روايات وقصص

حكايات نور محمد 3

المستشفى كانت ريحتها مطهرات والهدوء فيها يوتر الأعصاب. أحمد كان قاعد على السرير، رأسه ملفوفة برباط أبيض، وكتفه الشمال متثبت، بس نظرة عينيه كانت أشد صلابة من الأوقات اللي فاتت كلها. الدكتور دخل طمنا إن الخياطة في رأسه عشر غرز، والكتف فيه جزع شديد بس مفيش كسر. أنا كنت قاعد جنبه، ماسكة إيده اللي بتترعش من التعب، وكل ما أفتكر المنظر بتاع البلطجية وهما رابطينه، جسمي كله يترعش.

على الساعة تسعة الصبح، والنيابة لسه بتبدأ التحقيق في المحضر، الباب بتاع أوضة المستشفى اتفتح فجأة من غير استئذان.
دخل الحاج متولي، عم أحمد الكبير، ومعاه تلاتة من كبار العيلة. ملامحهم كلها كانت متجهة وناشفة، مفيش في عينيهم أي عاطفة ولا حتى سؤال عن صحة ابن أخوهم المرمي على سرير المستشفى.
الحاج متولي قرب من السرير، وقفت أنا بسرعة ووقفت ورا أحمد. عمك متولي بص لأحمد بنظرة كلها غضب ونطق بصوت جاف زي الحطب:
— حمد الله على السلامة يا أحمد… أظن اللعبة كده زادت عن حدها، والقلم اللي كنت عايز تديه لأمك وأختك تحول لمهزلة العيلة كلها بتتفرج عليها!
أحمد بص لعمك متولي بهدوء، ومسح جبهته بإيده السليمة وقال ببرود:
— الله يسلمك يا حاج متولي. بس هي مش لعبة… دي جريمة ومحاولة أذية، والنيابة هي اللي بتهندم المسألة دلوقتي.
الحاج متولي ضرب عصايته في الأرض بقوة هزت الأوضة وصادها صدى عالي:
— نيابة إيه وزفت إيه اللي بتتكلم عنه؟! أمك الحاجة سناء وأختك سمر بايتين في قسم الشرطة من امبارح! الستات اللي صانوا اسم أباك الله يرحمه يترد بيهم في الأقسام عشان خاطر حتتين دهب وشوية فلوس في البنك؟! انت اتجننت يا أحمد؟!
أحمد اتعدل في قعدته بالعافية، رغم الوجع اللي كان باين في وشه، وبص لعمك متولي في عينه مباشرة وقال بثبات يرعب:
— الستات دول يا حاج… جابوا أشخاص بعتلات وشوم، كسروا باب بيتي في نص الليل، طفوا الكهرباء، ربطوني ونزفوني دم، وكانوا هيؤذوا مراتي عشان ياخدوا فلوس بالسرقة! هما اللي رموا اسم أبويا في الطين لما مشيوا مع الناس دي ورضوا بالسرقة!
عم أحمد قرب خطوة من السرير ووطى صوته، بس النبرة كانت مليانة تهديد صريح:
— اسمع يا أحمد… العيلة ملهاش دعوة بالغلط اللي حصل، بس العيلة مش هتقبل إن سناء وسمر يفضلوا في القسم ساعة كمان. المحامي بتاعنا برة، وحضر إقرار تنازل عن المحضر. هتمضي التنازل دلوقتي، والقضية تتقفل وتطلع أمك وأختك.
أحمد ابتسم ابتسامة سخرية وقال:
— وإذا ممضيتش؟
الحاج متولي بصلي أنا الأول، وبعدين رجع بص لأحمد وقال بوضوح:
— إذا ممضيتش… هتنزل من المستشفى دي تلاقي نفسك برة العيلة تماماً. لا ليك أرض، ولا ليك حق في ورث أبوك الباقي، ولا حد من العيلة هيدخل بيتك ولا يقف معاك في واجب ولا جوار. وهتبقى العيلة كلها خصمك في السوق وفي المحاكم. مش بس كده… أهل مدحت جوز سمر مش هيسيبوك يا أحمد، والصلح بينك وبينهم اتقفل من الليلة دي!
الجو في الأوضة بقى مكتوم بشكل يقطع النفس. التهديد كان واضح وصريح: يا إما يتنازل عن حقه ويسيب أمه وأخته يخرجوا بدون حساب، يا إما يواجه العيلة كلها وأهل مدحت في صراع طويل.
أنا اتدخلت وبكيت وقلت بصوت بيترعش:
— يا حاج متولي حرام عليكم! أحمد كان هيموت امبارح! شوف دماغه وجسمه! انتو ليه جايين تلوموا الضحية وتنسوا إن أمه هي اللي جابت الناس دي؟!
الحاج متولي ما بصليش حتى، وشاور بإيده وهو بيكلم أحمد:

أحمد سكت ثواني. الأوضة كلها كانت مستنية قراره. أنا كنت خايفة عليه، خايفة يسيب حقه عشان خايف من الفضيحة أو من كلام الناس، أو يخاف على حياته وحياتي.
وفجأة… أحمد بصلهم كلهم، ونزع المحلول من إيده بثبات. الدم نزل نقط صغيرة من وريده، بس مفرطش فيها. قام وقف على رجله بالعافية، ووقف قدام عمك متولي وطوله يغطيه:
— أنا اخترت يا حاج متولي…
الحاج متولي طلع القلم والورقة من جيبه وقال بلهفة:
— التنازل أهو…
أحمد مسك الورقة من إيد عمك متولي… ومزقها نصين، وبعدين أربعة، ورمى القصاصات على الأرض قدام جزمهم!
الأوضة كلها اتصدمت. الحاج متولي وشه احمر من الغضب وصوته طار:
— أنت عملت إيه يا مجنون؟!
أحمد نطق بصوت زي الرعد:
— أنا ممضيش تنازل للي استحل دمي وبيت مراتي! أمي وأختي يتحاكموا بالقانون زي أي شخص دخل بيت بشرع اليد والعتلة! وإذا كنتو فاكرين إن العيلة هي اللي بستر الأخطاء وتدعم الغلط، فأنا متنازل عن العيلة دي من الليلة! من النهاردة ماليش عم ولا ماليش عيلة غير بيتي ومراتي!
الحاج متولي رفع عصايته وكان هيضرب أحمد من غيظه، بس الرجالة اللي معاه مسكوه بالعافية. الحاج متولي زعق وهو بيتسحب لبرة الأوضة:
— والله لتندم يا أحمد! والله لتتدفع تمن الكبرياء ده غالي أوي! انت ومراتك مش هتعرفوا تمشوا في الشارع بعد النهاردة!
خرجوا وقفلوا الباب وراهم برزع هز المستشفى كلها.
أحمد قعد على السرير وهو بينهج من التعب والوجع، أنا جرت عليه وحضنته وأنا ببكي بحرقة:
— ليه عملت كده يا أحمد؟ كانوا هيقتلوك! العيلة كلها بقت ضدنا دلوقتي!
أحمد مسك وشي بإيديه، وعينيه كان فيها ثبات عجيب وقوة ما شفتهاش فيه قبل كده:
— الحق مافيهوش نص نص يا روضة… لو كنت تنازلت النهاردة، كانوا هيدخلوا بيتنا بكرة وياخدوا اللقمة من بقنا ويقولوا “عيلة”. اللي يرضى بالإهانة مرة يعيش طول عمره مكسور. الدهب رجع، والفلوس حماها القانون باسمك، واللي أخدوه النهاردة هيعلم فيهم طول عمرهم.
في اللحظة دي، جرس التليفون رن… المرة دي كان الأستاذة نيفين المحامية.
أحمد فتح السبيكر، وجاء صوتها السريع والواضح:
— أهلاً يا أستاذ أحمد… أنا في النيابة دلوقتي. التحقيقات شغال، وأمك وأختك المعاينة أثبتت وجودهم في الشقة وقت الاقتحام، والنيابة أصدرت قرار بحبسهم 4 أيام على ذمة التحقيق!
أحمد تنفس بعمق وقال:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى