روايات وقصص

حكايات ميرا

كنت واثقة فيه أكتر مما ينبغي.
انقبض قلبي، وتجمّد الدم في عروقي.
​الصوت لم يكن سوى صوت كريم… زوجي!
​كان واقفًا فوقي تمامًا، يمسك بيده حقيبة صغيرة، ويمدّ يده الأخرى ليمنعني من إضاءة الأباجورة. لكن المفاجأة الأكبر لم تكن في وجوده هناك… بل في الرجل الآخر الذي كان يتبعه ويتسلل من الباب في ذات اللحظة.
​رجل غريب، طويل القامة، ملابسه رثة، وعيناه معلقتان بـ “سونيا” الواقفة في ظلام الطرقة.
​همس كريم مجددًا، لكن هذه المرة وجه كلامه للرجل الغريب بصوت خفيض ملؤه التوتر:
— قلت لك لا تتحرك إلا لما أعطيك الإشارة!
​سقطت عني حالة الذهول، وقَفزت من السرير مفزوعة. صرخت بكل ما أوتيت من قوة وأنا أدفع كريم بعيدًا وأركض نحو ابنتي:
— سونيا! تعالي هنا!
​لكن سونيا لم تتحرك. ظلت واقفة، تنظر إلى كريم والرجل الغريب بهدوء مرعب، ثم قالت بصوت جاف لا يناسب طفلة في الثامنة:
— يا ماما… بابا هو اللي بيدخّله كل ليلة.
​توقفت قدمي في منتصف الطريق. التفتُّ إلى كريم وأنا أعصر نفسي لأفهم ما يحدث. كانت يداه ترتجف وهو يحاول إخفاء الحقيبة والمعدن اللامع الذي اتضح أنه مفتاح لغرفة التخزين القديمة في أسفل البيت.
​بدأ كريم يتلعثم، وعيناه تنتقلان بيني وبين الرجل الغريب:
— أنتِ فاهمة غلط يا سارة… هذا… هذا الدكتور عادل.
​— دكتور؟! يتسلل لغرفة ابنتنا في الواحدة صباحًا؟!
​تقدم الرجل الغريب خطوة إلى الأمام، وأخرج من جيبه بطاقة هوية ورقية رفعتُ أباجورة الطرقة لأراها. كان بالفعل طبيبًا نفسيًا، لكنه قال بنبرة هادئة ومربكة:
— يا مدام… زوجك لم يكن يهرّب غريبًا للبيت. زوجك كان يحضرني هنا سِرًا كل ليلة لأن سونيا تعاني من اضطراب سير النوم والسير أثناء النوم القهري الحاد، وكانت تحاول الخروج من البيت في هذا الوقت.
​صمت الطبيب لحظة، ثم أردف وهو ينظر لكريم بكلام أشد قسوة:
— لكن كريم كان يرفض علاجها في مصحة، وكان يصرّ على إعطائها مهدئات قوية بدون إشراف طبي… مهدئات هي السبب في الهالات والتعب الذي ترينه عليها!
​نظرت إلى كريم، الذي أطرق رأسه في الأرض عاجزًا عن الدفاع عن نفسه. الكيس البلاستيكي كان يحتوي على جرعات المهدئ، والأكمام الطويلة كانت تُخفي آثار الأجهزة الطبية التي كان يستعملها للسيطرة على حركتها ليلاً دون علمي.
​في تلك اللحظة، رفعت سونيا رأسها وابتسمت ابتسامة باهتة وخالية من أي مشاعر، وقالت لي:
— بس يا ماما… بابا ما كانش بيعمل كده عشان يحميني… هو كان بيعمل كده عشان ما اكتشفش السِر اللي في غرفة التخزين تحت.

