
“أنا لسه بختم ربي يا رعد، ومش هسمح لحد يشوه سمعتي.”
قالها بصوتٍ حادٍّ، لكن عينيه كانتا تخونانه. كانت تنظر إليه بوجعٍ عميق، تحاول أن تمنعه من المضي قدمًا في طريقٍ لن ينتهي إلا بالندم.
رد بوقاحة واضحة: “يبقى أتأكد بنفسي.”
سحب يده بقوة، وحاولت التماسك، لكن صوتها خرج مبحوحًا من أثر البكاء: “سيبني يا رعد، كفاية بقى! أنا تعبت، والله تعبت، حرام عليك!”
نظر إليها بتحذيرٍ قاسٍ: “كلمة الطلاق دي مش عايز أسمعها منك تاني أبدًا. إنتِ فاهمة، ولا صدقيني هتندمي؟ وكل اللي عيشتيه معاي كوم، واللي هتشوفيه كوم تاني خالص. إنتِ فاهمة؟”
وضع يده على كتفها بقوة، ليس بقصد الأذى، بل لتثبيتها مكانها، لكن يدها ارتجفت تحت قبضته.
قالت بضعفٍ وصوت مبحوح: “حاضر، حاضر، والله، سيبني. إنت بتوجعني كده.”
تركها للحظات، ونزل إلى الحديقة، تاركًا إياها تبكي بصمت على حالها. كان يمشي بخطواتٍ مضطربة، مش عارف يتصرف إزاي، ونهى كانت تتصل به باستمرار، لكنه كان يغلق المكالمات بغيظٍ مكبوت.
رفع بصره إلى نافذة غرفتها، ووقف يتأملها لحظاتٍ وهو يفكر في أمرٍ ما. ألقى بسيجارته وداس عليها بعصبية، ثم صعد إليها بسرعة.
لم يجدها في الغرفة.
خبط على باب الحمام، فخرجت وهي تغسل وجهها، عيناها حمراوان من أثر البكاء.
سألها بهدوءٍ نسبي: “إنتِ كويسة؟”
هزت رأسها بالإيجاب، لكنها لم ترفع عينيها إليه.
مشى ناحية السرير وجلس، ثم ربت على المكان بجانبه وقال: “تعالي هنا، هنتكلم.”
اقتربت منه بخوفٍ واضح، لم تكن تعرف كيف سيكون رد فعله، هل سينفعل مرة أخرى، أم سيكون هادئًا هذه المرة؟
قال بصوتٍ أكثر هدوءًا: “اقعدي هنا يا زينب، ما تخافيش. إحنا هنتكلم بس.”
جلست بجانبه على حافة السرير، وهي تفرك يديها بتوتر، لا تدري ما الذي سيأتي به هذا الحوار.
التفت إليها بجدية، فتراجعت خطوة إلى الوراء بخوفٍ لا إرادي.
قال بصراحةٍ قاسية: “إنتِ عارفة أنا اتجوزتك ليه؟”
صمتت. لم تجب.
تابع: “أنا اتجوزتك عشان عم ثائر. إنتِ مش عارفة هو عمل معاي إيه بعد وفاة بابا؟ هو الوحيد اللي فضل جنبي وسندني، وأنا مهنش عليا أشوف كسرته ومعملش حاجة. قلت يمكن بجوازنا أعرف أخليه يرتاح شوية، وأخفف عنه الضغط، ويطمن أكتر… مكنتش أعرف…”
وسكت، وكأن الكلمات التالية أثقل من أن تنطق.
سألته بدموعٍ في حلقها: “مكنتش تعرف إيه؟”
أكمل بلهجةٍ حادة لكنها ليست عنيفة: “زينب، هكلمك بصراحة، وأنا عمري ما كدبت عليكِ. دائمًا كنت واضح وصريح معاكي، مش كده؟”
أومأت بصمت.
تابع: “أنا اتحملت إنك تكوني غلطتي قبل جوازنا، وكنتي حامل.”
نزلت دموعها بغزارة، وزادت شهقاتها، لكنه لم يتوقف.
قال ببرودٍ مؤلم: “عديت الكلام ده عشان قبل ما تكوني مراتي وعلى اسمي، وقلتلك أنا عملت كده عشان أبوكي يستاهل الستر… بس حكاية إني أدخلك بيتي، وأأمنك على أمي، وتسرقي، دي مش هعرف أعديها أبدًا.”
شهقاتها زادت، لكنها لم تنكر، بل كانت عاجزة عن الكلام.
تابع: “إنتِ لو احتجتي حاجة قوليلي، لو نفسك في حاجة اتكلمي. إنتِ مراتي، زي ما نهى مراتي برضو، وليكي حق عليا زيها. بس إنك تسرقي، دي حاجة وحشة أوي. إنتِ صغرتيني أوي قدامهم.”
رفعت رأسها فجأة، وقالت بدموعٍ وتهتهة: “أنا مسرقتش حاجة…”
نظر إليها نظرةً لا تحمل تصديقًا. “مش هضغط عليكي بالحكاية دي.”
وقفت وهي معصبة، هذه المرة بدأت تظهر بوادر الغضب بدل الخوف: “قلتك مسرقتش حاجة! وحياة بابا ما سرقتش حاجة!”
رفع يده كأنه يطلب منها التوقف: “متحلفيش يا زينب.”
قالت بانفعالٍ شديد: “رعد، أنا مقدرة إنك متعرفنيش كويس، ووارد جدًا إنك تشك فيا. بس أنا مش حرامية ولا أنا كدابة!”
تنهد بعمق، وقال بحزم: “الحاجة لقيتها بحاجتك يا زينب، بلا كدب.”
بكت بحرقة وهي تقول: “والله وحياة بابا مش أنا اللي خدتها. إنت مش مصدقني؟ طيب ماشي، مش هتصدقني، بس مش واثق بتربية بابا؟ مش إنت بتحب بابا وبتثق بيه؟”
نظر إليها ببرودٍ مؤلم، ثم قال بوقاحةٍ صريحة: “أنا بحب أبوكي، آه. بثق فيه جدًا، لكن مش بثق فيكي إنتِ، ولا تربيته.”
وتابع بلهجةٍ أقسى: “ما هي التربية اللي تربيتها ما منعتكيش إنك تغلطي، وتسلمي نفسك لحد بالحرام، وتحْملي منه كمان. جايز عم ثائر دلعك زيادة عشان بيحبك، وإنتِ سوقتي فيها.”
هنا انفجرت باكيةً وصرخت: “كدب! كدب والله كدب! أنا محدش لمسني، ومكنتش حامل أصلًا!”
نظر إليها بشكٍّ عميق، وقال: “والحمل اللي أجهضتيه ده اسمه إيه؟ وكلام الدكتور ده اسمه إيه؟ والمستشفى اللي اتنقلتي عليها، اللي أثبتوا إنك كنتِ حامل وخسرتي الجنين، كل ده كدب؟”
رفعت رأسها بكرامةٍ مؤلمة، وقالت بحُرقة: “والله كدب! أنا محدش لمسني، وربنا وحياة بابا، أنا مستحيل أوطي راس بابا أبدًا. أنا قلت له الكلام ده بس، بس هو… هو ما لحقش يتأكد. في اليوم اللي كان هيوديني عشان أكشف، مات.”
ساد الصمت للحظات، وهو ينظر إليها بشكٍّ ممزوج بالحيرة، ثم قال بغموض: “يعني إنتِ دلوقتي… بتقولي إن كل اللي حصل كدب؟”
قالت بدموعٍ وقلبٍ مكسور: “والله، والله، مش عارفة حاجة عن اللي حصلي. والله أنا محدش قربلي.”
وقف وقرب منها خطوة، فقال بهدوءٍ غريب: “إنتِ متأكدة؟”
قالت باندفاعٍ ويأس: “قلتك أنا محدش لمسني.”
فقال: “طيب…” وتحرك نحوها.
تراجعت بخوفٍ وريبة: “إنت بتقرب مني كده ليه؟”
قال ببرودٍ مؤلم: “هتأكد.”
نظرت إليه ببراءةٍ لا تخفي خوفها: “ماشي، أنا هروح معاك أي مستشفى عشان أكشف وتتأكد بنفسك، بس بعدها هتطلقني لو كلامي طلع صح.”
قرب منها أكثر، فتراجعت.
سألت بتوترٍ من نظراته وقربه: “ونروح دكتور ومستشفى ليه؟ أنت شايفني متهمة ولا إيه؟ أنا تحت أمرك، بس مش بهذه الطريقة.”


