عام

حكايات زهره الربيع 2

الضابط أشار لنا ندخل جوه الصالة، وبعدها أشار لعسكريين يستخبوا جنب الباب. فجأة الباب اتفتح ببطء، لكن قبل ما أي حد يدخل، اندفع العسكريين وقبضوا على أول شخص ظهر. سمعنا صرخة، وبعدها خبط شديد، لكن الشخص كان أسرع مما توقعوا، زق واحد من العساكر وجري ناحية السلم. الضابط جري وراه، وفي نفس اللحظة دخل عبد الصمد من الباب الخلفي للشقة! كان واقف قدامنا ووشه مختلف تمامًا عن عمي اللي عرفناه طول السنين. هدومه كانت متبهدلة، وشعره منكوش، وعينيه حمرا من السهر والرعب، وفي إيده شنطة سوداء صغيرة. أمي أول ما شافته صرخت: “إنت قتلت جوزي؟!” عبد الصمد وقف مكانه وبص لها بنظرة غريبة وقال: “أنا ماقتلتش أخويا… أخوكي مات لوحده.”

خالي اندفع ناحيته، لكن الضابط مسكه وقال: “سيبهولي.” عبد الصمد ابتسم ابتسامة باردة وقال: “دلوقتي عرفتوا الحقيقة؟ بعد خمس سنين أكلتوا من إيدي، وشكرتوني، ودعيتولي، وكنتوا فاكرين إني ملاك نازل عليكم من السما.” صرخت فيه: “إنت كنت بتدينا إيه؟!” قرب مني خطوة، فصوب الضابط سلاحه ناحيته وقال: “مكانك!” عبد الصمد وقف وقال: “كنت بديكم الحاجة اللي كان أبوكم عارفها كويس.” أمي شهقت: “أبوها؟! أبوها كان يعرف؟!” عمي سكت لحظة، وبعدها قال: “أبوكي هو اللي بدأ الحكاية.” حسيت إن رجلي مش شايلاني. خالي مسكه من هدومه وقال: “إنت بتكدب!

أخويا  من خمس سنين!” عبد الصمد ضحك وقال: “مات؟ آه… بس قبل ما يموت كان سايب وراه سر لو اتكشف، ناس كتير هتروح في داهية.” الضابط قرب منه وقال: “هنعرف كل حاجة في القسم.” عبد الصمد بص له وقال: “مش هتلحق.” وفجأة فتح الشنطة السوداء اللي في إيده ورماها على الأرض. اتناثرت منها صور وورق ومفاتيح، لكن حاجة واحدة خلتني أصرخ. كانت صورة لأخويا الصغير وهو نايم، متصورة من فوق سريره في بيت خالتي! أمي اندفعت ناحية الصورة، لكن الضابط سبقها وأخدها. قال عبد الصمد: “أهو ده اللي كنت جاي عشانه.” أمي صرخت: “إنت كنت هتعمل إيه في ابني؟!

” عبد الصمد رد بمنتهى الهدوء: “كنت هاخده… زي ما اتاخد غيره.” هنا الضابط ضربه في كتفه ووقعه على الأرض، وقيده بسرعة. خالي جري ناحية أمي وحضنها، وأنا كنت واقفة مش قادرة أستوعب أي حاجة. لكن قبل ما الشرطة تخرجه، قال عبد الصمد: “فتشوا بيت أبوكم القديم.” الضابط وقف وسأله: “ليه؟” عبد الصمد ضحك وقال: “عشان لو عايزين تعرفوا أنا كنت بجيب اللحمة منين… هتلاقوا أول إجابة هناك.” خرجت الشرطة وهي بتسوقه قدامها، لكن كلامه فضل معلق في دماغنا. بعد حوالي ساعة، كنا في عربية الشرطة متجهين للبيت القديم اللي كان أبويا عايش فيه قبل وفاته. طول الطريق أمي كانت ساكتة، وخالي ماسك الدفتر الأسود اللي لقيناه في الحمام. أما أنا فكنت ماسكة صورة أخويا الصغيرة وببص فيها. أول ما وصلنا، الضابط نزل ومعاه القوة، وبدأوا يفتشوا البيت. المكان كان مقفول من خمس سنين، التراب مغطي كل حاجة، والهواء فيه ريحة رطوبة خانقة. دخلنا أوضة أبويا، وكانت أغراضه لسه موجودة زي ما هي تقريبًا. الدولاب القديم، المكتب، الكتب، وحتى الراديو اللي كان بيسمع عليه الأخبار كل ليلة. خالي فتح الأدراج واحد ورا التاني، لكن مفيش حاجة. لحد ما الضابط لاحظ إن في جزء من الحيطة ورا المكتب لونه مختلف. خبط عليه بإيده، فطلع صوت أجوف. كسروا جزء من الحيطة، وظهر باب حديد صغير مخفي. أمي حطت إيدها على قلبها وقالت: “يا رب استر.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى