روايات وقصص

متجوز اتنين 3

الكاتبه امانى السيد

نزلت وراها وانا متوتر جداً، سايق العربية وإيدي بتترعش على الدريكسيون وعيني مش شايفة الطريق كويس. كل اللي في بالي إني ألحق أروح المستشفى، أشوف ابني وأحاول أصلح الغلطة اللي وقعت نفسي فيها.

وصلت المستشفى وطلعت الدور التالت جري، وسألت على رقم الأوضة المكتوب في التقرير. أول ما وصلت الطرقة وشوفت الباب موارب، رجلي وقفت مكاني من المنظر.

مقالات ذات صلة

لقيت أخويا واقف ساند ضهره على الحيطة برة الأوضة، وشكله تعبان جداً وعينيه حمرا من قلة النوم، وجنبه والد سوسن واختها قاعدين على كراسي الانتظار، وشوشهم مليانة قلق وزعل.

أول ما أخويا لمحني، عدل وقفته وبصلي بنظرة زعل وعتاب شديد خلتني أتمنى الأرض تبلعني. قرب مني بخطوات سريعة ووقف قدامي وسد طريقي، وقال بصوت واطي ومخنوق من كتر الزعل: «جاي تعمل إيه هنا يا عاطف؟ جاي بعد ما اللي حصل حصل؟».

بلعت ريقي وحاولت أعدي: «جاي أشوف ابني يا طارق.. أطمن عليه».

رد بزعل وقالي: «ابنك؟ دلوقتي افتكرت إنك عندك ابن؟ مراتك لما لقتك قفلت السكة في وشها، اتصلت بيا أنا أول واحد وهي بتعيط في التليفون ومش شايفة قدامها.. نزلت جري في نص الليل لقيتها واقفة في الشارع بالولد وهو تعبان جداً، شيلته وجريت بيه على هنا وأنا بدعي يوصل بخير! وأهلها أول ما عرفوا جم الفجر وفضلوا قاعدين معاه لحد ما هي استأذنت تروح البيت تجيبله لبس وتغير هدومها وترجع تاني».

في اللحظة دي، خرج حمايا من الأوضة على صوتنا، وبصلي بصة راجل موجوع بس مليان كرامة، وموجهش ليا حتى كلمة.. بص لأخويا طارق وقال بهدوء: «قوله يمشي يا طارق.. عشان لو دخل، بنتي مش هتستحمل، والولد تعبان ومش ناقص توتر».

وقفت في وسطهم زي الغريب، الكل زعلان من تصرفاتي.. أخويا اللي من لحمي ودمي زعلان مني جداً، وأهل مراتي شايفين إني قصرت جامد، وأنا واقف عاجز، كل ذرة ندم في الدنيا بتنهش في قلبي ومش قادر حتى أنطق باسم ابني.

نزلت من المستشفى ورجلي مش شيلاني، كل نظرة زعل شوفتها في عين أخويا وأهل سوسن كانت صعبة على قلبي. ركبت العربية وانا مخنوق، ومكنش قدامي مكان أروحه غير بيت مرفت.

دخلت الشقة ورميت نفسي على الكنبة ووشي في الأرض، تايه ومكسور. مرفت قربت مني، حطت إيدها على كتفي وحاولت تهون عليا وقالت: «مالك يا حبيبي راجع زعلان كده ليه؟ فك بقى يا عاطف، قولتلك دي حركات عشان يضغطوا عليك.. متزعلش نفسك، المهم إنك معايا وإحنا مع بعض، والولد أهو بقى كويس في المستشفى وكلها يومين وهيخرج».

فضلت باصص في الأرض وساكت، ملامحي جامدة ومفيش على لساني غير الصدمة.

لما لقتني ساكت، ملامحها اتغيرت، وسحبت إيدها من على كتفي بضيق وقامت وقفت قدامي. قالت بنبرة حادة ووش خالي من الحنية: «جرى إيه يا عاطف؟ هتفضل قاعد زعلان كده كتير؟ أنا مبحبش الجو ده ولا الكآبة دي! أنت جاي تشيلني هم مشاكل بيتك الأولاني؟».

بصتلي بضيق وكملت: «أنا اتجوزتك عشان نعيش مبسوطين، مش عشان كل ما تروح هناك ترجع شايل الهم! لو مش هتعرف تفصل، يبقى تشوفلك مكان تاني، أنا مش ناقصة ضغط!».

سابتني ودخلت الأوضة وقفلت الباب وراها، وفضلت أنا قاعد مكاني في الصالة.. بصيت للفراغ حواليا وزعلت على نفسي؛ الست اللي سيبت أهلي وبيتي عشانها، أول ما شافتني مكسور ومحتاج حد يسندني، قالتلي كلام صعب.

كلامها وجعني، بس ضعفي قدامها كان أكبر من أي عتاب. بدأت أتهته وأنا باصص في الأرض، مقدرتش أرد، وقلت بصوت مكسور: «حاضر يا مرفت.. حقك عليا، مش هزعلك.. أنا هنزل دلوقتي عشان متضايقيش».

لميت نفسي وخرجت من الشقة، ونزلت ركبت عربيتي وسوقتها لحد بيت سوسن وأنا مش عارف هعمل إيه. طلعت الشقة الفاضية، ودخلت الصالة والسكوت بيخنقني. طلعت التليفون بإيد بتترعش، وجربت أرن على سوسن عشان أطمن على الولد.. الخط كان بيدي مشغول وبيقفل فوراً.

قلت أجرب أرن على أخويا طارق عشان أعرف منه حالة ابني، أول ما التليفون رن وفتح، سمعت منه جملة واحدة بنبرة زعل: «ملكش إخوات يا عاطف.. ورقمي ده متتصلش بيه تاني»، وقفل السكة.

حاولت أتصل بحمايا، وبأخو سوسن، وحتى بجارتنا.. كل ما أرن على حد فيهم، يا إما يقفل السكة في وشي، يا إما التليفون يديني غير متاح.

رميت الموبايل على الكنبة وحطيت راسي بين إيديا في وسط الضلمة.. بقيت لوحدي، الكل بعد عني، وأنا محبوس بين حيطان بيتي الأولاني.

عدّى أسبوع كامل وأنا عايش لوحدي في الشقة، أسبوع مر زي السنين. في وسط الأسبوع ده، جه أخويا طارق، مكلمنيش ولا بص في وشي، دخل عند الجيران أخد بنتي ومشى على طول عشان يوديها لأمها اللي راحت قعدت عند أهلها بعد ما خرجت من المستشفى.. ابني خرج وبقى كويس، بس أنا كنت آخر من يعلم.

وبعد أسبوع كمان، وتحديداً بعد أسبوعين من ليلة المستشفى، تليفوني رن برقم والدي اللي فك الحظر عشان يقولي جملة واحدة: «تعالى بيت حماك دلوقتي، كلنا مستنيينك».

نزلت وروحي بتتسحب مني، ولما وصلت ودخلت الصالة، لقيت المشهد اللي عمري ما تخيلته.. والدي وإخواتي قاعدين في جنب، وقصادهم والد سوسن وإخوتها، وسوسن نفسها قاعدة بعيد وشها خالي من أي تعبير.

قعدت وراسي في الأرض ومحدش كلمني، وفجأة والدي كسر السكوت وقال بنبرة قاطعة: «إحنا متجمعين هنا عشان ننهي الموضوع ده بالمعروف.. سوسن طلبت الطلاق وأهلها موافقين، وإحنا كأهلك شايفين إن ده حقها بعد اللي شافته منك.. طلق يا عاطف، وبالذوق، عشان متدخلوش في مشاكل محاكم».

الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة، رفعت راسي وبصيت لسوسن برجاء، بس عينها كانت باصة في الفراغ.

حسيت إن الهوا اتسحب من الأوضة، قومت وقفت وبصيت لأبويا وأنا بتهته: «أطلق إيه يا حاج؟ لا طبعاً.. أنا غلطت وأنا معترف ومستعد أعمل أي حاجة، بس مش هطلق وأهد بيتي!».

حمايا رد عليا بصوت هادي: «بيتك أنت هديته بإيدك من زمان يا عاطف.. والعيال أنت سيبتهم الليلة اللي قفلت فيها السكة في وش أمهم وهي بتستنجد بيك. بنتي مش لعبة تسيبها وقت ما تحب وترجعلها وقت ما تحب».

بصيت لسوسن وقربت خطوة برجاء: «سوسن.. عشان خاطر العيال، بلاش توصلينا لكده.. أنا اتعلمت ومش هكرر أي حاجة زعلتك، إديني فرصة واحدة بس».

سوسن رفعت عينها فيا، النظرة كانت باردة، وقالت بصوت مسموع: «عشان خاطر العيال بالذات لازم أطلق.. مش هربي عيالي على إن أبوهم قصر في حقهم، ولا هخليهم يشوفوا أمهم زعلانة كل يوم. أنت نزلت من نظري يوم ما سجلتلي إنك بايعني، وانتهى كل شيء الليلة اللي سيبت فيها ابنك تعبان عشان ترضي غيري.. أنت ملكش مكان هنا خلاص».

أخويا طارق حط ورقة وقلم على الترابيزة قدامي، وقال بصرامة: «يا تطلق دلوقتي بالمعروف وتضمن إنك تشوف عيالك بالود، يا إما محاكم، وساعتها مش هتشوفهم.. اختار».

بصيت على الورقة، وبصيت لأبويا اللي أدار وشه عني، وحسيت إني وحيد تماماً. مسكت القلم وإيدي بتترعش، نطقت الكلمة وطلقتها، وخرجت من البيت وأنا حاسس إني خسرت كل حاجة.

عدّى أسبوع، وروحت مع أهلها وأهلي عند المأذون ونفذت اللي طلبوه. طلقتها رسمي، والورقة اللي مضيت عليها كانت نهاية حياة كاملة، وسوسن عشان تضمن حقوقها وحقوق ولادها رفعت قضايا النفقة والحضانة وكسبتهم بحكم محكمة.

مرت الأيام والشهور، وأنا محبوس في حياتي مع مرفت، حياة اكتشفت مع الوقت إنها كانت قايمة على المظاهر، وأول ما الفلوس قلت وبقى عليا التزامات المحاكم، بانت حقيقتها وبقى الخلاف هو عنوان بيتنا كل يوم.

وبعد سنة ونص، نزلت عليا الصدمة اللي خلتني أدرك حجم غلطتي.. سوسن اتجوزت أخويا طارق.

الجوازة كانت بمباركة أبويا وأمي وأهلها كلهم، الكل كان شايف إن طارق هو الراجل اللي يقدر يصونها بعد اللي شافته مني. وطارق فعلاً عمل اللي أنا فشلت فيه؛ فتح بيته لولادي، شالهم في عينيه وعوضهم. بقى يذاكرلهم، يفسحهم، ويجري بيهم على الدكاترة بقلب أب حقيقي.

أصعب لحظة في حياتي كانت لما شوفت ابني في الشارع بالصدفة وهو ماسك إيد طارق، بيضحك من قلبه، ولما طارق شاله وحضنه، الولد ناداله وقاله: «يا بابا». ساعتها حسيت إن الأرض بتسحبني لتحت، وعرفت إن طارق أخد مكاني اللي سيبته، وبقى ليهم الأب والسند.

الوجع الأكبر مكنش بس في اللي خسرته برة، المشكلة الحقيقية كانت جوة البيت اللي فضلت عشانه. مرفت بعد ما سوسن خرجت من حياتي واتجوزت طارق، اتغيرت 180 درجة.. اكتشفت متأخر إن كل الاهتمام اللي كانت بتغريني بيه، كان مجرد منافسة عشان تثبت إنها قدرت تاخد الراجل منها.

أول ما سوسن بعدت ومبقاش في حد تنافسه، انطفى الحماس ده فجأة، ومرفت شالت القناع.

بقت تهملني تماماً؛ لا أكل بيتعمل في ميعاده، ولا كلمة حلوة، ولا حتى بتبص في وشي. البيت بقى بارد وكئيب، وهي ماسكة تليفونها ليل ونهار.

لما الفلوس قلت بسبب أحكام النفقة ومبقتش قادر أجيبلها نفس الهدايا، بقى لسانها قاسي. كل ما أطلب منها حاجة، تقولي: «ما تحمد ربنا إني مستحملة قلة حيلتك بعد ما خربت بيتك ومحاكمك أخدت مرتبك!».

حياتي اتحولت لصعبة جداً.. بقيت عايش مع ست لا بطيقها ولا هي طايقاني، مسجون معاها في نفس الشقة. بقيت أقعد بالليل في الضلمة أفتكر حنية سوسن، وضحكة عيالي، واللقمة اللي كانت بتتعمل بحب، وأبص لمرفت وهي نايمة مدية ضهرها ليا.. وساعتها بس عرفت إن اللي أنا عايش فيه هو نتيجة اختياراتي الغلط، وإن اللي باع الغالي بالرخيص لازم يدفع التمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى