روايات وقصص

شقه عمى 1

قفلت الخط، وبصيت لمعتز اللي كان واقف زي الصنم، لسانه اتعقد ومش عارف يجمع جملة واحدة مفيدة. مرات عمي كانت تبصلي بفخر وذهول في نفس الوقت، ومش فاهمة حاجة بس حاسة إن بنت أخوها كسرت مناخير ابنها المغرور.

ابتسمت لمرات عمي وقلت:

– باي يا بابا سعاد، مش هتأخر.

وبصيت لمعتز بنص ابتسامة وسألته ببرود:

– مش نازل برضه يا معتز؟ ولا خايف تمشي جنب واحدة جاية من ورا الجاموسة؟

سبته واقف في الصالة وشه بيجيب ألوان، وخرجت وقفلـت الباب ورايا بهدوء، وأنا سامعة صوت أنفاسه العالية وصوت مرات عمي وهي بتقول بذهول:

– يادي الخيبة عليك يا معتز.. هي دي اللي كنت بتقول عليها جاهلة؟!

نزلت السلم بخطوات ثابته وواثقة، ونار الوجع اللي كانت في قلبي بدأت تتحول لابتسامة انتصار.. وبداية الدرس اللي معتز عمره ما هينساه.

نزلت من العمارة ورجلي شايلاني بثقة مكنتش أحلم بيها من ساعات. خطواتي على الرصيف كان ليها صوت، صوت واحد بيسترد كرامته حتة حتة. في التاكسي، كنت ببتسم وأنا بفتكر منظر معتز وهو واقف متنح، لسانه متخشب، ووشه بيجيب ألوان. كان فاكر إن المنصورة يعني جهل، وإن البساطة يعني غباء.. وما كنش يعرف إن تحت السكون ده كله في عقل بيوزن بلد.

وصلت المركز الثقافي، المقابلة مرت بسلاسة وشغف. اللجنة كانت انبهرت بالطرح اللي قدمته لرسالتي، باللغة النظيفة، وبالثبات اللي بتكلم بيه. خرجت من هناك بعد ساعتين وأنا ماسكة في إيدي إفادة القبول المبدئي للتمويل.. ورقة صغيرة، بس كانت بالنسبالي رد اعتبار وقلم شديد على وش أي حد فكر يقلل مني.

رجعت البيت على الساعة سبعة بالليل. أول ما حطيت المفتاح في الباب وفتحته، لقيت الهدوء لافف الشقة، بس ريحة التوتر كانت مالية المكان.

سعاد مرات عمي كانت قاعد على السفرة، قدامها طبق بسلة ما اتلمسش، وأول ما سمعت صوت الباب قامت وقفت بلهفة. ومعتز كان قاعد في الصالة، فاتح لابتوبه وبيعمل نفسه مشغول، بس عينيه راحت عليّ فوراً أول ما رحت ناحية الصالة.

– حمد لله على السلامة يا فرح يا حبيبتي! عملتي إيه يارب تكوني جبرتي خاطري بالأخبار الحلوة؟

سعاد قالتها وهي بتضم إيدي بين إيديها بحنان صادق.

ابتسمت لها ورصيت الأوراق على الترابيزة بهدوء، وركزت صوتي عشان يوصل للـ “دكتور” اللي قاعد ورا لابتوبه وبيسمع بتركيز تام:

– الحمد لله يا بابا سعاد.. المقابلة كانت ممتازة، وأخذت القبول المبدئي لمنحة الماجستير في الألسن، والتمويل الكامل نزل لي خلاص.

مرات عمي زغردت بصوت واطي من الفرحة وضمتني لصدرها:

– الف مبروك يا بنتي! يسعد قلبك زي ما رفعتي رأسي ورأس أباكي الله يرحمه!

في اللحظة دي، معتز قفل اللابتوب بتاعه بصوت عالي شوية، وقام وقف. ملامحه كانت متلخبطة بين الصدمة، والإحراج، والتحدي اللي بيحاول يداري بيه كسرة كبريائه.

قرب من السفرة، وحط إيده في جيبه وقال بنبرة بيحاول يخليها هادية وساخرة بس كان واضح فيها الارتباك:

– ماجستير في الألسن؟ ما شاء الله.. طب وكويس والله، بس غريبة يعني.. اللي أعرفه إن اللغات محتاجة ممارسة وعيشة في جو معين، مش مجرد شهادة بناخدها من كليات الأقاليم وخلاص.

نزلت شنطتي على الكرسي، وبصيت له في عينه مباشرة من غير ما أرمش. الابتسامة الباردة اللي على وشي كانت أشد من أي شتيمة:

– كليات الأقاليم اللي بتتكلم عنها دي يا دكتور معتز، هي اللي خرجت قامات وعقول العلم في مصر كله. وبعدين اللغة مش مجرد ممارسة في الكافيهات مع زمايلك.. اللغة دي عقل وفكر وثقافة. وعلى العموم، لو حابب تراجع معايا المراجع التخصصية بال ألماني أو الإنجليزي في أي وقت.. أنا تحت أمره، يمكن تستفيد حاجة تنفعك في شغلك في إسكندرية.

معتز بلم، الكلمة وقفت في زوره. كان واضح إنه متعود على البنات اللي بيكسفوا أو بيعيطوا لما يتهانوا، ما كنش متوقع إن “البنت الجاهلة” تقف قدامه وتديه درس في أدب الحوار وبثقة تهز غروره.

سعاد بصت لمعتز بنظرة لوم قاسية وقالت له بحدة:

– اتعلم التواضع يا معتز، اتعلم من بنت عمك اللي قعدت ساكتة وما تباهتش بعلمها، ومش زي ناس ماسكين لي شهادة وشغالين تقليل في الخلق!

معتز وشه اتغير ونظراته اتكسرت لحظة قدام أمه، وبصلي بغيظ وقال وهو بيلف عشان يمشي:

– ماشي يا فرح.. هنشوف الماجستير ده هيوصلك لإيه في الآخر.

سيبته ودخلت أوضتي. قفلت الباب وقعدت على السرير. قلبي كان بيدق بس مش من الخوف، ده كان ندل الانتصار. بس التحدي مخلصش هنا.

بعد ساعة، وكتين ما كنت قاعدة على المكتب براجع الجدول الزمني للدراسة، سمعت خبط خفيف على الباب.

– ادخل.

الباب اتفتح، وما كانتش مرات عمي.. كان معتز.

كان غير هدومه، واقف عند عتبة الباب ومتردد يدخل ولا يفضل بره. شكله مكنش المغرور بتاع الصبح، كان فيه لمعة حيرة في عينيه، حيرة واحد اكتشف إن الخريطة اللي كان ماشي بيها غلط تماماً.

– ممكن أتكلم معاكي دقيقة؟

قالها بصوت واطي ومردد.

سندت ظهري على الكرسي وربعت إيدي:

– اتفضل يا دكتور معتز، خير؟

قرب خطوتين جوه الأوضة، وبص للكتب والأوراق الرصينة المحطوطة على المكتب، وبعدين بصلي وقال بنبرة فيها محاولة لتدارك الموقف:

– أنا.. أنا بس كنت عايز أقولك إن اللي حصل الصبح.. أو الكلام اللي قلته على الغدا.. ما كنش قصدي بيه تقليل منك شخصياً. أنتِ عارفة إن الصدمة بس كانت..

قطعت كلامه بكل هدوء ورفعت إيدي:

– متبررش يا معتز. أنت ما كنش عندك صدمة ولا حاجة، أنت كل القصة إنك حكمت على الشكليات. شفت بنت جاية من الأرياف، قمحاوية، هادية، مش بتستعرض.. فافترضت فوراً إنها “جاهلة” وتكملة عدد.

معتز بلع ريقه وصوته واطي أكتر:

– أنتِ سمعتيني وأنا بكلم صاحبي في البلكونة؟

ابتسمت له ابتسامة وجع سخرية:

– أيوه سمعتك. وسمعت كويس أوي وأنت بتقول “جاية من ورا البهايم”. وعشان كده بحب أشكرك.. لأن كلامك ده هو اللي فكرني أنا مين، وهو اللي خلاني أصمم أوريك إن قيمة البني آدم مش في المكان اللي جاي منه ولا في اللبس اللي لابسه، قيمة البني آدم في عقله وكرامته.

وقف معتز مكانه ومش عارف يرد. خطوة التكبر بتاعته تلاشت، والنظرة الساخرة اتمحت تماماً، وحل مكانها شعور خفي بالإعجاب الممزوج بالندم.. بس الإعجاب ده جه متأخر أوي.

قمت وقفت وفتحت باب الأوضة أكتر:

– عن إذنك بقى يا معتز، عندي تحضيرات لازم أخلصها عشان المنحة.

بصلي بجمود لثواني، كأنه بيحاول يستوعب البنت اللي قدامه، وبعدين هز رأسه وخرج من الأوضة من غير ما ينطق بحرف.

قفل الباب، ووقفت أنا قدام الشباك.. الليل كان غطى القاهرة، بس جوايا كان في نهار جديد بيطلع. معتز بدأ يشوف فرح الحقيقية، بس اللي ما يعرفوش.. إن فرح دي مش هتكون في يوم من الأيام مجرد رد فعل لغروره، دي يلا تبدأ تكتشف طريقها الحقيقي.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى