عام

زوجتى الجديده

حكايات زهره

​سميرة دخلت الأوضة تجري على صوت صراخي، أول ما شافتها واقفة على الباب، وقالت ببرود ومط شفايف: “في إيه يا راجل جرى لك إيه؟ بتدلع عليك يعني؟ ده فيلم عشان تصالحها!”
​ما حستش بنفسي، زقيتها بإيدي زقة طيرتها لبرة الأوضة، وشلت بنتي بين إيديا.. كانت خفيفة زي الريشة، خست لما لم يبق منها غير العظم. نزلت جاري بيها على السلالم وأنا بنهت وببكي وبصرخ في الشارع: “لحقوني! بنتي بتموت! حد يطلب إسعاف!”
​ناس من العمارة والشارع اتجمعوا وحطوها معايا في أول عربية أخدتنا على المستشفى. طول السكة كنت ماسك إيدها الساقعة وأبوسها، وأقولها: “فتحي عينك يا حبيبتي، ضربتك بالغالط والله، اضربيني انتي، افعلي فيا اللي يعجبك بس متسبنيش.. أنا ماليش غيرك يا زهرة!”
​وصلنا الطوارئ، الدكاترة والممرضين أخدوها مني تجري على جوة، وقفلوا الباب في وشي. فضلت واقف برة ألطم على وشي وأضرب رأسي في الحيطة. سميرة جت ورايا المستشفى، وقفت بعيد ومسكت إيدي وتقولي: “اهدى يا حبيبي، إن شاء الله كويسة، متعملش في نفسك كده عشان حتة بنت بتعمل شو..”
​بصيت لها ونظرتي كانت كفيلة تخليها تسكت وتمشي خطوات لورا. كانت أول مرة أشوفها على حقيقتها.. شيطان مش بني أدمة!
​بعد نص ساعة، خرج الدكتور.. كان ماشي بخطوات تقيلة، وشه مفيش فيه نقطة دم، ماسك ملف في إيده ونزل نظارته وبصلي بنظرة انكسار ورحمة.
​جريت عليه: “خير يا دكتور؟ بنتي قامت؟
تصحي وتتكلم صح؟”
الدكتور حط إيده على كتفي وتنهد بحسرة وقالي: “شد حيلك يا حاج.. البقاء لله.”
​الكلمة نزلت على دماغي زي المرزبة، الدنيا دارت بيا، والأرض اتفتحت تحت رجلي. مسكته من البالطو وأنا بصرخ: “لأ! لأ انت بتكذب! هي كانت نايمة بس! انتوا مش دكاترة! بنتي ماتت إزاي؟ كانت أخذت سم؟ بلعت دوا؟ قول لي ماتت بإيه؟!”
​الدكتور هز رأسه بأسى ونزل عينيه في الأرض وقال كلمتين قطّعوا قلبي ميت حتة:
“لا أخذت دوا ولا سم يا حاج.. بنتي ماتت بحاجة أصعب بكثير. الطب الشرعي والتحاليل المبدئية بتقول إن قلبها وقف.. توقف حاد في عضلة القلب. البنت ماتت من كثرة الزعل والقهر! جاليوم جاف، وجسمها ضعيف جداً من سوء التغذية، والضغط النفسي الشديد أدى لمتلازمة القلب المكسور.. بنتي ماتت مقهورة يا حاج! الزعل قتلها.”
​”ماتت مقهورة..”
الكلمة دي فضلت ترن في ودني، وصوت صدح في دماغي: “أنا اللي قتلتها.. أنا اللي كسرها بالقلم.. أنا اللي بعتها عشان وحدة ما تسواش.”
​رجعت البيت بعد المدافن، كنت زي الجثة الحية. البيت كان فاضي ومظلم، ريحة زهرة كانت في كل حوتة. دخلت الصالة، لقيت سميرة قاعدة، وفتحت المطبخ بتعمل لنفسها أكل عادي جداً، ولا كأن في روح راحت بسببها.
​أول ما شافتني، جت عليا بتمثيل وقالت: “البقاء لله يا حبيبي، شد حيلك، ربنا يعوضنا.. وإن شاء الله نجيب ولد يشيل اسمك و–”
​ما خليتهاش تكمل.. مسكتها من قميصها وعينيا كانت بتطق شرار، وصرخت في وشها بصوت هز الحيطان: “تعوضيني؟! تعوضيني عن
بنتي اللي قتلتوها انتي وأنا؟! انتي شيطانة! دخلتي بيتي خربتيه وسحبتي مني أغلى ما أملك! أنا نسيت ربنا ونسيت أمانتي عشان وحدة زيّك!”
​سميرة اتخضت وبدأت تصرخ: “انت بتزعقلي أنا؟ هي اللي كانت نكدية وماتت بموتة ربنا، أنا ذنبي إيه؟!”
​”ذنبيك إنك سوسة!! ذنبك إنك كرهتيني في بنتي! انتي طالق! طالق بالثلاثة يا سميرة! أخرجي من بيتي وما شوفش وشك ليوم الدين! غورررري!”
​طلعتها برة الشقة برميا لشنطتها في السلم وقَفلت الباب في وشها للابد، وصوت صراخها وعويلها بقى ولا يفرق معايا بربع جنيه.
​بقيت لوحدي في البيت.. البيت اللي بقى قبر.
​أنا دلوقت عدى على الموضوع ثلاث سنين.. ثلاث سنين وأنا عايش في جهنم على الأرض. سبت شغلي، وما بقيتش بخرج من البيت غير عشان أروح المقابر وقاعد بالساعات عند قبرها، أبل التراب بدموعي وأترجاها تسامحني: “سامحيني يا زهرة.. حقك عليا يا بنتي.. أنا اللي قتلتك بإيدي.”
​دخلت أوضتها، كل حاجة زي ما هي.. كتبها، شنطتها، وكتبت في أجندتها الصغيرة جملة واحدة بصافحتها الأخيرة بتاريخ اليوم اللي ضربتها فيه:
(يا رب خذني عندك عند أمي.. بابا ما بقاش يحبني).
​كل ليلة بمسك الأجندة دي وأبكي لحد ما عيني تتصفى من الدموع. الندم بأكل في جسمي وفي روحي كل ثانية، وعرفت إن أكبر ذنب ممكن يعمله الأب، إنه يفضل شهوة قلبه على الأمانة اللي ربنا حطها في إيده. أنا عايش بس مستني الموت، مستني اليوم اللي أروح فيه لربنا، ومش خايف من الموت.. أنا خايف من اللحظة اللي هقابل فيها زهرة وأمها، ومش عارف هبص في عينيهم إزاي!

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى