روايات وقصص

بعدسبع سنين حكايات بسمه

ومافيش وقت كتير.
ثم جاءت جملة جعلت ياسين يرفع عينه نحوي فورًا
لأن الشخص اللي كنت خايف منه سبع سنين عرف إنك لقيت أولادك اتجمدت إيدي فوق الورقة.
مين والد نور الحقيقي؟
بصيت لياسين.
ثم لفريد.
ولا واحد فيهم نطق.
الصوت من خلف الخزنة قال
مش كل حاجة مكتوبة في الأوراق معناها إنها الحقيقة.
ياسين صاح
اظهر!
سمعنا حركة خفيفة.
ثم انفتح جزء صغير في الحائط خلف الخزنة.
فريد اندفع ناحيته، لكن الرجل كان اختفى.
لم يترك وراءه إلا هاتفًا صغيرًا.
ياسين أخذه.
على الشاشة كان فيه فيديو واحد فقط.
ضغط تشغيل.
ظهرت أمي.
كانت جالسة في غرفة أعرفها جيدًا.
غرفة المعيشة في بيتنا القديم.
نظرت للكاميرا وقالت
تارا، لو بتشوفي التسجيل ده، يبقى أنا فشلت في إني أحميك لآخر لحظة.
دموعي نزلت.
أنا آسفة.
توقفت لحظة.
لكن لازم تعرفي حاجة مهمة جدًا.
نظرت خلفها، ثم خفضت صوتها.
نور بنتك وبنت ياسين. مفيش أي شك في ده.
شهقت براحة.
ياسين أغلق عينيه.
أما أمي فأكملت
لكن نور هي الوحيدة من الأطفال الثلاثة اللي كان لها ملف منفصل.
ظهر على الشاشة ملف قديم.
مش لأنها مختلفة عن إخواتها.
ثم قالت
لكن لأن جد ياسين طلب مني أحافظ على حاجة تخصها.
ياسين فتح عينيه.
جدي؟
أمي تابعت
قبل وفاة والد ياسين بفترة، اكتشف إن حد من شركائه كان بيحاول يستخدم أسرار الشركة لمصلحته. وكان محتاج يخفي دليل مهم جدًا.
ظهرت صورة لخزنة صغيرة.
الدليل ده اتحط في مكان محدش هيفكر يدور فيه.
ثم ابتسمت ابتسامة حزينة.
في حاجة تخص نور نفسها.
قلت وأنا مش فاهمة
إيه؟
وكأن أمي سمعتني، رغم إن التسجيل قديم.
قالت
يوم ولادتها، الطبيب وضع سوارًا خاصًا حول معصمها.
ظهر على الشاشة سوار أبيض صغير.
نظرت فورًا إلى نور.
السوار!
ياسين التفت لي.
إيه؟
كان عندها سوار وهي رضيعة.
فريد قال
فين هو؟
بدأت أفتكر.
كنت محتفظة بيه.
فين؟
في بيتنا القديم.
ياسين قال
لازم نرجع.
لكن التسجيل لم ينتهِ.
أمي قالت
السوار مش هو السر.
توقفت.
السر موجود في الرقم المكتوب عليه.
ظهر الرقم على الشاشة.
317.
نظرت إلى المفتاح الموجود في إيد ياسين.
نفس الرقم.
فريد شهق.
الغرفة 317.
ياسين قال
الفندق.
أمي أكملت
والد ياسين استخدم الرقم ده كعلامة للخزنة اللي أخفى فيها الدليل.
ثم اقترب وجهها من الكاميرا.
لكن الشخص اللي كان بيدور على الدليل عرف مكانه.
سكتت لحظة.
ولهذا السبب، تارا، لما اختفيتي ماكانوش بيدوروا عليكِ وحدك.
شعرت ببرودة في أطرافي.
كانوا بيدوروا على السوار.
انتهى التسجيل.
الغرفة غرقَت في الصمت.
ياسين قال
عندك السوار؟
هززت رأسي.
أعتقد.
فريد فتح الباب.
لازم نخرج دلوقتي.
لكن ياسين لم يتحرك.
كان ينظر إلى شاشة الهاتف.
استنوا.
إيه؟
أعاد الفيديو.
ثم أوقفه عند آخر ثانية.
كان هناك انعكاس في زجاج النافذة خلف أمي.
ظل رجل واقف في الخارج.
فريد قرب من الشاشة.
ده
ياسين قال
نفس الرجل اللي شوفناه تحت العمارة.
أنا بصيت للصورة.
ثم فجأة لاحظت شيئًا آخر.
الرجل كان واقفًا بجانب شخص آخر.
امرأة.
وشكلها كان مألوفًا.
قربت وجهي من الشاشة.
دي مش ممكن
ياسين سأل
تعرفيها؟
قلت بصوت مرتجف
أيوه.
مين؟
بصيت له.
الممرضة اللي كانت معايا يوم ولادة الأطفال.
فريد قال
لكن دي كانت اختفت بعد الولادة مباشرة.
ياسين فتح الباب.
إذن هنلاقيها.
لكن قبل ما نخرج، وصل إشعار على الهاتف.
رسالة جديدة.
فتحتها.
كانت صورة.
الصورة حديثة.
مش قديمة.
وكانت لبيتي.
ومن نافذة غرفتي ظهر أنا والأطفال الثلاثة.
وتحت الصورة جملة واحدة
لو عايزة تعرفي مين خبّى السوار سبع سنين تعالي لوحدك.
رفعت عيني لياسين.
مش هروح لوحدي.
ابتسم ابتسامة قصيرة.
وأنا مش هسيبك تروحي لوحدك.
وفي اللحظة نفسها، رن هاتف فريد.
رد.
سكت لثوانٍ.
ثم قال
إيه؟
وجهه تغير.
ياسين سأله
مين؟
فريد أغلق المكالمة ببطء.
الحارس اتصل.
وبيقول إيه؟
فريد نظر إلينا.
حد دخل بيت تارا.
ثم أضاف
واللي دخل كان بيدور على حاجة واحدة بس.
إيه؟
السوار تجمد ياسين مكانه.
كان باصص للباب كأنه بيحاول يقنع نفسه إن اللي سمعه مستحيل.
ثم قال بصوت مرتعش
أبويا مات.
جاء الرد من الخارج فورًا
مات في نظر الناس بس.
أنا حسيت بقشعريرة في جسمي.
فريد اقترب من ياسين وهمس
متفتحش.
لكن ياسين لم يسمعه.
اتقدم ناحية الباب.
لو أنت فعلًا أبويا قول حاجة محدش يعرفها غيري.
ساد الصمت.
ثواني.
ثم جاء الصوت
يوم ما كنت عندك عشر سنين، وقعت من فوق شجرة الليمون في بيتنا القديم. اتكسرت إيدك، ولما الدكتور سألك مين وقعك قلت له إن فريد هو اللي زقك.
فريد شهق.
ياسين أغلق عينيه.
أبويا
صوته خرج ضعيفًا.
أنا مسكته من ذراعه.
استنى.
لكن الرجل خلف الباب قال
تارا إنتِ كمان عندك حق تسألي.
قلت
مين اللي كان بيراقب أولادي؟
مش أنا.
مين؟
الشخص اللي وثقتِ فيه يوم ولادتهم.
قلبي انقبض.
أنا ما وثقتش غير في ناس قليلة.
بالضبط.
فريد نظر لياسين.
ثم قال
لازم نعرف مين كان عندك في المستشفى.
ياسين فتح الملف بسرعة.
بدأ يقلب الصفحات.
ثم توقف.
الدكتور.
قلت
أنهي دكتور؟
الدكتور اللي تابع حملك.
رفعت رأسي.
وفجأة افتكرت.
كان طبيبًا مشهورًا، وياسين هو اللي رشحه لي.
طبيب قال وقتها إن الحمل طبيعي وإن كل شيء تحت السيطرة.
لكن قبل الولادة بأيام، طلب مني أروح المستشفى فورًا.
والغريب
إنني لم أتذكر اسمه طوال السنين.
فريد أخذ الورقة.
قرأ الاسم.
ثم تغير وجهه.
مستحيل.
إيه؟
الدكتور ده اختفى من مصر قبل سبع سنين.
ياسين سأله
اختفى ليه؟
لأنه كان متورط في قضية تزوير ملفات طبية.
حسيت برجفة.
يعني هو اللي بدّل ملف نور؟
فريد هز رأسه.
ممكن.
جاء صوت الرجل خلف الباب
مش هو.
سكتنا جميعًا.
ياسين قال
إذن مين؟
رد الرجل
الشخص اللي أعطى الطبيب التعليمات.
أنا قربت من الباب.
مين؟
قال
أمكِ.
تجمدت.
أمي؟
ياسين بص لي بدهشة.
والدتك كانت تعرف؟
هززت رأسي.
مستحيل.
كنت أعرف أمي.
أو هكذا كنت أظن.
أمي ماتت قبل أربع سنوات، بعد مرض قصير.
وكانت آخر مرة شفتها فيها قبل سفري للعمل خارج القاهرة.
لكن لو كانت تعرف
فلماذا لم تخبرني؟
وفجأة، تذكرت شيئًا.
قبل اختفائي بأسبوع، اتصلت بي أمي وقالت جملة غريبة
لو حصل أي حاجة، متثقيش في أي ورقة فيها اسم نور.
وقتها ظننت أنها كانت خائفة بسبب مضاعفات الحمل.
لكن الآن
بدأت الجملة تأخذ معنى آخر.
قلت
أمي كانت عارفة.
ياسين قرب مني.
عارفة إيه؟
حاجة عن نور.
فريد قال
لازم نطلع من هنا.
لكن قبل ما يتحرك، الباب اهتز بعنف.
ضربة واحدة.
ثم ثانية.
الرجل في الخارج قال
الوقت خلص.
ياسين أشار لنا نتراجع.
ثم سمعنا صوت مفتاح يدخل في القفل.
فريد اتوتر.
هو معاه مفتاح.
الباب بدأ يفتح.
ياسين وقف أمامي.
لكن الرجل لم يدخل.
فقط مد يده من فتحة الباب، ووضع ظرفًا على الأرض.
ثم أغلق الباب مرة أخرى.
ياسين التقط الظرف.
كان مكتوبًا عليه
إلى تارا فقط.
فتحت الظرف بيدين مرتعشتين.
كان بداخله خطاب.
خط أمي.
عرفته فورًا.
بدأت أقرأ
تارا، لو وصلتك الرسالة دي، يبقى أنا ماقدرتش أقولك الحقيقة بنفسي.
توقفت.
دموعي نزلت.
وأكملت
أنا عارفة إنك هتسألي ليه أخفيت عنك بعض التفاصيل. والسبب إن الشخص اللي كان بيهددك مش كان عايز أولادك كلهم.
نظرت إلى نور.
كان عايز نور تحديدًا.
شهقت.
لكن اللي مش هتعرفيه غير لما تكبري وتفهمي، إن نور لم تكن مجرد طفلة يبحث عنها أحد.
قلبي بدأ يخبط.
قلبت الصفحة.
كان هناك سطر واحد فقط
نور تحمل سرًا تركه جد ياسين قبل موته.
رفعت عيني ببطء.
ياسين قال
كملي.
قلبت الصفحة الأخيرة.
لكن قبل أن أقرأها، انطفأت شاشة الجهاز.
ثم سمعنا صوتًا من داخل الغرفة نفسها.
صوت لم يكن من خلف الباب.
كان قريبًا جدًا منا.
متقريش الصفحة الأخيرة يا تارا.
استدرت بسرعة.
فريد رفع رأسه.
ياسين وقف بجانبي.
لكن لم يكن هناك أحد.
ثم جاء الصوت مرة أخرى
من خلف الخزنة.
لأنك لو قريتيها هتعرفي مين والد نور الحقيقي رجعنا العمارة بأقصى سرعة.
طول الطريق، كنت ماسكة إيد نور في خيالي رغم إنها كانت عند أمينة، وكل ثانية كانت بتعدّي كأنها ساعة.
أول ما وصلنا، لقيت باب شقتي مفتوح.
دخل ياسين قبلي.
كل حاجة كانت مقلوبة.
الأدراج مفتوحة، الملابس مرمية، والكتب على الأرض.
لكن الغريب
إن اللص ما لمسش أي حاجة غالية.
لا دهب.
لا فلوس.
لا أجهزة.
كان بيدور على حاجة محددة.
دخلت غرفتي.
فتحت الدولاب الصغير اللي كنت مخبية فيه صندوق ذكريات الأطفال.
كان مفتوحًا.
الصندوق مقلوب.
وكل الصور مبعثرة.
أخذت نفسًا مرتجفًا.
السوار كان هنا.
ياسين قال
متأكدة؟
أيوه.
جلست على الأرض وبدأت أقلب الصور.
صور أول حمام.
أول ضحكة.
أول عيد ميلاد.
لكن السوار لم يكن موجودًا.
فجأة قالت أمينة من خلفنا
تارا
التفت.
كانت ماسكة صورة.
دي وقعت من تحت السرير.
أخذتها.
كانت صورة لأولادي وهم رُضّع.
لكن في خلفيتها شيء لم أنتبه له من قبل.
سوار أبيض صغير.
وبجواره الرقم
317.
قلت
دي مش الصورة اللي كنت محتفظة بيها.
ياسين أخذها.
حد صورها من قريب.
فريد قرب من الصورة.
استنوا.
أشار إلى طرف الصورة.
كان فيه انعكاس زجاج.
وفي الانعكاس ظهر جزء من شخص واقف.
نفس المعطف الأسود.
نفس الرجل.
قلت
هو كان موجود وقتها؟
فريد قال
أيوه.
ياسين نظر إليه.
إنت عارفه؟
فريد سكت.
ثم قال
أكتر مما تتخيل.

مين؟
فريد أخذ نفسًا.
اسمه سامح.
ياسين عقد حاجبيه.
سامح مين؟
سامح الديب.
الاسم جعل ياسين يسكت.
قلت
مين ده؟
فريد رد
شريك والدك القديم.
ياسين قال
لكن والدي قال إنه مات من زمان.
فريد هز رأسه.
هو اللي خلانا نفتكر كده.
سكتنا.
ثم قال
سامح كان مسؤول عن جزء حساس جدًا من الشركة. ولما اكتشف إن والدك عايز يخرج من الصفقة، حاول يضغط عليه.
ياسين سأله
وإيه علاقة الأطفال؟
فريد قال
لأن والدك اكتشف إن سامح كان بيستخدم بيانات طبية لأشخاص قريبين من الشركة.
اتسعت عيني.
بيانات طبية؟
أيوه.
ياسين فهم فجأة.
ملفات الحمل.
فريد أومأ.
بالضبط.
جلست على طرف السرير.
كل حاجة بدأت تركب في بعضها.
الطبيب.
المستشفى.
تغيير ملف نور.
السوار.
الغرفة 317.
سامح.
لكن بقي سؤال واحد.
ليه نور؟
فريد لم يجب.
ياسين بص إليه.
لازم تقول.
فريد قال
لأن نور اتولدت في نفس اليوم اللي والدك كان بيحاول يهرب فيه بملف مهم.
ملف إيه؟
ملف فيه أسماء الأشخاص اللي كانوا بيبيعوا معلومات سرية.
ثم نظر إلي.
والدك خبّى الملف داخل سوار نور.
شهقت.
جوه السوار؟
هز رأسه.
السوار كان فيه شريحة صغيرة جدًا.
ياسين قال
يعني السوار نفسه كان مجرد وسيلة لإخفاء البيانات؟
أيوه.
نظرت إلى صورة نور.
وأنا كنت فاكرة إنه مجرد سوار مستشفى.
فريد قال
وكان لازم تفضلي فاكرة كده.
فجأة، سمعنا صوت سيارة تتوقف تحت العمارة.
ثم صوت أمينة من الصالة
تارا!
خرجنا بسرعة.
أمينة كانت واقفة عند الشباك.
فيه عربية وقفت.
ياسين بص لتحت.
سامح.
الرجل كان واقف بجانب السيارة.
لكنه لم يكن وحده.
كانت بجانبه امرأة.
تقدمت المرأة خطوة، ورفعت رأسها نحو شقتي.
عرفتها فورًا.
الممرضة.
اللي كانت موجودة يوم ولادة الأطفال.
تجمدت.
ديهي.
ياسين قال
متفتحيش الباب.
لكن المرأة رفعت هاتفها.
وبعد ثوانٍ، وصلني اتصال.
رقم مجهول.
رديت.
ألو؟
صوتها كان هادئًا.
تارا أنا عارفة إنك عايزة تعرفي الحقيقة.
قلت
فين السوار؟
ضحكت بهدوء.
معايا.
قلبي وقع.
إنتِ اللي أخدتيه؟
لأ.
سكتت.
أنا اللي خبّيته.
فين؟
في مكان ما حدش يقدر يوصل له.
ليه؟
قالت جملة خلتني أرتعش
لأن أم ياسين كانت بتدور عليه عشان تسلمه لسامح.
نظرت إلى أم ياسين.
كانت واقفة بعيدًا، ووجهها شاحب.
ياسين سألني
مين؟
قلت
الممرضة.
سمع صوتها.
ثم قالت
ياسين لو عايز تشوف السوار، تعالى لوحدك.
قلت فورًا
لأ.
لكنها ردت
تارا، اسمعيني.
إيه؟
السوار مش أهم حاجة.
سكتت لحظة.
الأهم إنني أعرف مين اللي بدّل سوار نور يوم الولادة.
بصيت لياسين.
ثم سألت
مين؟
صوتها انخفض
والدتك.
أم ياسين أغمضت عينيها.
وياسين استدار إليها ببطء.
لكن قبل أن ينطق، قالت الممرضة
وهي ما كانتش لوحدها.
ثم أغلقت الخط.
ساد الصمت.
ياسين نظر لأمه.
كنتِ مع مين يوم ولادة نور؟
أم ياسين لم ترد.
اقترب منها.
ماما كنتِ مع مين؟
رفعت عينيها إليه.
وبصوت مكسور قالت
مع الشخص اللي كان لازم أحميكم منه.
ثم سمعنا طرقًا على الباب.
ثلاث طرق.
وبعدها صوت رجل من الخارج
ياسين افتح.
كان صوت سامح.
لكن المفاجأة
إن صوتًا آخر جاء من خلفه.
صوت رجل مسن.
وأنا كمان يا ابني.
ياسين تجمد.
لأن الصوت الثاني
كان صوت والده لم أكن أعرف أيهما أخطر
سامح الواقف خلف الباب
أم الصوت الذي لم يكن من المفترض أن أسمعه مرة أخرى.
ياسين ظل واقفًا مكانه، ووشه شاحب.
ثم قال
افتحوا.
فريد أمسك ذراعه.
استنى.
لكن الباب اتفتح من نفسه.
دخل رجل مسن ببطء.
كان يشبه والد ياسين بشكل لا يُصدق.
لكن ياسين ظل يحدق فيهدون أن يتحرك.
الرجل قال
كبرت يا ابني.
ياسين همس
أنت؟
الرجل ابتسم.
أنا أبوك.
لم أستطع الكلام.
أم ياسين كانت تبكي.
وفريد وقف بعيدًا وكأنه كان يعرف كل شيء.
جلس الرجل، ثم قال
أنا ما متش. زيفنا وفاتي لأن سامح كان بيحاول يقتلني بسبب الملف.
نظر إلى نور.
ولما اتولدت، عرفت إن السوار اللي في إيدها هو المكان الوحيد الآمن لإخفاء الدليل.
ياسين قال
وإنت خليت أمي تخدع تارا؟
هز رأسه.
غلطنا.
ثم نظر إليّ.
كان لازم نخبرك بالحقيقة.
قلت بغضب
كان ممكن أموت وأنا بهرب بأولادي!
خفض عينيه.
عارف.
ساد الصمت.
ثم أخرج السوار من جيبه.
السوار الذي اختفى منذ سبع سنوات.
وضعه أمامي.
ده حقك.
أخذته بيد مرتعشة.
لكن قبل أن أقول شيئًا، دخل سامح.
فريد وقف أمامه.
انتهى كل شيء يا سامح.
سامح ابتسم.
لأ.
ثم نظر إلى ياسين.
الملف معايا.
ياسين قال
والملف الحقيقي عندي.
وأخرج الفلاش ميموري.
تغير وجه سامح.
في تلك اللحظة فهمت.
كل ما حدث خلال سبع سنوات كان سباقًا على دليل.
وليس على أطفالي.
أو هكذا ظننت.
سامح اندفع ناحية ياسين، لكن فريد أمسكه.
وبعد دقائق، وصلت الشرطة التي كان ياسين قد اتصل بها قبل فتح الباب.
تم القبض على سامح، ومعه الأدلة التي كشفت شبكة التلاعب بالملفات والابتزاز.
أما أم ياسين، فاعترفت بكل شيء.
اعترفت إنها أخبرتني بكذبة جعلتني أهرب، لأنها كانت تخشى أن يصل سامح إلى الأطفال.
لكنها أخطأت.
أخطأت لما حرمت ياسين من أولاده.
وأخطأت لما جعلتني أعيش سبع سنوات وأنا أعتقد أنني كنت وحدي.
أما والد ياسين، فظهر أمام القضاء بكل ما لديه من أدلة، وانتهت السنوات الطويلة من الاختباء.
بعد أيام، رجعت للبيت.
وقفت أمام الباب.
كان ياسين واقفًا في الجهة المقابلةمن الشارع.
لكن هذه المرة لم يكن غريبًا.
كان أبًا يرى أولاده لأول مرة كما ينبغي.
آدم خرج إليه.
ثم ليان.
ثم نور.
ياسين انحنى أمامهم.
ظل للحظات لا يعرف ماذا يقول.
ثم قال
أنا آسف إني اتأخرت عليكم.
نور حضنته.
ليان ضحكت.
أما آدم فقال بمنتهى الجدية
بس إحنا زعلانين منك شوية.
ضحك ياسين لأول مرة من قلبه.
تستاهلوا كل حق تزعلوا مني عشانه.
وقفت بعيدًا وأنا أراقبهم.
ثم اقترب مني.
تارا.
نظرت إليه.
نعم؟
أنا مش هطلب منك ترجعيلي.
سكت.
ولا هطلب منك تنسي السبع سنين.
ثم أضاف
أنا بس عايز فرصة أكون أب لأولادي ولو يوم بيوم.
نظرت إلى آدم وليان ونور.
ثم قلت
الأطفال مش جايين يعوضوا اللي ضاع.
هز رأسه.
عارف.
وإحنا مش هنرجع زي زمان.
عارف.
ولو في يوم رجعنا نتكلم عننا هيكون بعد ما نصلح اللي اتكسر.
ابتسم.
موافق.
مرّت شهور.
الأطفال بدأوا يقضوا وقتًا مع والدهم، لكن بيتنا ظل بيتهم الأساسي.
وياسين لم يعد الرجل الذي يرسل الهدايا بدل وجوده.
بقى يحضر مباريات آدم.
ويقرأ مع ليان.
ويترك نور تختار له ربطة العنق التي يلبسها في الاجتماعات.
أما أنا
فبدأت حياتي من جديد.
افتتحت مكتب التصميم الذي حلمت به وأنا في الثامنة والعشرين.
وفي يوم افتتاحه، دخل ياسين ومعه الأطفال.
قدم لي باقة ورد صغيرة.
وقال
المرة دي جاي بنفسي من غير مساعد، ومن غير اجتماع طارئ.
ضحكت رغمًا عني.
وبصيت لأولادي الثلاثة.
كانوا بيضحكوا مع بعض.
وقتها فهمت إن السبع سنين ما كانتش النهاية.
كانت مجرد الطريق الطويل اللي رجعنا في آخره للحقيقة.
أما العمارة التي اشتراها ياسين أمام بيتي؟
لم يعد يسكن فيها وحده.
حوّل الدور الأرضي إلى مقر لمؤسسة خيرية لحماية الأطفال وحقوقهم.
أما الطابق الذي كانمكتبه فيه
فتركه لي.
وقال
عشان كل مرة تبصي من الشباك، تفتكري إنك مش هربتي من حياتك
إنتِ أنقذتيها.
وفي المساء، وقفت أمام النافذة.
نظرت للشارع.
ياسين كان واقفًا مع أولاده الثلاثة.
رفع عينه لي.
ابتسم.
وأنا ابتسمت.
لأول مرة منذ سبع سنين
لم أحتج أن أخفي شيئًا.
لأن الحقيقة أخيرًا خرجت للنور.

مقالات ذات صلة

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى