
— والقضية رايحة فين يا أستاذة؟
الأستاذة نيفين ردت بنبرة جادة جداً:
— القضايا متقلة أوي يا أحمد… اقتحام وسرقة وإحداث إصابات. بس اسمعني كويس، محامي أهل مدحت رفع قضية بطلان لتنازل المزرعة وبيحاولوا يثبتوا إن التوكيل اتستغل بغرض النصب! الحرب القضائية بدأت بجد، وهما حاشدين كل كروت العيلة ضدنا بكرة في الجلسة.
أحمد بصلي وبص لعلبة الدهب القطيفة اللي كانت في شنطتي، وقال بثقة:
— خلّيهم يحشدوا اللي يقدروا عليه يا أستاذة… اللي معاه الحق والقانون مش بيخاف من كثرة الباطل.
صباح اليوم التالي، كانت قاعة النيابة تغلي كأنها جمر.
الريحة جوة القاعة كانت خليط من الورق القديم، والرطوبة، وتوتر العيون اللي بتبص لبعضها بنظرات كره. أحمد كان واقف جنب المحامية الأستاذة نيفين، دماغه لسه ملفوفة بالرباط، ووشه شاحب بس عينيه كان فيها جمر مش بيطفي. أنا كنت قاعدة على الدكة الخشب وراهم، ماسكة شنطتي اللي فيها علبة القطيفة، ورجلي بتترعش من الخوف.
على الناحية التانية، كان المشهد يرعب.
الحاجة سناء وأخت جوزه سمر واقفين جوة القفص الحديدي. الحاجة سناء كانت باصة للأرض، وشها دبلان، وثوبها اللي كانت بتتفاخر بيه بقى مبهدل ومطرب من بيت النيابة. سمر كانت بتبكي بحرقة وتصرخ كل ما عينها تجي في عين أحمد. وبرة القفص، كان واقف جيش كامل: الحاج متولي، وإخوات مدحت الأربعة، ومعاهم تلات محامين كبار العيلة أجرهم مخصوص عشان يقلبوا الطاولة.
وكيل النيابة دخل، وساد الصمت القاتل في القاعة.
بدأت الجلسة، وقام محامي العيلة “الأستاذ فاروق”، راجل في الستينات بصوت جهوري ونبرة فيها مكر وسنين خبرة في المحاكم. وقف قدام منصة النيابة وقال بنبرة تمثيلية مليانة حزن:
— يا سيادة المستشار… القضية دي مش قضية اقتحام ولا سرقة، دي مأساة عائلية تسبب فيها طمع جارف وتدليس! المتهمة الأولى هي أم المجني عليه، مسنة ومريضة، والمتهمة الثانية هي أخته الشقيقة. اللي حصل ليلة الأربعاء كان مجرد محاولة من الأم لاسترداد أموالها وأملاكها اللي استولى عليها ابنها بالتدليس وبنوكيل رسمي استغله ضد إرادتها!
وكيل النيابة بصل لأحمد وبعدين بص للمحامي وقال:
— وإيه قولك في الأشخاص والشوم وكسر الباب وإصابة المجني عليه بتسع غرز في رأسه؟
المحامي فاروق ابتسم بمكر وقال:
— الأشخاص دول هما أقارب زوج الابنة، اتدخلوا بشهامة لما عرفوا إن الابن بيحاول يهرب بأموال العيلة ويبيع أرض المزرعة بربع تمنها لحساب زوجته الغريبة! وما حدث من إصابات كان نتيجة اشتباك بالأيدي ودفاع عن النفس بعد ما الابن هدد الجيران! ونحن نطالب بالإفراج الفوري عن المتهمتين بأي ضمان، ونقدم دعوى بطلان للتوكيل واسترداد الأموال المهربة لحساب الزوجة!
الهمهمات علت في القاعة، والحاج متولي هز رأسه بابتسامة انتصار وهو بيبص لأحمد كأنه بيقوله: “قلتلك العيلة هي اللي هتكسب”.
أنا قلبي سقط، ومسكت في طرف الدكة الخشب. المحامي فاروق قدر بكلمتين يقلب الحقيقة ويخلي المجرم ضحية، ويصور أحمد على إنه الابن العاق اللي نصب على أمه عشان مراته!
في اللحظة دي، وقفت الأستاذة نيفين بكل ثبات، فتحت روب المحاماة الأسود، وحطت حافظة مستندات على مكتب وكيل النيابة بصوت مسموع:
— معالي المستشار… الكلام المعسول والمظلومية المزيفة لا تغير من واقع القوانين والأدلة الجنائية بشيء. نحن لا نتكلم عن ادعاءات شفاهية، نحن نتكلم عن أدلة موثقة بالصوت والصورة، وشهادات النجدة الرسمية!
القاعة كلها سكتت. المحامي فاروق وشه اتغير ونظر للأستاذة نيفين بقلق.
كملت الأستاذة نيفين وهي بتبص لوكيل النيابة بثقة:
— أولاً: التوكيل الرسمي اللي بسببه تم بيع نصيب المتهمة الأولى في المزرعة، هو توكيل إدارة وتصرف موثق بالشهر العقاري من أكثر من عام، وتمت عملية البيع وتسوية القضايا المرفوعة من باقي الورثة بحضور المتهمة الأولى وتحت علمها، والشيك المقبول الدفع المتبقي من البيع موجود بملف القضية ومستلم باسمها!
ثانياً: المتهمون لم يكتفوا باقتحام المسكن في منتصف الليل وفصل التيار الكهربائي، بل حُرر ضدهم بلاغ استغاثة فورية بالرقم 122 نجدة بصوت الزوجة المرتعدة أثناء كسر الباب، وتم تسجيل التفاصيل بالكامل من قِبل غرفة عمليات وزارة الداخلية!
وكيل النيابة بص للأوراق وقال:
— هل تسجيل مكالمة النجدة متاح في الحافظة؟
الأستاذة نيفين ابتسمت ابتسامة حادة وقالت:
— متاح يا فندم… ومرفق معاه تقرير وتفريغ كاميرات المراقبة الخاصة بالصيدلية اللي تحت العمارة! الكاميرات سجلت لحظة وصول المتهمين، صعود الأشخاص بالعتلات والشوم، ولحظة توجيه المتهمة الأولى (الأم) للناس دي بكسر الباب الخارجي!
صدمة نزلـت على القاعة زي الصاعقة.
الحاجة سناء جوة القفص شهقت بصوت عالي وحطت إيدها على بقها، وسمر قعدت على الأرض وبقت تبكي بانهيار. المحامي فاروق وشه جاب ألوان وبدأ يتلعثم وهو بيبص للحاج متولي بغضب مكتوم.
الأستاذة نيفين كملت بكل قسوة قانونية:
— موكلي أحمد لم يدلس ولم يسرق… موكلي دافع عن شرفه وبيته ومال زوجته الشريفة اللي تم سرقته في وضح النهار! والآن نطالب بتطبيق أقصى العقوبة في مواد السرقة، واقتحام مسكن ليلاً، وإحداث إصابات، واستعراض القوة طبقاً للقانون!
— سكون في القاعة!
الوكيل بص للمستندات والتقرير الطبي وتفريغ التفريغ لعدة دقائق، كانت بالنسبة لنا أطول دقائق في حياتنا. أحمد كان واقف ثابت، مش بيتحرك ولا بيهتز، باصص للقفص الحديدي بنظرة مفيهاش أي شماتة، بس فيها حزن عميق على أم وأخت اختاروا الشر على ابنهما.
رفع وكيل النيابة رأسه، وبص للمتهمين وللمحامين وقال بصرامة:
— بعد الاطلاع على التقرير الطبي، وتسجيلات النجدة، وتفريغ الكاميرات، وحافظة المستندات… قررت النيابة العامة:
أولاً: تجديد حبس المتهمين جميعاً، بمن فيهم المتهمة الأولى سناء والمتهمة الثانية سمر، 15 يوماً على ذمة التحقيق!
ثانياً: إحالة القضية إلى المحكمة المختصة بتهمة الاقتحام والسرقة وإحداث إصابات!
ثالثاً: التحفظ على المضبوطات وتكليف الجهات المختصة بإحضار باقي الهاربين!
المطرقة نزلت: “رُفعت الجلسة!”
الصراخ انفجر جوة القفص! سمر كانت بتصرخ وتخبط على الحديد بكل قوتها:
— يا أحمد! حرام عليك يا أحمد! انقذنا يا أحمد أمك هتضيع جوة!
الحاجة سناء انهارت تماماً على الأرض، والعساكر سحبوها لبرة القفص وهي بتعيط بصوت مكتوم وبتبص لإبنها بنظرة رجاء متأخرة جداً.
الحاج متولي وإخوات مدحت هجموا على منصة النيابة بيزعقوا، بس العساكر سدوا الطريق قدامهم. الحاج متولي لف لأحمد، وعينيه كانت بتطلع شرار، وقال بنبرة مليانة غل وتهديد أخير:
— عملتها يا أحمد… رميت أمك وأختك في المحاكم؟ والنعمة الشريفة ما هنسيبك! بكرة لما تتفتح أبواب السجن، هتندم على اليوم اللي فكرت فيه تقف قدام العيلة!
أحمد قرب من عمك متولي بثبات مرعب، وبص في عينيه من غير ما يرمش، وقال بصوت واطي بس يرعب السامع:
— العيلة اللي تكسر القانون وتستبيح بيتي… مش عيلتي يا حاج. واللي يعتدي على مراتي وعلى بيتي، هيدفع التمن للقانون بالملي. وأعلى ما في خيلكم اركبوه!
أحمد مسك إيدي، وشابك صوابعه في صوابعي بقوة، ومشينا في ممر النيابة مرفوعين الرأس وسط نظرات الذهول والغل من العيلة كلها.
لما طلعنا برة مجمع المحاكم والهواء البارد خبط في وشنا، أحمد وقف على السلالم، تنفس بعمق، وبصلي وقال:
— الدهب في أمان، والقانون جاب حقنا يا روضة… بس العاصفة الكبيرة لسه جاية برة المحكمة، وأهل مدحت مش هيناموا الليلة.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


