صحة و جمال

المستشفى حكايات رومانى مكرم 1

مسحت نجلاء إيدها بمنديل بسرعة، ونزلت على مبنى العيادات الخارجية من غير ما ترجع لأوضة الحجة فاطمة. قعدت على كرسي في الجنينة واستجمعت ثباتها الإنفعالي. 16 سنة جواز، ضحت فيهم بمشغل الخياطة بتاعها، بعمرها وصحتها، وبكل خطوة كانت بتدعم فيها سيد عشان يعمل اسم وكيان. ودلوقتي، حلم “الولد” خلّاهم يبيعوها في ثانية، ويستغلوها كإنها خادمة مجانية بتمشي وراهم وهي عمياء.

طلعت تليفونها وهزت راسها بنفاذ صبر. كلمت الأستاذة ماجدة، محاميتها وصديقة عمرها اللي كانت دايماً بتحذرها من طيبتها الزايدة.

— “أستاذة ماجدة.. أنا محتاجاكي في مكتبك بعد ساعة. الحسابات لازم تتقفل، والورق كله يتراجع النهاردة قبل بكرة.”

ردت ماجدة بقلق: “نجلاء؟ صوتك فيه حاجة.. سيد جرى له حاجة؟”

— “سيد زي الفل.. بيستقبل ولده الجديد في قسم الولادة. أنا اللي فقت يا ماجدة.”

طلعت نجلاء من المستشفى من غير ما تودع الحجة فاطمة، وركبت عربيتها وطلعت على شبرا. دخلت الشقة اللي عاشت فيها أجمل وأصعب سنين عمرها، الشقة اللي كانت مكتوبة باسمها وباسم سيد مناصفة من أيام الجواز، والورق أصلًا بتاع ملكيتها معاها هي. جودي بنتها كانت في درس، فاستغلت نجلاء الفرصة. فتحت الخزنة، سحبت كل عقود الملكية، أوراق الـ 7 مليون جنيه اللي مسجلين باسمها في بنك مصر، والشهادات الأسبوعية اللي كانت عاملاها من ورث العياط وميراث أبوه.

بعد أقل من ساعة، كانت قاعد في مكتب ماجدة في وسط البلد.

أول حاجة عملتها ماجدة إنها استخرجت أوراق التحويل، وطلبت من نجلاء إن الـ 7 مليون يتم نقلهم فوريًا لحساب استثماري مغلق باسم جودي بنتها، مع وجود وصاية كاملة لنجلاء فقط، عشان سيد ما يقدرش يلمس مليم واحد لو فكر يرفع قضايا أو يطالب بحاجة بعد الطلاق.

وقبل ما تخلص الجلسة، نجلاء بصت لماجدة وقالت بثبات يراعب:

— “الشقة يا ماجدة.. الشقة نصها باسمي، والنص التاني سيد كان كاتبه لي بيع وشراء من ست سنين لما خد مني نص مليون عشان يدفع شيكات الورشة.. العقد معايا ومسجل في الشهر العقاري بس ما كناش نقلنا الملكية النهائية.. العقد ده يتفعل النهاردة. الشقة هتباع.”

ماجدة بصت لها بذهول: “هتبيعي شقة شبرا؟ الشقة دي تسوى لها النهاردة مش أقل من 4 مليون جنيه!”

نجلاء ردت بابتسامة باردة: “تبيع بـ 3 ونص للبيع السريع.. المهم المششتري يستلم مفتاحها بكرة الصبح، والفلوس تخش حسابي.”

وبالفعل، اتصلت ماجدة بمستثمر عقاري زبون عندها بيشتري اللقطات. في خلال تلت ساعات، كان الراجل جاب المعاينة، وتكتب العقد ابتدائيًا وتم كاش، واستلم المفاتيح وأوراق نقل الملكية، على إن التسليم الفعلي ورفع العفش يخلص خلال 24 ساعة.

رجعت نجلاء على البيت، جابت شركة نقل عفش خاصة، وفي ظرف ساعتين كانت لمّت كل هدومها، هدوم جودي، أوراقها، وحاجاتها الشخصية، وحطت عفش أوضة نومها ومقتنياتها الخاصة في مخزن أجرته في ضواحي القاهرة، وسابت الشقة فاضية ملط، ما فيهاش غير السجاد القديم بتاع الحجة فاطمة وأوضة الصالون اللي كانت حماتها متمسكة بيها.

سيد في الوقت ده كان طاير من الفرحة في قسم الولادة، شيرين جابت له “عمر”، الولد اللي كان بيحلم بيه. كان رايح جاي في الممرات، بيتصل بأمه في الأوضة يطمنها، والحجة فاطمة على السرير بتقول له بضحكة مكتومة:

— “مبروك يا حبيبي.. نجلاء راحت تجيب قهوة ومرجعتش، باين عليها تعبت ورجعت البيت تنام.. سيبها نايمة ومش فاهمة حاجة، لما تخلص مع شيرين ارجع خدني من هنا.”

لكن على الساعة 8 بالليل، تليفون سيد رن. كان البواب بتاع العمارة في شبرا:

— “الحق يا سيد بيه! في عربيات نقل عفش نازلة بحاجة المدام نجلاء، وفي ناس غريبة طالعين الشقة ومعاهم أقفال جديدة!”

سيد اتجمد أرضه: “أنت بتقول إيه يا مجنون أنت؟ نجلاء في البيت نايمة!”

البواب: “والله يا بيه المدام لمّت حاجتها وحاجة الأنسة جودي ومشت من ساعتين، والراجل اللي اشترى الشقة واقف فوق وبيغير كوالين الباب!”

سيد ساب المستشفى وشيرين والولد، وطار على شبرا كالمجنون. وصل العمارة، طلع الجري على السلم، لقي باب الشقة مفتوح، وراجل بيزنط بالبدلة واقف بيدي أوامر للعمال يغيروا الأقفال.

سيد صرخ فيه: “أنت مين يا جدع أنت؟ ودخلت هنا إزاي؟”

الراجل طلع عقد البيع النهائي المسجل ورخصة نقل الملكية وقال ببرود:

— “أنا الأستاذ توفيق الشربيني، اشتريت الشقة دي النهاردة رسمي فهمي صبحي من المدام نجلاء، ومعايا توكيل رسمي ومبيعات مسجلة في الشهر العقاري من ست سنين ببيع نصك ليها. الشقة بقت ملكي، والمدام استلمت الفلوس وكتر خيرها سابتلك الصالون القديم بتاع والدتك في البلكونة!”

سيد مسك راسه ومش مصدق، التليفون في إيده كان بيرن، كانت نجلاء.

رد وهو بيصرخ وبيرتعش من الغضب: “أنتِ أجننتِ يا نجلاء؟ عملتِ إيه في الشقة؟ وأنتِ فين وحاجتك فين؟”

صوت نجلاء جاء من التليفون هادي جدًا، أهدى من الموت نفسه:

— “أنا في مكان آمن أنا وجودي يا سيد.. الشقة ائتباعت، والـ 7 مليون بتوعي اتربطوا باسم بنتك اللي أنت نسيتها عشان تجيب ولد.. والقهوة اللي كنت بشتريها الصبح كانت طعمها مر أوي.. مرارة خيانتك أنت وأمك.”

سيد اتصدم، لسانه اتعقد: “أنتِ.. أنتِ شفتينا؟”

نجلاء ردت بثقة: “شفتك وأنت شايل شنطة البيبي، وسمعتك وأنت بتقول لشيرين إن أمك مخلصاك مني وإن نجلاء بتسمع الكلام وزي العمياء.. العمياء فتحت يا سيد، وبكرة الصبح المحامية هتسلمك ورقة طلاقك، وغير القضايا اللي هترفع على الشركة.”

سقف التليفون في وشه قبل ما ينطق بكلمة.

سيد قعد على السلم مصدوم، الدينا بتلف بيه. أمه المحبوسة في المستشفى، شيرين اللي ولدت ومحتاجة مصاريف وتجهيزات، الشقة اللي راحت، والـ 7 مليون اللي كان حاطط أمله ياخد منهم قرض بضمانهم عشان ينقذ شركة التبريد والتكييف اللي كانت بتغرق في الديون وشيكاتها هتروح للمحكمة!

تاني يوم الصبح، الساعة 9 صباحًا..

سيد كان قاعد في مكتبه في الشركة بالدقي، وجهه شاحب وعيونه حمرا من كتر التفكير وعدم النوم. دخلت عليه أخته سحر وهي بتصرخ ومسكة ملفات في إيدها:

— “سيد! الحقنا! البنك حجز على حسابات الشركة! والموردين رافعين قضايا بشيكات بدون رصيد قيمتها 3 مليون جنيه!”

سيد قام وقف بذهول: “إزاي؟ أنا مأجل الشيكات دي لشهر 10!”

سحر رمت الملفات على المكتب: “نجلاء! نجلاء كانت شريكة معنا بالوصاية الضمنية من أيام ما دفعت سداد التوريدات السنة اللي فاتت، والنهاردة المحامية بتاعتها قدمت توقيع رسمي باسم نجلاء للمحكمة وللبنك بيثبت إن نجلاء لها حصة حقيقية 30% من أرباح وأصول الشركة مقابل الفلوس اللي كانت بتدفعها طول السنين اللي فاتت بعقود عرفية مستترة أنت ما كنتش فاكر إنها مسجلاها!”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى