Uncategorized

جنون زوجي

حكايات زهرة

أنا اتعدلت في قعدتي وقلبي اتنفض من الخوف، سألته بذهول حل إيه يا عصام؟ تقصد إيه؟.
واللي قالهولي وقتها.. مستحيل يخطر على بال أي أب، ولا أي بني آدم فيه ذرة رحمة على وش الأرض!!!!
سكت عصام ثواني، نظراته كانت ثقيلة وزي الحجر، أبرد من التلج اللي في الفريزر. قرب مني خطوتين بخطوات بطيئة ومتأنية، وعينيه مثبتة

في عيني بغل وقسوة

شفتهم في حياتي.
قال بصوت واطي ومكتوم بس كل كلمة كانت بتنزل على قلبي زي السكينة
شريف بيه.. مديري في الشغل.. راجل مابيخلفش، ومراته من زمان ونفسها في عيل يملى عليهم البيت. الراجل اتكلم معايا النهارده، وقالي إنه مستعد يتبنى نور ويوفر لها حياة أحسن، ويربيها كأنها بنته بالظبط.. وفي المقابل، هيمنحني الترقية اللي بحلم بيها، وهكون النائب الأول لإدارة الشركة كلها، بمرتب خيالي ومكافأة تخلينا في مكان تاني خالص.. نور لازم تخرج من حياتنا يا هدى، أنا مش قادر أشوفها في البيت، ومش هقدر أعيش مع اللي قتلت ابني في مكان واحد!
أنا في اللحظة دي، حسيت إن الأرض بتتزلزل تحت رجلي. الدم اتجمد في عروقي ووداني بدأت تصفر. بقيت أبصله وببص لحواجبة المشدودة وشفايفه اللي بتتكلم ببرود، ومش مصدقة إن الراجل اللي واقف قدامي ده هو نفسه جوزي عصام! الأب الحنين، الراجل الطيب اللي كان بيشيل ولاده على كتافه ويجري بيهم!
صرخت فيه بأعلى صوت عندي، صوت طالع من أعمق نقطة في قلبي
أنت اتجننت يا عصام؟! أنت بتبكش ولا عُقلك جرى له حاجة؟! تبيع بنتك؟! بنتك ضناك عشان ترقية وفلوس؟! عشان راجل مديرك مابيخلفش؟! إيه القسوة والرخض ده كله؟! أنت بقيت إيه بالضبط؟

!
مسكني من دراعي بقوة وعصر صوابعه على لحمي وهو بيهمس بحدة وشرار طالع من عينيه
وطي صوتك بدال ما أسمعك اللي عمرك ما سمعتيه! أنا مش ببيعها.. أنا ببعدها عن وشي! وجودها هنا بيفكرني كل ثانية بيوسف وهو طالع من الشباك! بيفكرني بدمه على الأرض! أنا كل ما أبص لها بشوف شيطان قتل ابني! أنا مش هقدر أعيش معاها.. الترقية دي تعويض، فرصة نبتدئ بيها من جديد ونسيب الوجع ده ورا ضهرنا، والبت هتعيش في عز ومستوى أفضل من اللي نقدر نقدامهولها!
نفضت إيده عني بكل قوتي، وجريت خطوات لورا وأنا بهز رأسي بنفي وهستيريا
شيطان؟! دي طفلة! طفلة عندها عشر سنين يا عصام! بتلعب مع أخوها.. زقة طفولية قضاء وقدر! أنت اللي بقيت شيطان! بقى يعميك الغضب والغل لدرجة إنك تفكر ترمي ضناك لغريب عشان منصب؟! إيه القرف ده! إيه الخسة دي! والله لو انطبقت السماء على الأرض، لو موتنا جوع، عمري ما هسمحلك تلمس شعرة منها ولا تفرط فيها!
عصام اتعصب أكتر ووشه احمر، وقرب مني وهو بيزعق
أنا صاحب الكلمة في البيت ده! والقرار ده هيتنفذ يعجبك أو ميعجبكيش! البت دي مش باقية هنا، ومفيش كلمة تانية هتتقال!
يبقى أنا وهي مش باقينلك في البيت ده كله!
صرخت فيها وأنا بمسح دموعي بقسوة، ولفيت ضهري

وجريت على أُوضة نور.
دخلت الأوضة، كانت نور صاحية ومكموشة في الزاوية بتاعة السرير، ماسكة المخدة وضامّة ركبتها لصدرها، ودموعها نازلة من غير صوت، كانت سامعة كل الزعيق بره. أول ما شافتني جريت عليا وشبطت في جلابيتي وهي بتترعش وتقول بصوت بيتقطع
ماما.. بابا عايز يرميني؟ بابا زعلان مني أوي عشان يوسف؟ والله يا ماما ما كان قصدي.. والله ما كنت أعرف إنه هيقع!
ضميتها لصدري بأقصى قوة عندي، وبقيت أبوس في رأسها وأنا بكتم عواطفي بالعافية
متخافيش يا نور.. محدش يقدر ياخدك مني طول ما أنا حية على وش الأرض.. يلا يا حبيبتي، يلا نقوم من هنا.
فتحت الدولاب بسرعة، وبأيدين بتترعش بقيت أرمي الهدوم في شنطة سفر كبيرة. عصام دخل الأوضة ووقف على الباب، حاطت إيده في وسطه وبيراقبني بجمود وقال
أنتِ بتعملي إيه؟ فاكرة إنك لما تروحي عند أهلك هتغيري رأيي؟ هتترجي عشان ترجعي!
ما حطيتش عيني في عينه، ولا حبيت أضيع ثانية واحدة في الكلام مع بني آدم ماتت الرحمة في قلبه. قفلت الشنطة، ومسكت إيد نور اللي كانت ماشية ورايا زي الخيال المكسور، وخرجت من الأوضة. وأنا معدية من جنبه في الصالة، بصيت له بنظرة كلها كره وقرف وقلت له بصوت هادي بس مرعب
أنا رايحة بيت أبويا.

. وحسبي الله ونعم الوكيل فيك يا عصام.. حسبي الله ونعم الوكيل في قلبك اللي قسي على ضناك.
فتحت باب الشقة ونزلت في نص الليل، والدموع مغمية عينيا، وورايا عصام رزع الباب بقوة هزت العمارة كلها.
نزلت الشارع، وكانت الدنيا ظلام وبرد. أخدت تاكسي وعلى طول على بيت أهلي. لما فتحلي بابا الباب وشاف منظري أنا ونور والشنطة في إيدي، اتخض وأمي خرجت تجري من جوة. حكيت لهم كل حاجة بالحرقة والدموع. أبويا الفلاح الأصيل، الراجل اللي بيعرف يعني إيه أصول ورحمة، اتنفض من مكانه  بإيده على الترابيزة وقال بغضب
يتخلى عن بنته؟! يبيعها لمديره عشان ترقية؟! هو الراجل ده جرى في عقله حاجة؟! ده مش راجل طبيعي، ده اتجنن! اتقعدي هنا يا بنتي معززة مكرمة، ونور دي في عينيا، ومش هيشوف ظفرها تاني طول ما فيا نفس!
من اليوم ده، بدأت فترة صعبة جداً. نور كانت متأثرة نفسياً بدرجة تخوف، تبص للباب كل ما يخبط وتستخبى ورايا، ترفض تاكل، وتسألني بكسرة هو بابا كرهني ليه يا ماما؟ هو أنا وحشة؟. وأنا قلبي كان بيتقطع عليها ألف مرة في اليوم، أحاول أضمها وأدعمها وأسندها، وبابا وإخواتي كانوا محوطين عليها وبيحاولوا يعوضوها عن القسوة اللي شافتها.
أما عصام.. ففضل في  لوحده.

وفاكر إن السكوت والهدوء اللي بقى في البيت هيخليه يرتاح. كان بيقنع نفسه إن كبريائه وكرامته هما أهم حاجة، وإن وجود نور كان هو السبب في وجعه.
بس اللي حصل كان العكس تمامًا..
بعد ما مر أسبوع والتاني، والبيت فضي عليه كليًا، السكوت بقى مرعب. الصالة اللي كانت مليانة ضحك ولعب وشقاوة يوسف ونور، بقت زي المقبرة. الحيطان بقت بتصرخ في وشه. كل زاوية في البيت بتبص له وتقول له أنت السبب.
كان يجي يرجع من شغله بالليل، يفتح الباب، يلاقي الشقة ضلمة وكئيبة. يدخل المطبخ مفيش أكل، يدخل أوضة الولاد، يلاقي سرير يوسف فاضي، وسرير نور فاضي ومترتب برود. يفتكر لما كانت نور تجري عليه وتستقبله على الباب وتقوله جبتلي إيه معاك يا بابا؟، ويفتكر يوسف وهو بينط في حضنه.
الوجع بدأت آثاره تظهر عليه بشكل بشع.
بدأ يغيب عن الشغل، الترقية اللي كان بيحلم بيها ومستعد يبيع بنته عشانها، بطل يهتم بيها ولا يروح الشركة أصلاً. السهر والوسواس أكلوا دماغه. بقى يقعد في الضلمة بالساعات، يكلم نفسه، ويشوف خيالات يوسف ونور بيلعبوا في الصالة. ذنب نور بقى يطارد فيه في كل لحظة، وفكرة إنه كان هيبيع بنته بقت بتبص له في المراية وزي الوصمة اللي مش عارف يغسلها.
حالته تدهورت جداً، بطل ياكل، وشكل جسمه اتغير

ووشه بقى شاحن وشعره ابيض في أسابيع قليلة. في يوم، أخوه الصغير قلق عليه عشان مابيردش على التليفون بقاله أسبوع، فجاء له الشقة وفتح بالنسخة الاحتياطية.
أخوه اتصدم من المنظر! عصام كان قاعد على الأرض في الصالة، هدومه متسخة، عينيه غايرة ومحوقة بسواد، وماسك لعبة من لعب يوسف وبيعيط بهستيريا وبيكلم الحيطة!
أخواته اتجمعوا فوراً، وعرفوا إن عصام بيمر بصدمة نفسية حادة وانهيار عصبي كامل PTSD بسبب عدم استيعابه لموت ابنه، والذنب البشع اللي ارتكبه في حق بنته ومراته. أخدوه بالعافية وودوه لدكتور نفسي كبير.
الدكتور قعد معاه جلسات مكثفة، وتناول أدوية ومهدئات. وفي الجلسات، الدكتور بدأ يفكك معاه العقدة.. فهمه إن اللي حصل ليوسف كان قضاء وقدر محتوم، لحظة كتبها ربنا من قبل ما الولاد يتولدوا، وإن نور طفلة بريئة مفيش في إيدها حاجة، وإن هروبه من الوجع ورميه للذنب على نور كان وسيلة عقله الهربان عشان يداري على عجز أبوي وحزنه.
مع الوقت والأدوية والجلسات، عصام بدأ يستوعب.. بدأ يبكي بحرقة، دموع حقيقية مش دموع غضب. استغفر ربنا من ذنبه العظيم، وتخيل البشاعة اللي كان هيعملها لما يبيع بنته، وحس بقيمة العيلة اللي دمرها بإيده.
عرف إن قضاء ربنا نافذ، وإن يوسف أمانة وربنا أخدها،

بس نور أمانة باقية ولازم يحافظ عليها.
بعد شهرين كاملين من العلاج والعزلة، دخل عليا بابا في الصالة وقال لي بصوت هادي
هدى.. عصام بره على الباب.. جاي ومعاه إخواته.
قلبي اتنفض، ونور مسكت في جلابيتي فوراً. بصيت لبابا وقلت بخوف
أنا مش عايزة أشوفه يا بابا! ده كان عايز يرمي البنت!
بابا حط إيده على كتفي وقال
اسمعيه يا بنتي.. الراجل اتعالج وكان غايب عن وعيه من الصدمة، والنهارده جاي يعتذر ويصلح اللي أفسده، ونشوف عينيه فيها إيه الأول.
خرجت الصالة وأنا ماسكة إيد نور وواقفة ورا بابا.
أول ما شفت عصام، اتصدمت.. الراجل كان خاسس النص، وشعره فيه شيب كتير، وعينيه دبلانة ومكسورة كسر مش طبيعي. مابقاش الراجل القاسي أبو عين حمرا، بقى بني آدم مكسور ونادم لأقصى درجة.
أول ما عصام شاف نور، عينيه اتملت دموع، وركبه لمست الأرض ونزل على ركبتيه قدامها في نص الصالة.
صوته كان بيترعش وهو بيمد إيده ببطء شديد ويقول
نور.. يا بنتي.. سامحيني يا نور.. سامحيني يا حبيبتي، أنا كنت عميان.. الشيطان كان عامي قلبي وعقلي.. سامحي بابا يا نور.
نور بصت لي، وأنا هزيت لها رأسي وأنا بدمع. البنت بطفولتها ونقاء قلبها، مشيت خطوات بطيئة ناحيته، وأول ما قربت منه، عصام أخدها في حضنه وبكى بصوت عالي

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى