
طاهر مقدرش ينام ليلتها. فضل يتقلب في السرير، وعينه على السقف. الكلام كان بيتردد في ودنه زي صوت القطر. “المزور”.. “النهب”.. “الست لما ميبقاش عندها حاجة تخاف عليها”.كان يسأل نفسه: “البت دي جابت الجبروت ده منين؟ دي كانت بتبكي لو صوتي علي!” مكنش فاهم إن الظلم المستمر بيموت الخوف في القلوب، ومبيفضلش غير الرغبة في رد الاعتبار.
-
حكايات ميرامنذ 15 دقيقة
-
الورث 2 حكايات رومانى مكرممنذ 18 دقيقة
-
الورث حكايات رومانى مكرم 1منذ 18 دقيقة
-
جوزى 1منذ ساعتين
الصبح طلع، وطاهر نزل المحل ووشه أصفر ومخطوف. محمود أخوه الكبير شافه بالمنظر ده، قعد جنبه وقاله: “مالك يا طاهر؟ وشك مقلوب ليه؟ البت نكدت عليك عاد؟ ما قولتلك من الأول، اللي تمد إيدها على مال جوزها وتسرقه متعمرش.”
طاهر حس بغصة في حلقه. لقى نفسه مش قادر يجاري أخوه في الكدبة اللي هو نفسه ألفها. بلع ريقه وقال بصوت مكتوم: “لا يا محمود.. مفيش حاجة، مريم قايمة بالبيت وزيادة.. الظاهر بس أنا اللي مضغوط في الشغل.” محمود بصله باستغراب وسكت.
مر أسبوع، ومريم مكنتش بتتكلم. بتطبخ، وتنظف، وتهتم بالواد، بس وجودها في البيت كان زي الطيف.. هدوء يسبق العاصفة. وطاهر كان عايش في رعب الأيام اللي بتجري من مهلة الشهر.
في يوم الجمعة، الحاجة توحيدة، أمه، عزمت العيلة كلها عندها في الدوار الكبير. طاهر ومريم راحوا، وأول ما مريم دخلت، زوجات إخوات طاهر لووا بوزهم، وأمه قعدت تربع في قعدتها وبصت لمريم بقرف وقالت: “أهو الهانم شرفت.. اطلعي يا مريم مع الحريم في المطبخ ساعديهم، ولا إنتي جاية تقعدي هانم ورجلك فوق رجل؟”
مريم ماردتش، ابتسمت بهدوء وقامت عشان تدخل المطبخ.
طاهر، اللي كان قاعد وعينه على مريم، شاف نظرة التحدي في عينها قبل ما تدير وشها. افتكر الوعيد والورق والفضايح وسط السوق. جسمه كله اتنفض، وحس إن اللحظة دي هي اللي هتحدد مصيره.
وقف في وسط المضيفة، وقدام أمه وإخوته كلهم، وقال بصوت عالي حاد: “استني يا مريم.. مفيش دخول مطبخ، ومفيش حد هنا يكلم مراتي بالنبرة دي واصل!”
المضيفة كلها سكتت. الحاجة توحيدة نزلت رجلها من على الكنبة وبصت لابنها بذهول: “وعال! أنت بتعلي صوتك في بيتي وعشان مين؟ عشان اللي…”
طاهر قاطعها وقلبه بيموت من الخوف بس مكنش قدامه حل تاني: “عشان مراتي وست بيتي يا أماه! أنا سكت كتير، بس لحد هنا وخلصت. مريم ممدتش إيدها على حاجة، ولا عمرها كانت نكدية ولا مهملة.. الشيطان هو اللي كان عا ميني، وأنا اللي كنت بتبلى عليها لما كنا بنختلف، عشان أبان أنا الراجل اللي مفيش منه!”
محمود أخوه وقف وزعق: “أنت بتقول إيه يا طاهر؟ أنت اتهبلت؟ أنت مش جيت بكيت لأبوها وقرطستنا كلنا؟”
طاهر بص في الأرض وقال بنبرة مكسورة حقيقية: “كنت غلطان.. وربنا يحاسبني على كل كلمة ظلم قولتها في حقها. مريم ست أصيلة، واستحملت طبعي وحمقي، والكل لازم يعرف إنها طاهرة وشريفة وضفرها برقبة أي حد يلقح عليها كلمة.”
الحاجة توحيدة وشها جاب ألوان، وبصت لمريم اللي كانت واقفة عند باب المطبخ، ملامحها هادية، مفيش على وشها غير نظرة نصر باردة وصامتة.
بعدها بساعتين، كان طاهر ومريم في العربية راجعين على بيت أبوها.طاهر كان سايق وإيديه بترتعش على الدريكسيون. بص لمريم وقال بصوت مخنوق: “أهو.. قولت قدام أهلي كلهم وكسرت كلمتي وكلمة أمي في الأرض.. ارتحتي عاد؟”
مريم مبصتلوش، كانت بتبص من الشباك على الغيطان اللي بتجري، وقالت ببرود: “ده نص الحق يا ابن علوان.. فاضل النص التاني.. أبويا.”
وصلوا بيت مرزوق. الراجل العجوز فتح الباب وهو مستغرب من جيتهم من غير ميعاد. طاهر دخل، والمكان كان ضيق، بس في عين طاهر ليلتها كان أضيق من خرم الإبرة.
أبو مريم قال بقلق: “خير يا ولدي؟ في حاجة تانية حصلت؟”
طاهر، وعينه في الأرض، قدم خطوتين، ومسك إيد الراجل العجوز وباسها، وبعدين وطى راسه وباس على رأسه قدام خيلان مريم اللي كانوا قاعدين بالصدفة.
طاهر قال بصوت مسموع: “سامحني يا عم مرزوق.. أنا جيت لحد بيتك أهو وبقولك بنتك ست الستات، وأنا اللي غلطت في حقها وشيطان ونعلته.. حقك عليا، ورقبتي سدادة لأي حاجة تطلبها.”
الراجل العجوز دمعت عينيه وبص لبنته وهو مش مصدق إن جوزها “الفرعون” منكسر بالمنظر ده.
لما رجعوا شقتهم بالليل، وقفلوا الباب.طاهر رمى نفسه على الكنبة، حاسس إنه اتهد، هيبته قدام أهله راحت، وصورته قدام نسايبه اتهزت.
بص لمريم وقال بمرارة: “أنا عملت كل اللي أنتي عايزاه.. ووطيت راسي قدام الصغير والكبير.. الورق والدفتر اللي معاكي فين بقا؟”
مريم مشيت بخطوات بطيئة لحد ما وقفت قدامه. فتحت شنطتها، وطلعت الدفتر القديم، وحدفته في حجره.
طاهر فتح الدفتر بلهفة.. وشه اتقلب، وعينيه برقت بصدمة وهو بيقلب في الصفحات.الدفتر كان كله أبيض.. مفيش فيه ورقة واحدة مكتوبة! لا ورق قرض، ولا تزوير، ولا حسابات شريكه!
بص لها وهو مش قادرينطق، شفايفه بترتعش: “أنتي.. أنتي ممعاكيش حاجة؟ كنتي بتغفليني؟”
مريم ابتسمت، أول ابتسامة حقيقية من خمس سنين، وقالت بثقة خلت ركبه تسيب:”أنا ممعاييش ورق يا طاهر.. بس معايا قلبك اللي كان بيموت من الخوف على قرشك وسمعتك ومحلك.. أنا عمري ما كنت حرامية ولا هكون، وعمري ما هفضح أبو ابني بره البيت. بس كان لازم أهد المعبد اللي أنت بنيته على كتافي بالكدب.. كان لازم أخليك تلم السم اللي بخيته في قلوب الناس بنفسك.”
قربت من باب الأوضة، ولفت وشها وقالتله الكلمة الأخيرة:”الناس بره دلوقتي رجعت تحترمني.. وأهلك هيعملوا لي ألف حساب.. وأبويا نام ليلته وهو رافع راسه.. وأنت لسه جوزي وأبو ابني.. بس من النهاردة، البيوت دي ليها أصول، واللي يفكر يهد مراته عشان يعلى.. بيصحى يلاقي نفسه في القاع.. تصبح على خير يا ابن علوان.”
دخلت ورزعت الباب، وسابته مع الدفتر الفاضي، يواجه الحقيقة اللي هو صنعها بخوفه، والبيت اللي مبقاش ينفع يتمر ع فيه تاني.
طاهر فضل قاعد في الصالة مكانه لحد ما الفجر أذن. الدفتر الفاضي في حجره كان أتقل عليه من جبل. كان بيبص للورق الأبيض ويحس بالغل والخوف بياكلوا في قلبه؛ الغل لأنه اتغفل واتلوى دراعه بحبل ديب دايب، والخوف من الست اللي نايمة جوه دي، اللي عرفت تلمسه من الحتة التي بتوجعه من غير ما تملك في إيدها ورقة واحدة.




