
أحمد بصلي بحدّة ونزل على السلم بخطوات سريعة وهو بيخبط رجليه في الأرض، بينما حماتي وبنتها اتجمدوا مكانهم من منظر الهيبة والصرامة اللي شافوها في بيتنا.
عمي حسين دخل الصالة وقعد، وبص لبابا وماما وناداني بالاسم:
“تعالي يا هدى يا بنتي اقعدي جنبي.. أنا أهوه الراجل الكبير بتاع العيلة، وجايلك لحد بيتك عشان أقولك حقك عليا أنا. أم أحمد غشيمة وبنتها كسلانة، وأنا بعترف قدامكم إنهم غلطوا في حقك. بس يا بنتي البيوت ما بتبنيش كده، وأحمد ابننا وبيحبك، بس اتأثر بكلام أمه وكبريائه خده.”
بابا بص لعمي حسين بكل هدوء وقاله:
“يا حاج حسين، إنت راجل كبير وعلى راسي من فوق، بس كلامك ده يدين ابنك أكتر ما يشفع له! يعني إيه كبريائه خده؟ كبريائه ده يتفرد على برة، مش على البنت اللي رايح يخطبها ويأمنها على اسمه! البنت دخلت بيتكم بشنطة كنافة وبابتسامة وواخدة أمك زي أمها، تطلعوها شغالة وتكسروا بخاطرها؟ هي دي الأصول اللي اتربيتم عليها؟”
حماتي ما قدرتش تسكت، وقالت بصوت بتحاول تخليه هادي بس النبرة الصفراء كانت باينة في كلامها:
“يا حاج، أنا ما قصدتش أهينها والله.. أنا بس كنت بحسبها زي بنتي، وبقول يعني إحنا بقينى أهل وعادي تعمل معانا المواعين، هي اللي أخدت الموضوع على كرامتها وزعلت بسرعة.”
ماما ردت عليها فوراً وبنبرة نارية كانت محبوسة جواها من بدري:
“زي بنتك؟! بنتك اللي كانت قاعدة على الكنبة ماسكة الموبايل ومحدش قالها قومي شيلي طبق؟ ولا زي بنتك اللي كنتِ محوشالها مواعين الصبح عشان هدى تغسلها؟ بنتي متربية في عز، وبنت أصول، ومبتدخلش بيوت الناس عشان تتهان.. لو فاكرة إن ابنك لقطة وهنرضى بالإهانة عشان الجوازة، تبقي غلطانة في العنوان!”
بنت حماتي كانت حاطة عينها في الأرض ومش عارفة ترد، وعمي حسين بص لأم أحمد بقلة صبر وقالها:
“اسكتي خالص يا أم أحمد، إنتي والبت دي! حسابكم معايا في البيت مش هنا.”
وبعدين التفت لبابا وقال:
“يا حاج، أنا عايز أصلح الوضع.. قول طلباتك إيه عشان نعدي الأزمة دي والولاد يرجعوا لبعض؟”
أنا في اللحظة دي وقفت، وبصيت لعمي حسين وبابا، وحسيت بصلابة وقوة جوايا عمري ما حسيت بيها قبل كده. رديت بثبات وصوت مسموع للكل:
“يا عمي حسين.. حضرتك على راسي ومفيش منك أي العيب، بس الجواز مش مجرد راجل كبير بييجي يعتذر عن قلة أدب ابنه. أحمد مش بس سكت، أحمد قالها لي صريحة: ‘ولا كمان هنغسل وراكي؟’، ومسك إيدي بتهديد وقالي مش هترجعي لو مشيتي.. اللي يبعني في أول اختبار ويشوفني خادمة لعيلته، عمره ما هيبني معايا بيت.”
عمي حسين بصلي بصدمة، وقطع كلامنا صوت الموبايل بتاع عمي حسين وهو بيرن.. كان أحمد بيتصل، وعمي حسين فتح المايك بزعل:
“عايز إيه يا أحمد؟”
صوت أحمد طلع من السماعة، بس المرة دي ما كانش زعيق.. كان فيه نبرة غريبة ومكسورة، وقال كلمة واحدة خلت القعدة كلها تتغير في ثانية:
“يا بابا أنزل بسرعة.. المأذون اتصل بيا وقالي إن…”
عمي حسين بص للموبايل بذهول، والصالة كلها سكتت. التفت لجوز أختي وبابا وقال بصوت مرتعش:
“المأذون؟ مأذون إيه يا أحمد اللي بيتصل بيك في وقت زي ده؟”
صوت أحمد كان مهزوز طالع من المايك، وقال بصوت مخنوق:
“يا بابا المأذون اللي كنا متفقين معاه على كتب الكتاب بعد العيد.. اتصل بيسألني عن الأوراق، وأنا.. أنا أغمى عليا في الشارع تحت العمارة والناس ألتفت حولي.”
أول ما أحمد قال كده، حماتي صرخت ولطمت على خدها:
“يا لهوي! ابني! جراله إيه؟!”
عمي حسين قام وقوف ونزل يجري على السلم، ووراه أم أحمد وبنتها وهما بيبكوا وينادوا عليه. محمود أخويا بص لبابا وبصلي، بابا هز رأسه بحزم وقال:
“انزل مع إبراهيم يا محمود، شوف الراجل حصل له إيه.. إحنا ولاد أصول وما بنسيبش حد في الشارع، حتى لو اختلفنا معاه.”
محمود نزل، وبعد كام دقيقة طلع وهو بيتنفس بسرعة وقال:
“مفيش حاجة يا بابا.. ده تمثيلية حقيرة عشان يستعطفنا! أحمد واقف تحت العمارة عادي خالص مع صحابه، وكان مسجل اسم صاحبه على الموبايل باسم ‘المأذون’ وخلاه يتصل بيه قدام أبوه عشان يعمل دراما ويرجعنا في كلامنا!”
ماما شهقت بصدمة:
“يا ساتر يا رب! للدرجة دي؟ بقى بيعمل الحركة دي عشان يضغط على بنتي ويكسر كلمتنا؟”
بابا ضحك ضحكة استخفاف، وكان عينيه مليانة قرف من التصرف الرخيص ده. بصلي وقالي:
“شفتي يا هدى؟ شفتي معدن البن آدم اللي كنتِ هترتبطي بيه؟ الراجل اللي ما يحترمش كلمته، وبيستخدم الحيل المريضة دي عشان يداري على خيبته وقسوة أمه، ده لا يؤمن على بيت ولا على ست.”
في اللحظة دي، سمعنا صوت خبط شديد على الباب تاني. بابا قام بنفسه وفتح الباب، ولقى عمي حسين واقف وشّه أسود من الخجل والكسوف بعد ما اكتشف تمثيلية ابنه تحت، وأحمد واقف وراه وموطي رأسه للأرض.
عمي حسين دخل الشقة ومسك إيد بابا، وكانت عينيه دمعت من الحسرة وقال:
“أنا بعتذر لك يا حاج.. بعتذر لك قدام ربنا وأهل بيتك كلهم. أنا افتكرت إن عندي راجل يسندني، اتضحت إنه عيل بيتحامى في التمثيل والكدب. أنا مش هطلب منك تسامح، أنا جيت أقولك إن بنتك ليها كل الحق، وحقها على راسي.”
التفت عمي حسين لأحمد وزعق فيه بصوت زلزل العمارة:
“ادخل قول كلمتك اللي بجد يا أحمد.. لو فاضل فيك ريحة الرجولة!”
أحمد دخل الخطوة الأولى وهو بيترعش، وبصلي ونظراته كانت متلخبطة بين الغضب والخجل، وقال بصوت جاف:
“أنا.. أنا كنت عايز أصلح الموضوع..”
بابا قاطعه بصرامة وقدم له خطوة واحدة وقاله بصوت قاطع كالحديد:
“تصلح إيه يا أحمد؟ الهيبة اتكسرت، والكرامة اتداست، والكدب بقى منهجك! إنت جايب أهلك وجاي تعمل علينا مسرحية رخيصة تحت العمارة؟”
أحمد بصلي بغل وقال:
“يعني خلاص يا هدى؟ هتهدي كل حاجة عشان موقف في المطبخ ومكالمة؟”
رديت عليه بابتسامة هادية جداً، ابتسامة حد خلاص نضف قلبه من أي أمل كان فاضل:
“الموقف مش موقف المطبخ يا أحمد.. الموقف ده كان المراية اللي ورتني حقيقتك وحقيقة عيلتك. إنت مش راجل تقدر تحميني، إنت راجل بتستقوى عليا قدام أمك، ولما تزنق بتلجأ للكدب والتمثيل.”
أحمد وشه احمرّ وجاه يرفع صوته، بس عمي حسين صرخه فيه وقاله:
“اخرس! مش عايز أسمع صوتك تاني!”
التفت عمي حسين لبابا وقال:
“يا حاج.. أماناتكم وشبكتكم وحاجتكم كلها هتكون عندكوا بكرة الصبح لحد البيت، والجوازة دي ملغية بقرار مني أنا قبل أي حد.”
خرج عمي حسين وسحب أحمد وراه زي الطفل الصغير، وقفلت الباب وراهم. بصيت لبابا وماما ومحمود، وحسيت بكابوس ثقيل انشال من على صدري.. بس الحكاية ما انتهتش عند الباب ده، لأن اللي حصل تاني يوم الصبح كان المفاجأة الأكبر اللي محدش فينا كان يتوقعها خالص…
تاني يوم الصبح، كانت الشمس طالعة صافية وهادية، وكأنها بتغسل قلبي من كل مشاعر الخوف والقهر اللي عشتها. قعدت مع بابا وماما بنشرب الشاي بعد الفجر، والبيت كله كان فيه حالة من الهدوء والسلام اللي افتقدته من فترة طويلة.
الساعة جت عشرة الصبح، وسمعنا جرس الباب بيرن.
محمود قام فتح، ولقينا عمي حسين واقف لوحده، ومعاه شنطة كبيرة ومظروف مقفول. دخل والأسى باين على وشه، قعد مع بابا وسلم عليه باحترام شديد، وحط الشنطة والمظروف على الترابيزة.
عمي حسين بص لبابا وقاله:
“دي الشبكة يا حاج، والمظروف ده فيه قيمة الهدايا والفلوس اللي هدى جابت بيها كنافة وحاجات في الفتورة.. حقكم ومستحقاتكم كاملة لحد عندكوا، ومن غير أي نقص.”
بابا بص للمظروف ورجعه لعمي حسين بهدوء وقاله:
“الشبكة وبنرجعها يا حاج حسين لأن ده حقكم، لكن المظروف ده ما يلزمناش.. بنتي لما دخلت بيتكم بدخلة أصول، ما كانتش بتحسبها بفلوس.”
عمي حسين دمعه نزلت من عينيه، وبصلي وقالي:
“سامحيني يا هدى يا بنتي.. أنا اللي خسرت بجد إنك ما بقيتيش من نصيب ابني. بس ربنا يعلم، أنا إمبارح بالليل عملت اللي كان المفروض يتعمل من زمان.”
كلنا بصيناله باستغراب، فكمل كلامه ونبرته مليانة حزم وألم في نفس الوقت:
“أول ما رجعنا البيت، جمعت أحمد وأمه وأخته. أخدت موبايل أحمد ومسحت رقمك من عنده، وشرطت عليه شرط قاطع: يا إما يتعدل ويروح يدور على شغل تاني بجد ويتحمل مسؤولية نفسه بعيد عن دلع أمه، يا إما ملوش عيشة معايا في البيت.. وأمه وأخته عرفتهم إن التطاول وقوة العين دي هي اللي خربت بيت ابنهم، وإن اللي بيظلم بنات الناس ربنا بيبتليه.”
سكت عمي حسين شوية وبعدين قال المفاجأة اللي أذهلتنا كلنا:



