
قفت حنفية المية بالراحة.
نشفت إيدي في الفوطة اللي كانت جنبي.
وبعدين مسكت الأطباق اللي كانت حماتي حطتهالي في إيدي، وحطيتها على الرخامة بهدوء تام من غير ما أكسر حاجة.
أحمد بصلي باستغراب وقال:
“أنتي بتعملي إيه؟”
رديت وأنا ببتسم ابتسامة هادية جداً، بس كانت أتقل من أي كلام ممكن يتقال:
“بعمل الصح يا أحمد.”
مسكت شنطتي اللي كانت محطوطة على الكرسي في الصالة، وأخته كانت بتبصلي بذهول مش فاهمة أنا برتب لإيه. حماتي خرجت ورايا المطبخ وهي بتقول بزعيق:
“أنتي ماشية وتسيبيني بتكلم؟ أنت سايبها تتنطط علينا في بيتنا يا أحمد؟”
أحمد مسك دراعي قبل ما أوصل للباب وقال بنبرة تهديد:
“لو خرجتي من الباب ده دلوقتي يا هدى، اعتبري كل حاجة بينا انتهت!”
وقفت عند الباب، وبصيت لإيده اللي ماسكة دراعي، وبعدين بصيت في وش أمه وأخته اللي كانوا واقفين يتفرجوا. قلعت دبلته من إيدي بالراحة خالص، ومسكت إيده وحطيت الدبلة في كفه، وقلت له بصوت ثابت مفيش فيه نقطة تردد:
“اللي ما يحترمنيش وأنا ضيفة في بيته، مش هيحترمني وأنا شريكة حياته.. والدبلة دي ترجعلك، عشان بيتكوا محتاج شغالة، مش محتاج عروسة.”
وقفت في الممر واللحظة كانت مشحونة بتوتر رهيب. أحمد بص للدبلة اللي في كفه بذهول كأنه مش مصدق إن البنت الهادية اللي كانت قاعدة ساكتة طول اليوم هي نفسها اللي خلعت دبلته وحطتها في إيده بمنتهى الثبات.
حماتي اتجننت من الموقف، وصوتها علي أكتر وهي بتزعق:
“شايف؟ شايف الهانم بتعمل إيه؟ جاية تتنطط علينا في بيتنا وترمي دبلتك كأنك ولا حاجة! جرى إيه يا بنت إنتي؟ فاكرة نفسك مين عشان تعملي الحركة دي؟”
أخته قامت من على الكنبة وقربت من أمها، وبصتلي بغل وقالت:
“والله كتر خير أخويا إنه كان مستحملك، دا أنتي صدقتِ نفسك قوي إنك عروسة بجد!”
أنا ما ردتش على أخته ولا على أمه ولا كلمة. عيني كانت مثبتة على أحمد بس. كنت مستنية أصل العزوة، أصل الرجولة اللي المفروض تحمي الخطيبة وتصونها حتى لو في أزمتها، لكن أحمد وشّه احمرّ من الغضب، والظاهر إن كبرياءه اتجرح قدام أمه وأخته.
سحب إيدي بقوة وقال بنبرة مليانة حدة:
“إنتي تجننتي؟ إنتي فاكرة إنك لما ترمي الدبلة كده هتلوي دراعي؟ قومي اعتذري لأمي فوراً واغسلي المواعين من غير كلام، وإلا قسمًا بالله ما هتخرجي من الباب ده غير وأنا قايل لأبوكي على قلة أدبك!”
التهديد ده كان القشة اللي قطمت ظهر البعير. بصلت لإيده اللي ماسكة إيدي وقايلتله بصوت حاد وواثق هز أركان الصالة:
“نزل إيدك دي يا أحمد.. وأقسم بالله لو ما شلتش إيدك حالا لأكون مكلمة بابا ومخلية أخويا ييجي يتصرف معاك برة البيت. وأنا مش مستنية منك تهددني، أبويا هيعرف كل حاجة من لساني أنا، ومش هسيب كرامتي تتهان عشان أرضي غرورك وغرور عيلتك!”
أحمد اتفاجأ بنبرتي شديدة اللهجة، نزل إيده ببطء وهو مش مصدق.
سحبت شنطتي، وفتحت باب الشقة وخرجت. وأنا نازلة على السلم، سمعت صوت حماتي وهي بتصرخ ورايا من فوق:
“أمشي يا معقدة! والله ما هتلاقي ضافر ابني تاني، وابني يتمنى ألف مين تتمناه!”
وأحمد كان واقف عند الباب بينادي عليا بغضب: “هدى! تعالي هنا لو مشيتي مش ترجعي!”
نزلت السلم بسرعة، والدموع كانت محبوسة في عيني، مش حزنًا عليه، لكن قهر من موقف استغلالي وإهانة مش من حقي أعيشها. خرجت للشارع وأنا بحاول أتنفس هواء نقي بعد الجو الخانق اللي كنت فيه.
ركبت عربيتي أو طلبت أوبر، وبدأت إيدي ترتعش وأنا ماسكة الموبايل. أول حاجة عملتها هي إن اتصلت ببابا.
“ألو.. إزيك يا حبيبتي؟ عملتي إيه عند طنط؟ الفطار كان حلو؟” صوت بابا كان دافي ومطمن، وده خلاني ما أقدرش أمسك دموعي أكتر من كده، وبكيت.
بابا قلق فوراً:
“هدى! في إيه يا بنتي؟ مالك؟ أحمد عملك حاجة؟”
حكيت لبابا كل حاجة بالحرف، من أول ما دخلت والتحقير اللي شفته، لحد كلام حماتي، وموقف أحمد وتخليه عني وإهانته ليا، لحد ما خلعت الدبلة وسبتها في إيده ورجعت.
بابا سكت لحظة.. السكوت ده كان المرعب بالنسبة ليا، بس بعدها قال بصلابة وصوت هزني من الجوا:
“أنتي عملتي الصح يا هدى. ارجعي على البيت يا بنتي.. حفك هيجيلك لحد عندك، واللي ما يعرفش قيمة بنتي ويحترمها، ما يلزمناش قرشين في بيته.”
وصلت البيت، وأول ما دخلت لقيت بابا وماما ومحمود أخويا قاعدين في الصالة مستنييني. ماما أول ما شافتني أخدتني في حضنها، وبابا وقف وقال لأخويا:
“قفل تلفونات أختك دلوقتي يا محمود.. مش عايزين أي تواصل معاه لحد ما نعرف النوايا.”
مرت ساعتين، والساعة بقت حوالي عشرة بالليل. وفجأة.. الموبايل الأرضي بتاع البيت رن، وبعدها موبايل بابا بدأ يرن برقم والد أحمد.
بابا بص للموبايل، وأخد نفس عميق، وفرد ظهره.. وقال بصوت حازم:
“جه وقت الحساب.”
رد بابا على التلفون، وفتح المايك.. وصوت والد أحمد (عمي حسين) كان طالع من السماعة وهو بيعتذر وبيحاول يلطف الجو، لكن المفاجأة كانت في اللي حصل بعد كرامة الموقف ده..



