
فتحت باب شقتي ودخلت، وقفلت الباب ورايا بالترباس. لأول مرة من أربع سنين أسمع صوت الترباس وهو بيتقفل ويبقى له معنى.. كان معناه إن المساحة دي ملكي، وإن الأيام اللي كنت بفتح فيها الباب وسدرة صدري مفتوحة للكل راحت ولقت.
وقفت في نص الصالة، قلبي كان بيدق بسرعة من أثر المواجهة، بس ما كانش دقات خوف.. كانت دقات حد بيتنفس لأول مرة بعد ما كان مقمور تحت المية.
تحت، كان صوت الصراخ ودب الزعيق ابتدى يعلى. سمعت صوت معتز وهو بيزعق لأمه، وصوت حماتي وهي بتصرخ وتولول إن إزاي أشجان تتجرأ وتسمع كلامنا وتتكلم بالشكل ده، وصوت حنان وهي بتدخل في النص وتزود النار عشان تدافع عن نفسها.
بعد عشر دقائق بالضبط، سمعت خطوات معتز وهي طالعة على السلم.. خطوات سريعة وتقيلة، طالع بغضب الدنيا كله.
خبط على الباب بكل قوته: «افتحي يا أشجان! افتحي الباب ده بدل ما أكسره على دماغك!»
قعدت على الكنبة، حطيت رجل على رجل، وقلت بصوت هادي وواضح وصل له برة:
«اللي عايز يتكلم يتكلم بأدب.. لو هتعلي صوتك أو تمد إيدك على الباب، أنا هكلم أخويا أحمد يجيلي فوراً، ومش هتمشي هادية زي ما أنت فاكر.»
السطوة اللي في صوتي خلت إيده تتجمد على الباب. السكوت ساد لثواني، وبعدها سمعت صوته وهو بيحاول يمسك أعصابه، بس النبرة كان فيها خيبة وأول علامات الانهزاز:
«افتحي يا أشجان نتكلم.. ما ينفعش الكلام من ورا الباب كده.»
قمت بكل هدوء، فتحت الترباس وفتحت الباب نص فتحة، وقفت سادة الممر بصدر متفرد، وبصيت له في عينه.
معتز كان وشه أحمر، وعينيه زايغة بين الغضب والذهول.. بص لي وقال:
«أنتِ جرى لعقلك إيه؟ إزاي تتصنتي علينا؟ وإزاي تتكلي على أمي وتكسفيها قدام حنان وجيهان كده؟ أنتِ نسيتي نفسك ولا إيه؟»
ابتسمت ابتسامة استخفاف وقفت الكلام في زوره، وقلت له:
«أنا ما اتصنتش يا معتز.. ربنا هو اللي حطني في السكة عشان أسمع الحقيقة اللي كنتوا مغميين عيني عنها. أربع سنين وأنا فاكرة إنك راجل بتعرف الأصول، وإن أمك شايفاني بنتها، طلعتوا شايفيني الخدامة المضمونة اللي بتساوموا بيها عشان حنان هانم ترضى عنك؟»
قرب مني وهو بيحاول يسيطر على الموقف:
«أنتِ فاهمة غلط! أمي كانت بتتكلم كلام مجالس.. كلام ستات كبار! وأنا عمري ما…»
قطعت كلامه ورفعت صباعي في وشه بثبات:
«أنت عمرك ما وقفت راجل يا معتز! عمرك ما قولت لأمك أشجان دي مراتي ولها احترامها! سبتني أطحن في صحتي عشان ترضى عنك، وفي الآخر جايبلي واحدة بتتكبر عليك وتقولك ولما أتجوزك مين يخدم أمك؟ فتقولها بكل بجاحة أخيلها تخدمك أنتِ شخصياً؟!»
معتز بلع ريقه وصدمته كانت واضحة.. ما كانش متوقع إن الكلمة دي بالذات وصلتني.
كملت ونبرتي بتزداد حدة وجمود:
«من اللحظة دي يا معتز.. اللعبة اتغيرت. شقتي دي خط أحمر، رجلي مش هتعتب تحت إلا لما أكون عزومة بكرامتي. مصروفي ومصروف شقتي يوصلني أول الشهر من غير نقطة نقص. وأي طلب لأهلك، حنان موجودة وجيهان موجودة.. خليهم يفر ورجيهم الأصول والجدعنة.»
معتز حاف يهدد: «ولو رفضت يا أشجان؟ لو قولتلك يا هتمشي على العجين لخبطيه يا بلاش منها الجوازة دي؟»
قربت منه وش وش، وقلت له بكل ثقة:
«يبقى تعملها يا معتز.. طلقني! بس قبل ما تنطقها، افتكر إن حنان مش هتبصلك، وأمك مش هتلاقي اللي يشيلها، ومؤخري وحقوقي وقائمتي هتاخدهم مني بالقانون. وريني بقى ساعتها مين فينا اللي هيرجع يبوس الإيدين!»
سيبته واقف مذهول ومبرق، ودخلت وقفت الباب في وشه بالترباس تاني.
سمعت خطواته وهي بتراجع لورا ببطء.. خطوات واحد أدرك إن الخدامة المطيعة خلاص ماتت، وإن اللي جوة دي ست عرفت قيمتها ومش هترجع تصغر نفسها تاني أبداً.
عدت الليلة دي وأنا سامعة تحت هيصة مش بتخلص. أصواتهم طالعة لحد عندي فوق؛ حماتي بتولول وتشتكي لعمي، وحنان ماسكة في معتز وتعاتبه إزاي يسمحلي أهينها قدام الكل، ومعتز صوته رايح وجاي بين إرضاء أمه والرد على حنان اللي فتحت فيه النار هي كمان.
أنا بقى؟ لأول مرة من أربع سنين أنام. ما قمتش الساعة خمسة الفجر أجري على المطبخ، ولا شيلت هم الطبيخ والعزائم. صحيت الضهر براحتي خالص، عملت لنفسي فنجان قهوة مضبوط، وطلعت قعدت في البلكونة بشربها وأنا لابسة أشياط ما عندي وشايفة الشمس كأنها بتشرق لأول مرة في حياتي.
على الساعة واحدة، سمعت خبط على الباب. المرة دي الخبط ما كانش فيه لا رزغ ولا عافية.. كان خبط متتردد ونبرة هادية.
فتحت الباب، لقيت جيهان أخت معتز واقفة، وشها جايب ألوان وواضحة عليها الصدمة والخجل.
بصيت لها ببرود وقلت: «خير يا جيهان؟»
جيهان بلعت ريقها وقالت بصوت واطي: «أشجان.. أمي بتقولك انزلي عشان عمي عايز يتكلم معاكي.. وعايزين نعمل غدا النهاردة عشان في ناس جايين لعمي.»
ابتسمت ابتسامة هادية وقلت لها: «يا حبيبتي يا جيهان.. ألف مبروك على الخطوبة المقادمة، بس أنتِ نسيتي كلام ماما ليكي امبارح ولا إيه؟ مش ماما قالت لك ماتبقيش زي أشجان المكسورة اللي الكل بيدوس عليها، وقالت لك خليكي زي حنان؟ انزلي يا حبيبتي حطي رجل على رجل مع حنان واطلبوا القهوة، وادخلي المطبخ اتعلمي طبخة عشان لما تتجوزي تعجبيهم. أنا ضهري وجاعني وراحة أخد شاور وأريح.»
جيهان فتحت بؤها ومش عارفة ترد: «بس يا أشجان.. ماما مش قادرة تقف وحنان قالت مش هتعمل حاجة!»
رديت وأنا بقفل الباب ببطء: «يبقى يطلبوا دليفري يا جيهان.. أو خلو معتز يدخل يطبخ لكم، مش هو اللي بيحب يعمل أصول؟ ياللا يا حبيبتي عشان ما تعطليش نفسك.»
قفلت الباب في وشها، وسمعت خطواتها وهي نازلة تجري.
بعد ساعة، نزل معتز من الشغل بدري على غير العادة.. دخل الشقة بالمفتاح، كان شكله مهدود ووشه مسحوب، باين عليه إنه أكل علقة كلام تحت من أمه وعمه لما لقوا المطبخ يفتح النفس على الخراب وما فيش لقمة تتأكل.
دخل عليا الصالة لقاني قاعدة بقرأ في كتاب وبشرب القهوة.