صمتُّ. كأن الهواء سُحب فجأة من الأوضة.
​التفتُّ لكريم. كان وجهه شاحبًا كالموتى، يداه ترتجفان بشكل هستيري، والمفتاح المعدني في يده يتخبط في الكيس البلاستيكي بصوت طنين خفيف يُحدث ثقبًا في رأسي.
​— سر إيه يا سونيا؟ — سألتُ بصوت خافض، وأنا باخد خطوة بطيئة ناحية بنتي، عيني مش بتفارق كريم.
​كريم صرخ فجأة بنبرة توسل مرعوبة:
— سارة! ما تسمعيش كلامها! المهدئات مخلية مخها يتهيأ له حاجات مش موجودة! صدقيني أنا بعمل كل ده عشانكم!
​لكن الدكتور عادل ما تحركش من مكانه. كان بيبص لكريم بنظرة شك عميقة، وكأنه هو كمان بيستوعب إن فيه حاجة غلط بكتير عن اللي كريم حكاه له لما طلب مساعدته.
​سونيا رفعت إيدها الصغيرة، وشاورت بأصبعها على باب الطرقة اللي بيؤدي للسلم النازل لغرفة التخزين تحت الأرض.
​— بابا كل ليلة بياخدني أقف جنبه هناك… عشان أسمع الخبط اللي ورا الباب المقفول. كان بيقول لي: “لو حكيتي لماما، اللي جوه هيطلع وياخدها.”
​في اللحظة دي، مابقتش حاسة بجسمي. الخوف التحول لشيء تاني خالص… طاقة غضب وعصبية عمياء.
​جريت على كريم وضربت إيده بكل قوتي. المفتاح وقع على الأرض برنة معدنية حادة هزت البيت. رفعت المفتاح من على الأرض وأنا بلهث، وبصيت لكريم وقُلت له بصوت قاطع زي السيف:
— لو قربت مني أو من سونيا… هقتلك.
​كريم حاول يمسك إيدي وهو بيبكي:
— بلاش تفتحي الباب ده يا سارة! أرجوكي! أنتِ مش فاهمة أنا استمت في الحفاظ على البيت ده إزاي!
​ما ردتش عليه. أخدت سونيا في حضني، وبصيت للدكتور عادل وقُلت له:
— انزل معايا.
​نزلنا السلم ببطء. الضلمة تحت كانت تقيلة، وريحة الرطوبة والعفن مالية المكان. وقفنا قُدام باب غرفة التخزين الخشبي القديم. الباب اللي كان طول عمره مقفول بقفل صدئ، وكنت فاكرة إن مفتاحه ضايع من سنين.
​حطيت المفتاح في القفل.
​لفّ القفل بصوت تكتكة جافة.
​فتحت الباب ببطء… والضوء الخفيف بتاع كشاف الموبايل دخل جوه.
​ما كانش فيه وحش. ولا كان فيه مجرم مستخبي.
​اللي كان جوه… كان صندوق حديدي كبير مفتوح، وجنبه أوراق، ملفات طبية، وشهادات ميلاد قديمة متغطية بالتراب.
​مسكت أول ملف وفتحتُه تحت ضوء الموبايل.
​كانت شهادة ميلاد طفلة… باسم “سونيا”.
​لكن تاريخ الميلاد مكتوب فيه: 2012.
​تجمّدت في مكاني. سونيا بنتي مولودة في 2018!
​نزلت عيني على الملف اللي تحته… كان فيه تقرير طبي صادر من مستشفى مجاور، وفيه صور لطفلة شبه سونيا تمامًا، وتحتها مكتوب بخط أحمر عريض:
​”وفاة الطفلة سونيا كريم… إثر حادث أليم.”
​اتلفتّ بذهول صامت ناحية السلم. كريم كان واقف فوق على أول الدرج، الدموع نازلة على خدوده، وقال وهو بيهز رأسه بيأس:
​— سونيا الحقيقية ماتت من ست سنين يا سارة… وأنتِ جالك انهيار عصبي وفقدتِ الذاكرة وما استحملتيش الصدمة… والبنت اللي معاكِ فوق دي… أنا أخدتها من دار أيتام عشان أعيّشك في الوهم وأحميكِ من الجنون… بس هي بدأت تكتشف الحقيقة.
سقط الملف من إيدي على الأرض الترابية.
​الدنيا لفت بيا، وكأن الأرض بتتسحب من تحت رجلي. بصيت لشهادة الميلاد، وبعدين بصيت لسونيا اللي كانت واقفة جنب الدكتور عادل على السلم.
​كانت بتبص لي بذهول… عينيها الواسعة كانت بتتحرك بيني وبين الأوراق، وشفايفها بترتجف. الطفلة اللي كنت فاكرة إنها بتخبي سر مرعب، اتضح إنها هي نفسها السر… مجرد ضحية ثانية للوهم اللي بناه كريم.
​— أنت كداب… — صوتي خرج مكسور، متقطع. — أنت كداب يا كريم!
​كريم نزل السلم ببطء، دراعاته مفتوحة بقلة حيلة، والدموع مغرّقة وشه:
— سارة، صدقيني! لما سونيا الأولى ماتت، أنتِ دخلتي في غيبوبة نفسيّة.. الدكاترة قالوا لي إن عودة وعيك مرهونة بوجودها. ما لقيتش حل تاني! أخدت “نور” من دار الأيتام، غيرت أوراقها، وعشت معاكم ست سنين في كذبة عشان أنقذ حياتك!
​التفتُّ لسونيا… أو “نور”.
​الطفلة قربت مني بخطوات خايفة، أكمام بيجامتها الطويلة مسكوا في طرف إيدي، وقالت بصوت بيعيط لأول مرة:
— أنتِ ماما… صح؟ هو بيكدب يا ماما… أنا سونيا! أنا بنتك!
​مسكتها في حضني بكل قوتي. في اللحظة دي، ما كانش يفرق معايا DNA ولا شهادات ميلاد. البنت دي هي اللي ربّيتها، هي اللي سهرت جنبها لما سخنت، وهي اللي ضحكت في بيتي ست سنين.
​الدكتور عادل اتدخل بصوت صارم وهو بيطلع موبايله:
— اللي بيحصل هنا جريمة كاملة الأركان. تزوير، خطف، وتخدير طفلة قصيرة القامة بمهدئات بدون إشراف طبي! أنا هبلغ الشرطة فورًا.
​كريم صرخ:
— استنى! أنا ما خطفتهاش! أنا تبنيتها بشرع وبأوراق… بس غيّرت هويتها عشان سارة!
​في وسط الصراخ والدوشة، سونيا شدّتني من بيجامتي، وواجهتني بعينيها الصافية. مسحت دموعها وقالت بنبرة فيها نضج غريب:
— يا ماما… أنا كنت عارفة إن فيه حاجة غلط. عشان كده كنت بصحى بالليل وأدور. أنا شفت الصور دي قبل كده… بس أنا مش زعلانة. أنا مش عايزة أرجع الدار… أنا عايزة أفضل معاكِ أنتِ بس.
​الكلمة دي قطعت قلبي، وفي نفس الوقت رجّعت لي عقلي.
​بصيت لكريم وقُلت له بجمود تام:
— أنت مش بتحمينا يا كريم… أنت كنت بتحمي نفسك من الخوف والمواجهة. حبستنا كلنا في سجّنك.
​صوت سرينات عربيات الشرطة بدأ يظهر من بعيد… الدكتور عادل كان أسرع منا جميعًا.
​بعد ستة أشهر…
​البيت القديم اتباع.
​كريم قضى عقوبة مخففة مع مراعاة حالته النفسية وتكفُّله بالطفلة، لكن القاضي حظر عليه الاقتراب منا. وبفضل مساعدة قانونية ودعم نفسي مكثف، أوراق التبني العادية اتصححت، وبقت “نور” ابنتي رسميًا وقانونيًا… مش بديلة لـ سونيا، بل طفلة جديدة ليها كيانها وحبها الخاص.
​في ليلة دافية، دخلت أوضة نور عشان أطمن عليها.
​كانت نايمة بهدوء، من غير هالات سودة، ومن غير أكمام طويلة.
​قربت منها وغطيتها، ولما جيت أخرج، سمعت صوتها الدافئ من تحت الغطا:
— تصبحي على خير يا ماما.
​ابتسمت، ولأول مرة من سنين… قفلت الباب ورايا وأنا حاسة بالأمان.

مقالات ذات صلة

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى