي أشوفها مش عارفة تقول أي كلمة.
سارة قربت منها وقالت:
«بابا عمره ما منعك.»
وبعدين رفعت صورة قديمة جدًا.
صورة لينا إحنا الست بنات وأنا، واقفين قدام باب بيتنا في عيد ميلاد واحدة منهم.
وقالت:
«إحنا كنا بنستناكي كل سنة.»
وبصوت مكسور قالت:
«لكن إنتِ مكنتيش بتيجي.»
داليا انهارت على الكرسي.
وبدأت تقول:
«أنا غلطت… أنا كنت صغيرة…»
سارة ردت:
«إحنا كمان كنا صغيرين يا ماما.»
الجملة نزلت على القاعة كلها كأنها صفعة.
وبعدين سارة قفلت الصندوق.
وقالت:
«أنا مش جايبة الصندوق ده عشان أفضحك.»
داليا رفعت عينيها لها.
سارة قالت:
«أنا جايباه عشان أقولك إننا كبرنا من غيرك.»
وسكتت ثواني.
وبعدين قالت:
«والنهارده… أنا مش محتاجة أم تيجي الفرح عشان عيلتها الجديدة تشوفها.»
بصت ناحية أخواتها.
وقالت:



