منوعات

المستشفى حكايات رومانى مكرم 2

الجزء الثالث

 

سقط سيد على كرسيه وكأن الجدران تهاوت فوق رأسه. الأوراق في يده كانت تتراقص، وعيناه تنقلتا بين توقيع نجلاء الحاد وبين التقارير المالية والوثائق التي كشفت حقيقة شيرين. سحر، أخته، كانت تطوف في المكتب كالمجنونة، تلطم خدودها وتصرخ:

 

— “ضيّعتنا يا سيد! ضيّعت شقى أبونا عشان حتة ولد! البنك هيحجز على المحلات والورش خلال أسبوع، والشيكات اللي باسمك هتدخلك السجن، وشيرين اللي جابتهالك أخت المنافس الرئيسي لينا في السوق!”

 

في تلك اللحظة، رن هاتف سيد. كان المتصل هو طبيب المستشفى حيث ترقد أمه الحجة فاطمة.

 

رد سيد بصوت خافت ومكسور: “أيوه يا دكتور…”

 

جاءه صوت الدكتور مستغربًا: “أستاذ سيد، والدتك محتاجة تخرج النهاردة، ومصاريف العملية والمستشفى لحد دلوقتي محدش دفعها.. المدام نجلاء كانت هي اللي متكفلة بكل الحسابات والفيزا بتاعتها هي اللي كانت مسجلة في الاستقبال، لكن الصبح جاء إخطار من البنك برفض أي تعامل على الفيزا دي، ومطلوب تدفع 85 ألف جنيه كاش فورًا عشان نكتب لوالدتك خروج!”

 

سيد أغمض عينيه بألم شديد. نجلاء لم تكتفِ بالخروج من حياته، بل رفعت يدها تمامًا عن كل مصاريف العائلة التي كانت هي العمود الفقري لها. أين يجد 85 ألف جنيه كاش الآن وحسابات الشركة مقفولة وحسابه الشخصي لا يحتوي إلا على بضعة آلاف؟

 

قال لل doctor بصوت مبحوح: “ساعة وأكون عندك يا دكتور…”

 

أغلق الخط وبص لأخته سحر: “هاتي أي سيولة معاكي يا سحر.. أمي محبوسة في المستشفى ومش عارفين نخرجها.”

 

سحر بصت له بغضب وقسوة: “أنا مش حيلتي جنيه يا سيد! فلوسي كلها كانت محطوطة في بضاعة المخزن اللي حضرتك تفرّجت عليه لشيرين وأخوها! روح للست شيرين تجيبلك من أرباح المناقصات اللي سرقتها مننا!”

 

خرج سيد من الشركة يجر قدميه جراً. توجه أولاً إلى الشقة التي أجرها لشيرين في منطقة التجمع الخامس، الشقة التي اشترها لها بأقساط مؤخرًا ليضمن بقاءها بجانبه حتى تنجب الولد.

 

فتح الباب بالمفتاح، ودخل يبتغي مواجهتها بالأوراق التي كشفتها نجلاء.

 

كانت شيرين تجلس على الأريكة تحمل الطفل “عمر”، وبجوارها والدتها وأخوها “مدحت” — الشريك المنافس في شركة التبريد!

 

عندما دخل سيد، لم يجد في عيونهم أي مظاهر للمفاجأة أو الخوف، بل كانت هناك برود تام وابتسامة ثقة خبيثة.

 

سيد رمى الأوراق على الطاولة وصرخ بصوت زلزل المكان:

 

— “إيه ده يا شيرين؟ إيه الورق ده يا مدحت؟ أنتم كنتم بتسرقوا الشركة من ورايا؟ العقد الاستشاري السرّي ده يعمل إيه مع المنافس بتعي؟”

 

مدحت قام بكل هدوء، وضع يده في جيبه وقال بنبرة ساخرة:

 

— “اهدى بس يا سيد بيه عشان صحتك.. وما ترفضش صوتك في بيت أختي. سرقة إيه وكلام فاضي إيه؟ العقد ده استشارات مبيعات تسويقية رسمية، والشيكات اللي أختي خدتها منك كانت مقابل مؤخر صداقها وفواتير تجهيز الشقة.. كل حاجة بالقانون وبإمضاء إيدك الكريمة.”

 

سيد التفت لشيرين والدموع تتجمع في عينيه من هول الصدمة:

 

— “شيرين.. أنتِ كنتِ متفقة معاهم عليا؟ أنا اللي جوزتك وكتبتلك الشقة دي وعملتلك كل اللي طلبتيه عشان تجيبلي الولد؟”

 

شيرين حطت البيبي في سريره وقامت ببرود شديد، وبصت له من فوق لتحت:

 

— “ولد؟ هو أنت فاكر إن في زمننا ده في ست بتبيع نفسها وكرامتها عشان تتجوز راجل أكبر منها بـ 15 سنة وتتحمل قرف أمه وتديه ولد لوجه الله؟ أنت كنت بالنسبة لي صيد سهل يا سيد.. راجل موهوم بحلم ‘الولد’، وعنده عقود ومناقصات يسوى ملايين، وأمه كانت السلم اللي دخلتلك منه! أُمك هي اللي جابتك لحد عندي لما كانت بتتحايل عليا أقبل بيك عشان ألم الشمل وأجيب الولد العريان!”

 

الكلمات كانت كالسياط على وجه سيد. اكتشف أن أمه لم تكن مجرد شريكة في خداع نجلاء، بل كانت الفريسة السهلة التي استخدمها مدحت وشيرين للوصول إلى ثروة الشركة وممتلكاتها!

 

قال سيد وهو يرتجف: “الشقة دي باسمي.. هبيعها وأسدد ديوني!”

 

ابتسم مدحت وقال بثقة: “تبيع إيه يا شاطر؟ الشقة دي مكتوب فيها شرط جزائي ومسجلة باسم شيرين كمنزل زوجية ومؤخر، ولو فكرت تقرب منها أو ترفع قضية، الشيكات المفتوحة اللي معاها بإمضاءك هتوصل النيابة بكرة الصبح.. وتفضل من غير مطرود عشان المدام محتاجة ترتاح.”

 

خرج سيد من الشقة كالمجنون، يشعر بالدوار والضياع. الشارع كان مظلمًا في عينيه. رجل كان يملك كل شيء: زوجة صالحة، بنتاً كالقمر، 7 ملايين جنيه، شركة ناجحة، وشقة واسعة في شبرا.. وفي ظرف 48 ساعة، أصبح بلا بيت، بلا شركة، مهدداً بالسجن، وعشيقته التي تحدا من أجلها العالم ألقته في الشارع بعد أن أخذت كل ما يملك!

 

تلقى اتصالاً آخر من أمه:

 

— “الحقني يا سيد! المستشفى حاطة أمن على الباب ومش راضيين يخرجوني! فين نجلاء؟ كلم نجلاء تخلي الفيزا تشتغل!”

 

صرخ سيد في الهاتف بأعلى صوته وبكاء هستيري:

 

— “نجلاء مش هنا يا أمي! نجلاء باعت الشقة وأخدت الـ 7 مليون وقَفلت الشركة! نجلاء اللي كنتِ بتقولي عليها عمياء وبتسمع الكلام طلعت أذكى مننا كلنا! شيرين وأخوها سرقونا ورموني في الشارع يا أمي!”

 

على الجانب الآخر، وفي إحدى المناطق الهادئة في التجمع الخامس، كانت نجلاء تجلس في فيلا صغيرة مستأجرة بعناية. الشرفة تطل على حديقة غناء، وجودي بنتها تجلس بجوارها تدرس على جهاز اللابتوب براحة بال لم تشهدها منذ سنوات.

 

دخلت الأستاذة ماجدة المحامية وهي تحمل ملفاً أسود كبيراً.

 

ابتسمت نجلاء وقدمت لها فنجان القهوة الساخن.

 

ماجدة قعدت وقالت: “سيد أكل القلم المظبوط يا نجلاء.. شيرين ومدحت جردوه من كل حاجة، والبنك أعلن التحفظ على حصته في الشركة، وأمه محبوسة في المستشفى بسبب المصاريف.”

 

نجلاء رشفت من القهوة بهدوء، ولم تظهر على وجهها أي علامة من علامات الشماتة، بل كان وجهها يعكس راحة بال من استرد حقه كاملاً غير ناقص.

 

قالت نجلاء: “أنا مش شمتانة يا ماجدة.. أنا بس عملت اللي كان المفروض أعمله من 10 سنين. حمايتي لنفسي ولبنتي كان لازم تكون هي الأولوية، مش التضحية للي ما يستاهلش.”

 

ماجدة فتحت الملف الأسود وقالت بنبرة جدية:

 

— “تمام.. خطوتنا الجاية جاهزة. المحلات والورش بتاعة شركة العريان هتنزل في المزاد العلني الأسبوع الجاي بمرسوم قضائي لتسديد ديون الموردين. الـ 7 مليون بتوعك مأمنين في حساب جودي، بس إحنا نقدر نستخدم السيولة اللي أخدتيها من بيع شقة شبرا (الـ 3.5 مليون) عشان ندخل المزاد ده ونشتري الأصول دي باسمك أنتِ وباسم جودي وبأقل من نص تمنها الحقيقي!”

 

نجلاء ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت: “يعني الشركة اللي سيد وأبوه بنوها، واللي سيد ضيعها عشان شيرين.. هتتحول لشركة ‘نجلاء للتبريد والتكييف’؟”

 

ماجدة ردت: “بالظبط كده.. وسيد مش هيكون حيله أي حاجة يدافع بيها عن نفسه. بس في حاجة واحدة أستاذة نجلاء لازم تعرفيها الأول قبل ما ندخل المزاد بكرة…”

 

نجلاء بصلتها باستغراب: “حاجة إيه؟”

 

ماجدة طلعت ورقة ثانية مطوية من الملف، ونزلت نظارتها وقالت بصوت واطي:

 

— “وأنا براجع السجل العقاري والمستندات القديمة بتاعة جَدِك اللي ورثتي منه أرض العياط عشان أأمن موقفنا القانوني في المزاد.. اكتشفت حاجة غريبة جداً يا نجلاء. أبا سيد — الحاج العريان الله يرحمه — كان كاتب أرض المخازن الرئيسية بتاعة الشركة باسم جَدِك أنتِ من 25 سنة كرهن سري مقابل دين قديم، والدين ده اتسدد بس الرهن ما اتفكش رسمي في الشهر العقاري! وده معناه إن سيد وأمه طول الـ 16 سنة اللي فاتوا كانوا فاكرين إنهم يملكوا المخازن، في حين إن الملكية القانونية المطلقة للمخازن دي.. ترجع ليكي أنتِ لوحدك من غير مزاد ومن غير ما تدفعي مليم واحد!”

 

نجلاء اتسمرت في مكانها، والفنجان كاد يقع من يدها!

 

المفاجأة لم تكن فقط في خيانة سيد، بل في أن الثروة الحقيقية للشركة كانت طوال هذه السنين تحت يد نجلاء وهي لا تعلم، وأن ضربتها القادمة لن تكتفي بإنقاذ نفسها، بل ستجعل سيد يكتشف أنه كان يعيش في ملكها هي طوال 16 سنة!

 

الجزء الرابع قبل الأخير

 

وقفت نجلاء أمام نافذة الفيلا تتأمل الأوراق التي وضعتها الأستاذة ماجدة على الطاولة. الورقة لم تكن مجرد سند عقاري قديم، بل كانت بمثابة مفتاح العدالة الإلهية الذي رُدّ إليها في الوقت المناسب تمامًا. عقد الرهن الخاص بمخازن شركة العريان—وهي القطعة الأكبر والأعلى قيمة في أصول الشركة بالكامل، والواقعة على طريق مصر الإسكندرية الصحراوي—كان مسجلاً باسم جدها الراحل، وبسبب عدم فك الرهن رسميًا ومضي عقود طويلة، انتقلت الملكية القانونية والرقابة الكاملة إليها هي بحكم الإرث الشرعي المسجل.

 

 

 

 

التفتت نجلاء نحو ماجدة وقالت بنبرة حاسمة يملؤها الثبات:

 

— “يعني المخازن دي ملكي أنا بالقانون يا ماجدة؟ وسيد وشيرين وأخوها بيبتزوا بعض على شوية بضاعة متخزنة في ملكيتي أنا؟”

 

ردت ماجدة وهي تبتسم بإعجاب:

 

— “بالظبط كده يا نجلاء. سيد كان فاكر إنه بيلعب شطرنج معكِ، وتاريكي أنتِ اللي ملكة الرقعة من البداية من غير ما تدري. مدحت وشيرين كانوا حاطين عينهم على المخازن دي بالذات لأنها الملاذ الأخير للشركة، وخدوا من سيد تنازلات عرفية عنها.. والتنازلات دي بلّيها وشربي ميتها، لأن سيد أصلًا ما كانش يملك حق البيع أو التنازل عن أرض المخازن!”

 

في هذه الأثناء، كان سيد يمر بليلة هي الأكثر سوادًا في حياته.

 

جلس على رصيف الشارع أمام المستشفى بعد أن رفضت الإدارة خروج أمه إلا بعد سداد المبلغ أو تقديم ضمانات مالية. التليفون لم يتوقف عن الرنين: الموردون يطالبون بديونهم، شيرين أغلقت هاتفها في وجهه بعد أن وضعت مولودها في شقتها الجديدة، والبنك أرسل مندوبًا لمقر الشركة لاستكمال إجراءات التحفظ.

 

اضطر سيد للتنازل عن كبريائه، ورهن سيارته الشخصية لتاجر سيارات مستعملة بنصف ثمنها، ليوفر مبلغ الـ 85 ألف جنيه كاش. أسرع إلى المستشفى وسدد الحساب، ودخل غرفة أمه الحجة فاطمة وهو يجر قدميه ومحاطًا بهالة من الانكسار والانهيار.

 

كانت الحجة فاطمة تجلس على السرير، وجهها شاحب ولكن نبرة الأنانية لم تفارقها.

 

أول ما رأته صرخت:

 

— “تأخرت ليه يا سيد؟ وين نجلاء؟ خليها تجي تاخدني بالسيارة وتسويلي اللقمة، أنا جائعة وتعبانة من أكل المستشفى!”

 

سيد ألقى بنفسه على الكرسي المائل بجوار السرير، وبكى بحرقة لم تشهدها أمه منه طوال عمره:

 

— “نجلاء مش جاية يا أمي.. نجلاء باعت الشقة، وأخدت الـ 7 مليون، وقَفلت حساباتنا، وطلبت الطلاق رسمياً! نجلاء عرفت كل حاجة.. شفتها وهي واقفة في ممر الولادة وسمعتك وأنتِ بتقوليلي إجري كمل مع شيرين!”

 

اتسعت عينا الحجة فاطمة بصدمة، وتلعثمت:

 

— “شـ.. شفتنا؟ والـ 7 مليون بتوعها؟ والشقة؟ أنت بتقول إيه يا سيد؟ إحنا هنروح فين؟”

 

سيد رفع رأسه وعيونه حمراء كالجمر:

 

— “هنروح الشارع يا أمي! شيرين وأخوها سرقوا البضاعة والمناقصات، ورفعوا عليا شيكات، والشركة محجوز عليها، وشقة شبرا ائتباعت للغير! الولد اللي كنتِ بموتِ عليه جاب أهله وجردوني من كل حاجة ورموني!”

 

سقطت الحجة فاطمة على الوسادة وهي تصرخ وتلطم خدودها، تستوعب لأول مرة حجم الكارثة التي تسببت فيها بطمعها ورغبتها في السيطرة. الست التي كانت تستغلها وتعتبرها مجرد خادمة “عمياء بتسمع الكلام”، كانت هي الأمان والغطاء والسند الحقيقي الذي يستر عورات هذه العائلة.

 

في صباح اليوم التالي، وتحديدًا في تمام الساعة العاشرة صباحًا، كان الجمع يحتشد أمام المقر الرئيسي لمخازن شركة العريان.

 

حضر مدحت شقيق شيرين ومعه شاحنات كبيرة مصحوبة ببدلاء وعمال لنقل البضاعة الموجودة داخل المخازن لحسابه الخاص، مستندًا إلى التنازلات العرفية التي أخذها من سيد. وفي المقابل، كان سيد وأخته سحر يقفون على بوابة المخزن يحاولون منعهم بالقوة، والتلاسن كاد يتحول إلى مشاجرة بالأيدي.

 

مدحت لوّح بالأوراق في وجه سيد وصرخ:

 

— “زحّف أنت وهي من السكة! معايا تنازل رسمي ببضاعة المخزن، ولو فتحت بقك هطلبلك الشرطة بالشيكات اللي معاها أختي!”

 

سيد صرخ بعجز: “المخزن ده أصول الشركة يا حرامي! مش هتمس حبة صاج واحدة!”

 

وفجأة، توقفت ثلاث سيارات سوداء فارهة أمام بوابة المخزن.

 

نزل من السيارة الأولى لواء شرطة متقاعد يعمل كحارس أمن تنفيذي، ومعه قوة تنفيذ أحكام وقضائية ورسمية، ومن السيارة الثانية خرجت الأستاذة ماجدة المحامية وهي تحمل ملفًا أزرق ختم بختم الدولة والجمعية العقارية.

 

وأخيرًا.. فتح باب السيارة الثالثة، ونزلت نجلاء.

 

كانت ترتدي طقمًا أنيقًا باللون الأسود والرمادي، نظرتها ثاقبة، خطواتها واثقة، وعلى وجهها ابتسامة كبرياء تحكي قصة امرأة بعثت من جديد من تحت ركام التضحيات الغبية.

 

توقف الجميع عن الكلام. سيد جمد في أرضه، وسحر أخته شهقت بالبُكاء، ومدحت قطس حاجبه باستغراب:

 

— “أنتِ مين يا مدام؟ وداخلة هنا بأمارة إيه؟”

 

نجلاء لم تنظر حتى لمدحت، بل مرت من أمامه وكأنه هواء. وقفت أمام سيد مباشرة، بصت في عينيه المكسورتين ببرود تام.

 

سيد بصوت مرتعش: “نجلاء.. أنتِ.. أنتِ جيتي ليه؟ جيتي تنقذينا؟”

 

ابتسمت نجلاء ابتسامة هادئة ورشقت كلماتها كالمسامير:

 

— “أنقذكم؟ أنا جاية أستلم ملكي يا سيد.”

 

تدخلت المحامية ماجدة بصرامة ورفعت الصيغة التنفيذية أمام المحضر والشرطة ومدحت:

 

— “الأرض دي والمخازن اللي عليها بجميع محتوياتها والبضاعة اللي جواه، مسجلة ملكية حصرية ومطلقة باسم المدام نجلاء بموجب إعلام وراثة وعقد رهن وتمليك نهائي ممتد من المرحوم جدها. أي محاولة لنقل أي قطعة بضاعة من هنا تعتبر سرقة بالأكراه واعتداء على ملكية خاصة، والقوة التنفيذية معاها أمر بمنع أي شخص من دخول الموقع!”

 

مدحت صدم ورجع لورا خطوات وهو يبص للورق: “إيه الكلام الفارغ ده؟ سيد متنازلي عن البضاعة دي!”

 

ماجدة ردت بثقة وصوت مرتفع أسمع الجميع:

 

— “سيد كان بيبيعلك السمك في المية يا أستاذ مدحت! سيد لا يملك الشبر اللي واقف عليه، والتنازلات اللي في إيدك بلها وشرب ميتها! وأختك شيرين الشيكات اللي معاها هتترد عليها بقضية تزوير واستغلال نفوذ وإفلاس تدليسي محرر ضدها النهاردة الصبح!”

 

سيد وقع على ركبتيه في التراب أمام بوابة المخزن، يباعد بين أنفاسه بصعوبة. لم يستوعب حجم اللعبة؛ الزوجة التي ظن أنه استغفلها وأكل حقها، اتضح أنها المالك الحقيقي لثروته بالكامل، وأن العشيقة التي حارب من أجلها خسر أمامها كل شيء وستساق معه إلى ساحات المحاكم.

 

نجلاء اقتربت من سيد الملقى على الأرض، أخرجت من حقيبتها مظروفًا أبيض ورمته تحت قدميه.

 

وقالت بصوت هادئ ومسموع للجميع:

 

— “دي دعوى الخلع ورسم الدخول في المزاد العلني لشراء بقية ورش الشركة المحجوز عليها. الأسبوع الجاي، شركة العريان هتبقى رسمياً شركة ‘نجلاء وشركاها للتبريد’. أنت وأمك وشيرين هتقفوا في مكانكم الصح.. المكان اللي أفعالكم وطمعكم يديكم إياه.”

 

التفتت نجلاء وذهبت نحو سيارتها بخطوات ثقيلة ومرفوعة الرأس، بينما كان سيد يصرخ باسمها ويبكي في التراب، وأخته سحر تصرخ على مدحت الذي بدأ بالهرب من المكان قبل وصول شرطة الأموال العامة.

 

ولكن الكشف الأخير والضربة القاضية لم تكن قد اكتملت بعد…

 

فحين وصلت نجلاء إلى مكتب المحامية ماجدة مساء ذلك اليوم لتوقيع استلام المخازن رسمياً، تلقت ماجدة مكالمة هاتفية طارئة من الطب الشرعي والسجل المدني بشأن بلاغ قديم كانت نجلاء قد تقدمت به للفحص الحيوي والوراثي بشأن شهادة ميلاد الطفل الجديد “عمر”!

 

ماجدة رفعت السماعة، وشحبت ملامح وجهها، ثم نظرت إلى نجلاء وقالت بصوت يرتجف من الصدمة:

 

— “نجلاء.. نتيجة تحليل الـ DNA بتاعة البيبي اللي ولدته شيرين وصلت…”

 

الجزء الخامس والأخير

 

وقفت نجلاء في منتصف المكتب، الشارع أسفل النافذة يعج بالحركة، لكن الصمت داخل الأوضة كان يخنق الأنفاس. نظرت للأستاذة ماجدة وهي تجلس خلف مكتبها، يداها ترتجفان وهي تمسك بتقرير الطب الشرعي الصادر رسمياً وبختم الدولة.

 

سألتها نجلاء بصوت هادئ، هدوء البحر الذي يسبق العاصفة:

 

— “في إيه يا ماجدة؟ النتيجة فيها إيه؟”

 

ماجدة رفعت عينيها وبصت لنجلاء بذهول واشمئزاز من بشاعة المخطط:

 

— “البيبي.. الولد اللي سيد دمر بيته وعيلته وباعك علشانه، وطفش الدنيا عشان يقول ‘عمر سيد العريان’.. مش ابن سيد أصلاً يا نجلاء!”

 

نجلاء اتسمرت مكانها، وحطت إيدها على فمها من صدمة الخبر، رغم كل اللي شافته:

 

— “مش ابنه؟! إزاي؟!”

 

ماجدة فتحت التقرير وقرأت النتيجة بالنص:

 

— “تحليل الـ DNA بيؤكد نفي النسبة تماماً عن سيد العريان. الطفل ده ابن ‘مدحت’.. أخو شيرين! يعني شيرين ومدحت مش إخوات من الأصل، دول كانوا شبكة نصب واستغلال! ادعت إنه أخوها عشان يدخلوا الشركة مع بعض، ولما حملت منه، استغلوا عقدة ‘الولد’ عند سيد وأمه، وألبسوه التهمة والولد، عشان يجبروه يكتب الشقة باسمها ويتنازل عن البضاعة والمناقصات لصالحهم!”

 

في تلك اللحظة، كان سيد يتواجد في قسم الشرطة بعد أن ألقي القبض عليه وعلى أمه الحجة فاطمة للتحقيق في الشيكات المقدمة ضد الشركة. كان سيد يجلس على الدكة الخشبية الباردة، وأمه بجواره تبكي بقلة حيلة وتتحسر على الأيام التي كانت تصول وتجول فيها في بيت نجلاء.

 

دخل العسكري ورمى ملف التحقيقات أمام الضابط، ودخلت شيرين ومدحت مكبلين بالكلبشات بعد أن ألقت شرطة الأموال العامة القبض عليهما أثناء محاولتهما الهرب خارج البلاد بالبضاعة المهربة.

 

وقف سيد وهو يرتجف، وصرخ في شيرين:

 

— “ليييه؟ ده أنا عملت كل حاجة علشانك وعلشان الولد!”

 

هنا، تقدمت الأستاذة ماجدة ودخلت سراي النيابة، وألقت بتقرير الـ DNA ورقة التحليل الفاصلة على طاولة وكيل النيابة أمام الجميع.

 

الضابط قرأ التقرير، ثم نظر لسيد بنظرة شفقة وازدراء وقال:

 

— “الولد اللي أنت جرت ورائه وبعت زوجتك وبيتك علشانه.. طلع مش ابنك. التقرير الطبي الشرعي أثبت إن الطفل ابن المدعو مدحت اللي واقفه جنبك دي، وكانوا بيلبسوك القضية والنسب عشان يستولوا على أموالك!”

 

سيد أخرج صيحة مكتومة، كأن خنجراً مسموماً غُرست في منتصف قلبه. بص لشيرين، التي طأطأت رأسها في الأرض ببرود دون أن تنطق بكلمة.

 

التفت سيد لأمه الحجة فاطمة، التي انهارت على الأرض وسقطت في نوبة بكاء هستيرية وهي تصرخ:

 

— “يا فضيحتك يا فاطمة! يا خسارة شقاكي يا نجلاء! يا دي النكسة والخراب!”

 

سيد سقط على ركبتيه في منتصف التخشيبة، يضرب رأسه في الحائط الخرساني ويبكي كالأطفال، يصرخ بصوت زلزل الممر:

 

— “نجلاااااء! سامحيني يا نجلاء! أنا اتعميت! أنا بعت الذهب واشتريت التراب! يا رب موتني!”

 

لكن الصوت لم يصل لنجلاء.. نجلاء كانت في عالم آخر تماماً.

 

بعد أسبوع واحد..

 

في قاعة المزاد العلني بمحكمة القاهرة الاقتصادية، تم إعلان بيع ورش ومحلات “شركة العريان للتبريد والتكييف” بعد إفلاس سيد وتجريده من كافة ممتلكاته.

 

وقفت نجلاء بثوبها الأبيض الأنيق، وبجوارها ابنتها جودي التي بلغت 15 عاماً وأصبحت شابة جميلة ومرفوعة الرأس. رفعت نجلاء التابلوه وصاحت بأعلى سعر، واشترت أصول الشركة بالكامل بمالها الخاص وحسابها المأمن، وتم تغيير الاسم التجاري رسمياً في السجل التجاري إلى:

 

“شركة نجلاء وجودي للتبريد والتكييف والتجهيزات”.

 

خرجت نجلاء من باب المحكمة، والشمس تشرق على وجهها. استنشقت الهواء بنفس عميق وشعرت ولأول مرة منذ 16 سنة أنها تتنفس الحرية، الكرامة، والاستقلال.

 

سيد عُقب بالسجن عامين في قضايا الشيكات والتزوير، وشيرين ومدحت صدر ضدهما حكم بالسجن المشدد في قضايا النصب والاحتيال وتزوير النسب. أما الحجة فاطمة، فقد انتهى بها المطاف في دار لرعاية المسنين، تعيش وحدها على أطياف الماضي، تأكلها الندامة كلما تذكرت كيف كانت بين يدي نعم الرفيقة والابنة “نجلاء”، وكيف رمت بنفسها وابنها في الهاوية طمعاً في ولد لم يكن سوى وهمٍ وخديعة.

 

وقفj نجلاء مع بنتها جودي أمام مقر الشركة الجديد، مسكت إيد بنتها وقالت لها بكل فخر:

 

— “يا جودي.. طول عمرهم كانوا بيقولوا العزوة ولد يشيل الاسم.. بس أنا ثبتت للعالم إن العزوة هي الكرامة، والعقل، والبنت اللي أربيها صح وتكون سندي وضهري في الدنيا.”

 

الحكمة من القصة:

 

إن الطيبين قد يصبرون طويلاً، وقد يتحملون الظلم والتضحية بدافع الأصالة والوفاء، لكن صبرهم ليس ضعفاً، وطيبتهم ليست غباءً. حين يُستغرق الخداع وتُستباح الكرامة، يتحول الصبر إلى حكمة نافذة وتخطيط هادئ يُعيد الحقوق إلى أصحابها.

 

الأصالة لا تُباع ولا تُشترى، ومن يفرّط فيمن صانه وحفظ غيبته من أجل الأوهام والشهوات والسيطرة الزائفة، فإن الجشع يرتد عليه خسراناً مبيناً. أما المرأة التي تعرف قدر نفسها، وتثق بشرع الله وبحقها، فإنها قادرة على أن تبني من وسط الركام إمبراطورية نجاح، وتثبت أن القوة الحقيقية ليست في العزوة بالعدد، بل في شرف النفس وكرامة العقل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى