
“وعلى فكرة يا ماما، هو خلص توضيب شقتك الكبيرة اللي كانت حكمت بتنضفها وبتشتكي من وسعها.. هدت كل حاجة وعملتها على ذوقها، وجاب فرش مودرن وعفش مستورد يجنن عشان يعيشوا فيها لما يرجعوا من شهر العسل. ده حتى اشترى نصيبي أنا وإخواتي في الورث واداني فلوسي كاش عشان الشقة تبقى ملكه لوحده، قالي مش عايز عروستي تحس بنقص ولا حد يشاركها في مملكتها!”
حماتي هزت راسها برضا وفرحة وقالت: “جدع يا ابني.. حقه يعيش ويفرح بعد الشقا، ربنا يهنيهم بشقتهم الجديدة، البنت شكلها بنت ناس وتستاهل كل اللي اتعمل عشانها.”
في اللحظة دي، حسيت كأن السقف وقع فوق دماغي.. الشقة اللي اتهد حيلي في تنضيفها بالساعات وخدمة أهله فيها، اتقبض تمنها واتوضبت لعروسته الجديدة.. والفلوس اللي كان بيبخل بيها عليا وعلى عياله ويقول ‘عندي مشاكل في الشغل ومفيش’، اشترى بيها أنصبة إخواته ودفعها كاش عشان ست الهوانم، وسابني أنا هنا.. الخدامة الغبية اللي بتصرف على أمه من معاشها الميت وبتمسح قرفه ببلاش!
انسحبت خطوتين لورا ببطء وحذر، كاتمة أنفاسي وشهقاتي لحد ما دخلت المطبخ ووقفت ورا الباب مسنودة على الحيطة.. حسيت ببرودة بتسري في عروقي كأن الدم اتجمد، وكل كلمة اتقالت وكل صورة شفتها كانت بتمر قدام عيني زي شريط سينما بيحرق في روحي.
وفجأة، هجمت عليا ذكريات الأيام والشهور اللي فاتت، مواقف نزلت على قلبي تقطعه حتة حتة من كتر الخبث والاستغفال:
افتكرت لما كنت بقع من طولي وضهري مقسوم نصين من كتر الشيل والحط، وأترجى أخته وهي قاعدة حاطة رجل على رجل: “تعالي يا حبيبتي بس ساعديني نعدلها نغيرلها الحفاضة ونقلبها على جنبها عشان متتسلخش، ضهري واجعني مش قادرة أرفعها لوحدي”، فتبصلي بقرف وتتراجع لورا وهي بتقول بتكبر: “وييع.. لأ طبعاً مقدرش، أنتي عارفة معدتي بتقلب من الحاجات دي وبستفرغ على طول، أنتي أخدتي على كده وخلاص وبقيتي شاطرة فيها، ربنا يجعله في ميزان حسناتك بقى!”
وافتكرت لما كنت أطلب من بنتها التانية تنضفلها مرة واحدة بس عشان ألحق أروح أزور أهلي، فترد حماتي بتمثيل متقن وصوت مريض مكسور: “لأ يا بنتي متخليش حد يلمسني غيرك.. أنا مش برتاح غير معاكي أنتي، إيدك خفيفة وحنينة وبناتي مبيعرفوش يخدموا زيّك، أنتي اللي بنتي بجد وربنا يباركلك في صحتك وعيالك.”
كنت أسمع الكلام ده وقلبي يدوب يحن ليها ، أقول لنفسي “ست كبيرة ومريضة ومكسورة الجناح، أكسر بخاطرها إزاي؟”، وأنسى تعبي ووجعي وأهمل نفسي وولادي عشان أريحها.
افتكرت ريحة الكلور والمنظفات اللي بقت لازقة في جلدي ومبتروحش، وكرمشة إيديا وجفافها، وهدومي البسيطة المتبهدلة اللي نسيت معاها طعم إني ست زي باقي الستات.. في الوقت اللي كان ابنها بيشتري شقة أمه كاش، ويصرف دم قلبه على توضيب قصر لعروسته الجديدة، ويدلّعها ويفسّحها ويسيبني أنا الخدامة البديلة اللي بتشيل القرف والهم ببلاش، وهما كلهم متآمرين ورا ضهري ومستغفليني بكل خسة وندالة.
مسحت دموعي بإيدي المرتعشة، وكتمت القهرة جوايا بعنف.. مش وقته خالص إني أواجههم أو أصرخ، الدموع والرخص ده خلاص مات، ومن اللحظة دي لازم أثبت وألعبها بذكاء عشان أرد كرامتي وصحتي اللي ضاعت هدر.
قطع حبل أفكاري وذكرياتي صوت “ولاء” الرنان وهي بتنادي عليا من الصالة بكل تعالي وأمر، كأنها بتنادي على شغالة مأجراها باليومية:
“إيه يا حكمت، أنتي نمتي في المطبخ ولا إيه؟ الغدا هيجهز إمتى؟ أنا واقعة من الجوع.. واعمليلي معاكي فنجان قهوة مظبوط عشان دماغي مصدعة.”
وقفت مكاني لثواني، أخدت نفس عميق حسيت معاه إن كل ذرة ضعف أو خوف جوايا اتبخرت وحل مكانها برود حديدي. غسلت وشي على الحوض ببطء، نشفته، وخرجت من المطبخ بخطوات هادية وثابتة.
مشيت لحد ما وقفت قدامهم في نص الصالة. كانت ولاء قاعدة ممددة رجلها على الكنبة وماسكة الموبايل لسه، وحماتي ساندة ضهرها على المخدات وعينها عليا.
بصيت لولاء بصه طويلة أوي.. نظرة متجردة من أي مشاعر، عينيا كانت بتتفحص ملامحها الباردة، وبتتفحص الشاشة اللي في إيدها اللي لسه بتشع بصور أخوها وعروسته. النظرة طولت لدرجة خلت ولاء ترتبك وتنزل الموبايل بضيق وتقولي:
“في إيه بتبصيلي كده ليه؟ ما تنطقي، مسمعتيش قولتلك إيه؟”



