
مكنتش بتفتح بؤها ولا بتعاتب، كانت تدوس على جرحها وتسكت، تدخل أوضتها بالليل وتقفل الباب بالمفتاح، وأسمع صوت كتمة عياطها في المخدة عشان متسمعناش. تاني يوم تخرج من الأوضة عينيها وارمة ومنفخة وشكلها يقطع الخميرة من البيت، مكنتش بهتم ولا حتى أقولها مالك، بالعكس، كان بيضايقني بوزها وأزعق فيها: «مالك قالية خِلقتك على الصبح كده ليه؟ ما تروقي وشك ده وانزلي شوفي الغسيل اللي وراكي!». كانت تبصلي بنظرة مكسورة تموت فيها ألف مرة، وتمشي من سكات تطاوعني وهي شايلة القهرة جوة قلبها.
والصغيرة مكنش بيكفيها إني بفضلها وبميزها، كانت بتحب تشوف الكبيرة مكسورة ومفروسة. تقعد قدامها تقيس الهدوم اللي جبناها، وتتغندر بيها في الصالة، وتقول بنبرة كلها لؤم: «شايفة يا سمر ماما جابتلي إيه؟ أصل ماما ذوقها يجنن ومبترضاش تستخسر فيا حاجة أصل أنا الواجهة بتاعتها»، وسمر تقف في المطبخ بإيديها المبلولة باصة في الأرض، وأنا قاعدة في الصالة سامعة وشايفة، وبدل ما أكسر حِدة الصغيرة وأسكتها، كنت ببتسم بفخر وأقول: «ما أنتي قمر وأي حاجة بتلبسيها بتحليها يا حبيبتي».
الموضوع كبر ووصل لمرحلة تانية خالص من الظلم لما جه ابن عمتهم يتقدم. كان شاب ما شاء الله عليه، مهندس شاطر ومقتدر مادياً، ومركزه عالي وعيلته مرتاحة جداً. لما عمتهم كلمتني وقالتلي: «إحنا عايزين سمر لابني، هو شايفها بنت عاقلة وأصيلة وهتصونه»، الدنيا لفت بيا، بدل ما أفرح للبنت اللي شافت المر معايا وإن ربنا هيعوضها، لقيت عقلي الباطن وشيطاني بيصرخوا: «ليه الكبيرة تاخد اللقطة ده ؟ الصغيرة أولى، الصغيرة هي اللي قمر وتستاهل العز ده كله وتشرف في عيلة زي دي».
قفلت مع عمتهم من هنا، ودماغي مبطلتش تدبير. استنيت لما الصغيرة خرجت من الأوضة وفهمتها الموضوع، وطبعاً عنيها لمعت وقالتلي: «بقى سمر تتجوز ده قبلي يا ماما وتعيش في المستوى ده وأنا أقعد أتفرج عليها؟ اتصرفي يا ماما، ده ليا أنا!».
تاني يوم رنيت عليها وقولتلها تجوزه «يا أختي أنتي عارفة غلاوتك وغلاوة ابنك عندي، بس أنا لازم أصارحك بالحق.. سمر بنتي أه، بس طبعها قافل، ناشفة ومعقدة ومبتحبش الخروج ولا الفرفشة، والبيت هنا قرفانا نكد ابنك شاب متفتح وعايز واحدة تدلعه وتملى حياته بهجة».
عمتها استغربت وسألتني: «أمال مين تناسبه يا أم البنات؟»، رديت بسرعة وبلهفة فضحتني: «الصغيرة يا حبيبتي! الصغيرة دي سكرة، جمال وخفة دم، ولسان بينقط شهد، واجهة تشرف ابنك في وسطه ووسط أصحابه، وكمان شاطرة وواعية وتعرف تسعد الراجل، أنا بنصحك نصيحة اخت لأختها والاتنين زلادى ، بس الصغيرة هي اللي هتصونه وتسعده بجد».
فضلت أمدح في الصغيرة وأرفعها لسابع سما، وفي نفس الوقت أدق في سمر وأطلع فيها العبر وأصغرها في عين عمتها. رجعت البيت وأنا حاسة بانتصار، وبصيت لسمر وهي واقفة في المطبخ بتغسل المواعين مهدودة الحيل، وبدل ما أحس بذنب إني بسرق فرحتها وبفركش جوازتها من ورا ضهرها، كنت بفكر إزاي أمهد للموضوع عشان أختها الصغيرة هي اللي تطلع كسبانة العريس والجاه كله على حساب قهرتها. وفى وسط كلامى بنتى كانت واقفه على الباب وسامعه كل كلمه
الجزء الثاني: صاعقة الحقيقة ورد القلم
كلمات السم اللي رشيتها في ودن عمتها عشان أسرق فرحة بنتي الكبيرة وأديلهالصغيرة، كانت المفروض تديني شعور بالانتصار بحسب تخطيطي الأعمى. قفلت المكالمة وأنا باصة لسمر وهي واقفة في المطبخ، مهدودة الحيل وشايلة البيت لوحدها، ولا حسيت بنقطة ذنب واحدة.
لكن المطبخ مكنش ساكت.
فجأة، صوت إقعاق الأطباق اقطع تمامًا. حسيت بهواء بارد دخل الصالة، ولما لفيت وشي، لقيت سمر واقفة عند باب المطبخ. إيديها كانت مبلولة، وشها أبيض كالثلج، وعينيها مش مدمعة… دي كانت عيون ناشفة، مكسورة، بس مليانة بغضب وقهر سنين طويلة انفجر في لحظة واحدة.
وقفت بصالي بصمت مرعب، وقالت بصوت خافت بس كان أصوات الرعد كله جوه صدري:
— يعني حتى دي يا ماما؟ حتى الستر والفرحة اللي ربنا باعتهم لي، تقومي تبيعيهم وتباعيني عشان أختي؟ أنا كنت مفكرة إنك بتحبيها أكتر عشان هي الصغيرة، بس دلوقتي فهمت… إنتِ مش بتحبيها، إنتِ بتكرهيني أنا!
اتنترت من مكاني برعب خفيف، حاولت ألم الموضوع وأزعق كعادتي عشان أغطي على فضيحتي:
— إنتِ قليلة الأدب! بتكلمي أمك كده؟! وبعدين أنتي مالك، أنا أدرى بمصلحة أخواتك…
قاطعتني بصرخة هزت أركان البيت كله، صرخة طلعت من عمق قلب مجروح:
— كفاية كدب بقى! كفاية ظلم! عشر سنين وأنا بدوس على روحي عشان أرضيكِ، أشيل الشغل، وأنظف، وأسكت لما تفرقي بيني وبينها في اللبس والأكل والمصروف، وكنت بقول بكرة تحس بيا! لكن توصل لإنك تبيعيني قدام عمتي وتطلعي فيا العبر عشان تاخدي عريسي وتديه لدلوعتك؟! ده أنا بنت بطنك يا شيخة!
الصغيرة طلعت من أوضتها تضحك بلؤم وعاوزة تكيدها، وقالت بصوت مألوف في قسوته:
— ايه يا سمر زعلانة ليه؟ ما هو العريس لو كان عايزك بجد كان سأل عليكي إنتِ مش أنا، بس العقل بيقول إن…
قبل ما تكمل جملتها، الصدمة التانية حصلت.
تليفوني اللي كان على الترابيزة رن بصوت عالي.. رقم “عمتهم”.
باستغراب وقلق، فتحت الخط وحطيته على أذني، وكنت فاكرة إنها بتأكد المعاد للصغيرة، لكن صوت عمتها طلع حاد، قاسي، ومليان احتقار واشمئزاز لدرجة خلتني أتجمد مكاني:
— اسمعي يا أم سمر… أنا كنت مفكراكِ ست عاقلة وبنت أصول، ومكنتش أعرف إن الجشع والظلم وصلوا بيكي لكده!
بلعت ريقي بصعوبة، وصوتي طلع مهزوز:
— خـ… خير يا أم أحمد؟ في إيه؟!
عمتها كملت كلامها بغضب نزل عليا زي الصاعقة:
— الخير إِنّي كنت واقفة في البلكونة اللي تحت شقتكم، وسمعت كل كلمة قولتيها في التليفون عن سمر، وسامعتك وِإنتِ بتطعني في شرفها وأمانتها عشان تلمّعي البنت اللي ربّتيها على الطمع والغرور! ابني أحمد هو اللي طلب سمر بالاسم، وشاف أخلاقها وعقلها وهي نازلة ورايحة تجيب طلبات البيت، وكان مبهور بأصلها وتربيتها اللي “إنتِ” ما تستاهليهاش أصلا!
عيني وسعت من الخضة، والصغيرة اتجمدت وابتسامتها طارت من على وشها.
عمتها كملت بصوت حاسم وجاف:
— وعشان تبقي عارفة، ومن قبل ما أكلمك، أحمد كان قايل لي: “يا أمي أنا مش عايز غير سمر، البنت الأصيلة اللي شايلة هم أمها وأختها من غير صوت”… فلما كلمتيني وعرضتي عليّا الصغيرة وابتديتي تطلعي في سمر العبر، اتأكدت بنفسي إن البنت الغلبانة دي عايشة في جحيم وسط أم وأخت ظالمين!
حاولت أدافع عن نفسي بخوف:
— يا أم أحمد.. اسمعيني بس، أنا كنت بوضح لك…
قاطعتني بقسوة ورفض قاطع:
— اخرسي! لا تسمعيني ولا أسمعك! الفاتحة اللي فتحناها بيني وبينكم اتشالت، وبني آدمة زيك مفيش فيها أمان عشان ندخل بيتها أو نسبّها على بنتنا الأصيلة. والسلام عليكم، ومشوفش وشك قدامي تاني!
تُووووت.. تُووووت..
الخط اتقفل. تليفون وقع من إيدي على الأرض.
الصالة بقت هادية كالمقابر. بصيت لسمر، لقيتها واقفة بتبص لي بنظرة مكسورة بس فيها لمعة انتصار الحقيقة. اخدت شنطتها اللي كانت مجهزاها أصلا، وبصتلي وقالت بصوت ميت وخالٍ من أي إحساس:
— ارتحتي دلوقتي يا ماما؟ ضيعتي مني كل حاجة… بس تطمني، ريحي دماغك مني نهائي.
جريت على الباب وفتحته ونزلت، وسابتني واقفة لوحدي أنا والصغيرة في صالة ملهاش أي طعم، وسط جدران بيوتنا اللي انهارت فوق راسنا
بسبب طمعي وظلمي اللي ملهوش أخر.



