
نزلت المعلقة بهدوء، ومسحت بإيدي على الفوطة،
وبصيت له بثبات:
– أيوه، أعرف يا دكتور، الدنيا مش مقفولة على قاعة المحاضرات اللي حضرتك فيها.
في ناس برضه بتفهم، حتى لو ما معاهاش لقب.
سكت المكان كله،مرات عمي بصت له بحدة، وهو حاول يخبي ارتباكه في لقمة تانية.
بس نظراته اتغيرت،و ملامحه اتغيرت لحظة، زي اللي اتفاجئ إن “الجاهلة” ردّت عليه بالعقل مش بالصوت.
اللحظة دي بس، كانت كفاية أعرف أنا مين… ومين اللي فعلاً لازم يتكسف من نفسه.
قمت من السفرة بخطوات سريعة، ما كنتش قادرة أكمّل لحظة واحدة هناك….دخلت أوضتي، وقفلت الباب ورايا بإيدي، بس قلبي كان بيدق بسرعة، زي اللي بيهرب من حاجة وجواه وجع مش عارف له اسم.
قعدت على السرير شوية، وبعدين قمت أتنفس عند الشباك.
الهواء كان ساكت، بس صوتهم لأ.
صوت معتز كان واصل لحد عندي واضح…
كان بيكلم صاحبه في البلكونة، وضحكته تقطع الهدوء.
قال بنبرة فيها استهزاء واضح:
– اسكت يا عم،مش أمي كانت هتجنني النهارده.
وعايزاني أتجوز واحدة جاهلة، جايه من ورا البهايم،
ولا تعرف تتكلم حتى.
ضحك صاحبه وقال:
– طب عملت إيه؟
معتز كمل بنفس النبرة المتعجرفة:
– خلاص يا عم، خلعت منها قبل ما أمي تحلف عليا اني اخدها غصب عني.
بس بغبائها كالعادة، فتحت الباب ودخلت كأنها فاهمة كل حاجة.
سكت لحظة، صوته بقى أهدى،
وقال بخفة فيها لمحة غرور:
– بس الغريبة بقى… إنها مش وحشة.
يعني لو كانت متعلمة، والله يمكن كنت فكرت.
ضحك هو وصاحبه بعدها،
ضحكة خفيفة…
بس بالنسبالي كانت أقسى من ألف كلمة.
وقفت ورا الشباك، جسمي ثابت بس دموعي نازلة بهدوء،
من غير صوت، من غير نفس.
مسحت دموعي، وبصيت للسما،
وقلت لنفسي بهدوء، بنبرة وعد:
هتشوف يا معتز… هتشوف مين فينا اللي جاهل…..يتبع
تاني يوم الصبح، الشمس كانت لسه بتشق طريقها بالعافية وسط غيوم القاهرة. قمت من النوم قبل ما حد يصحى، غسلت وشي بمية ساقعة عشان أطير بقايا الدموع والتعب اللي طبعوا على ملامحي طول الليل. مسكت طرحتي وربطتها بهدوء، وبصيت لنفسي في المراية.. ملامحي الهادية القمحاوية كانت ثابته، بس عيوني كان فيها نظرة جديدة، نظرة حد قرر إنه مش هيكون الضحية ولا المسكينة في حكاية حد.
خرجت من الأوضة بخطوات خفيفة، لقيت مرات عمي “سعاد” قاعدة في الصالة ومسكة مصحفها. أول ما شافتني، ابتسمت بوشها الحنون اللي دايماً بيطمني، وحطت المصحف على الترابيزة.
– صباح الخير يا فرح يا حبيبتي، صحيتي بدري ليه كده؟
ابتسمت باستها وهزيت رأسي:
– صباح النور يا بابا سعاد، متعودة أصحى بدري من أيام المنصورة.. أعملك شاي معايا؟
– يعملك الخير يا بنتي.. قعدي بس جنبي شوية.
قعدت جنبها، مسكت إيدي بحنان وقالت بنبرة فيها رجاء ورجفة أسف:
– متزخليش من معتز يا فرح.. هو دبش في كلامه وطبعه ناشف عشان التعليم والعيشة لوحده في إسكندرية غيرته، بس والله قلبه أبيض، وأنا مش هلاقي أحسن منك أصونها وتصون ابني.
قلبي اتوجع على ست طيبة زيها، بس كرامتي كانت خط أحمر. مسكت إيدها وبصيت في عينها بثبات:
– يا بابا سعاد، أنتِ فوق رأسي وأفضالك عليّ مش هنساه العمر كله.. بس الجواز مش بالعافية، ولا بالمحايلة. معتز شايفني مش من مستواه، وأنا مش البنت اللي تدخل بيت راجل وهو شايف إنه متفضل عليها أو بينزل لعالمها.
لسه مرات عمي هتتكلم، الباب بتاع أوضة معتز اتفتح وخرج وهو لابس ترينج، شعره منكوش وعيونه ناعسة. أول ما شافنا واقفين وبنتكلم، وقف مكانه ورفع حواجبها بنظرة تكبر كأنه بيحاول يقرا اللي بنقوله.
– صباح الخير يا أمي.. صباح الخير يا.. فرح.
رديت بنبرة جافة وهادية تماماً:
– صباح النور.
قرب من المطبخ وهو بيحاول يظهر عادي، وقال بنبرة فيها استعلاء:
– أمي، أنا نازل العصر أقابل زمايلي في الكافيه، وممكن متغداش معاكم.. أصل ورانا مناقشات علمية مش هتخلص بسرعة.
مرات عمي بصتله بضيق وما ردتش، أما أنا فابتسمت ابتسامة خفيفة وقمت وقفلت حوارنا. دخلت أوضتي ومسكت شنطتي الخاصة اللي جبتها معايا من المنصورة.. الشنطة اللي محدش في البيت ده يعرف إيه جواها.
فتحت السوستة وطلعت منها أوراق وشهادات متغلفة بعناية، ولاب توب أزرق حديث كنت شرياه بفلوسي الخاصة من ورث أبويا الله يرحمه. قعدت على المكتب وفتحت اللاب توب، وبدأت أراجع الإيميلات اللي جاية لي من إحدى أكبر المؤسسات التعليمية الخاصة في القاهرة.
معتز فاكر إني عشان جاية من المنصورة ووالدي كان عنده أرض وبيت في القرية، إني مقضية حياتي ورا “الجاموسة” زي ما قال.. ما يعرفش إن أبويا الله يرحمه كان أستاذ لغة عربية، وغرس فيّ حب العلم من صغري. ما يعرفش إني خريجة كلية ألسن بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، وبتكلم لغتين بأجنبية بطلاقة، ومقدمة على تمويل لرسالة الماجستير بتاعتي في القاهرة، وده السبب الحقيقي اللي خلاني أوافق أجي هنا، مش عشان أتجوز الباشمهندس!
مسحت الأوراق بصباعي، وابتسمت بشرارة تحدي:
– ماشي يا معتز.. المظاهر هي كل حاجة عندك؟ هوريك المظاهر بتبقى إزاي.
على الساعة أربعة العصر، كان معتز واقف في الصالة بيلبس ساعته وبيظبط لياقة قميصه أمام المراية بكل غرور. خرجت أنا من الأوضة.. بس المرة دي ما كنتش فرح بتاعت إمبارح.
كنت لابسة فستان أسود أنيق جداً وبسيط، عليه كارديجان باللون الزيتي الهادي، وطرحة ملفوفة بتناسق راقي أظهر جمال بشرتي القمحية وعيوني. كنت حاطة لمسات بسيطة جداً، وشايلة شنطة جلد سوداء وفي إيدي فولدر أوراق شيك.
معتز أول ما شافني طالعة، إيده وقفت على لياقة القميص، وبصلي بذهول واضح في عيونه. عينيه اتسعت وهو بيبص لتفاصيلي، من الفستان للهدوء والرزانة اللي كنت ماشية بيها.
مرات عمي سعاد خرجت من المطبخ، وأول ما شافتني شهقت بابتسامة:
– بسم الله ما شاء الله! إيه الحلاوة دي يا فرح؟ طالعة زي القمر يا حبيبتي! على فين العزم؟
ابتسمت لمرات عمي ورسيت نظرتي على معتز اللي كان لسه متنح:
– نازلة عندي معينة ومقابلة مهمة يا بابا سعاد، في المركز الثقافي الألماني.. عندي العرض النهائي لمنحة الماجستير.
الكلمة نزل علي معتز زي الصاعقة. حواجبة اتعقدت وبصلي كأنه مش فاهم اللغة اللي بتكلم بيها:
– مركز إيه؟ وماجستير إيه؟ أنتِ بتتكلمي جد؟
رديت عليه بكل برود، وأنا بظبط الشنطة على كتفي وببص في ساعتي:
– أيوه يا دكتور.. أصل التعليم مش حكر على جامعة إسكندرية ولا قاعات المحاضرات بتاعتك. في ناس بتشتغل على نفسها في السكت من غير ما تعمل هيصة وتتنك على خلق الله.
معتز وشه أحمر وظهر عليه الارتباك والذهول، وقبل ما ينطق بأي كلمة، تليفوني رن برنة هادية. رفعت التليفون ورديت بلغة ألمانية سريعة وبطلاقة متقنة جداً:
– Guten Tag… Ja, ich bin unterwegs. Ich bin in 15 Minuten da. Danke.
(صباح الخير.. نعم، أنا في الطريق. سأكون هناك خلال 15 دقيقة. شكراً.)



