
فتحت الباب على آخره وزقيته برة الشقة، وقفلت الباب بالمفتاح.. تكة، اتنين، تلاتة.
قعدت على الأرض ورا الباب مباشرة. المسافة اللي بيني وبين الحرية كانت التكة دي. الدموع اللي حبستها طوال الساعات اللي فاتت نزلت أخيرًا، بس مكنتش دموع حزن ولا ضعف.. كانت دموع غسيل لسنوات من السذاجة.
تليفوني رن تاني.. المرة دي كان رقم غريب. فتحت الخط وسكت.
جاني صوت ست متوترة، بتحاول تبان قوية بس الخوف باين في نبرتها.. كانت “شيرين”:
“ألو.. مدام هناء؟ أنا شيرين.. أعتقد إننا محتاجين نتكلم ونحل الموضوع ده عقلاني من غير قضايا وفضايح..”
مسحت دموعي، وقمت وقفت على حيلتي، وبصيت في المراية اللي في الصالة، وقُلت بثبات:
“نتكلم؟ لا يا شيرين.. الكلام كان زمان. دلوقتي الدور عليكي أنتِ والحجة زكية.. ورجعي لي بقى البلوزة اللي كنتِ لابساها، أصلها شكلها رخيص أوي.”
قفلت السكة في وش “شيرين” وسحبت نفس طويل. الصوت اللي كان بيهتز جوايا طوال الساعات اللي فاتت أختفى تماماً، وحل مكانه هدوء غريب.. هدوء الموتى اللي بيسبق العاصفة.
بصيت للموبايل، كانت الساعة قربت على 2 بعد نص الليل. التليفون مابطلش رن؛ رسائل من أشرف بيتوسل فيها ويترجى، ورسائل تهديد متدارية من أخوه الكبير “سامي” بيكلمني فيها عن الأصول والعيب، واتصالات متكررة من أرقام غريبة واضح إنها تبّع عيلة “شيرين”. مسكت الموبايل وبدءاً من اللحظة دي، عملت حظر لكل رقم يحاول يوصل لي. أنا مش في مرحلة عتاب ولا كلام، أنا في مرحلة تنفيذ.
طلعت من الصالة ورفعت سماعة التليفون على “محمود”، أخويا الصغير اللي عايش في الإسكندرية. محمود هو السند الوحيد اللي فاضل لي بعد وفاة بابا.
أول ما سمع صوتي وقصيت عليه القصة في دقائق، حسيت بدمه بيغلي عبر الخط:
“أنا جاي لك حالاً يا هناء.. ساعتين وأكون عندك في أكتوبر، والنعمة ما هسيب ابن زكية ده يلمس قشة واحدة من البيت ولا المحل!”
“تعال يا محمود.. بس مش عشان نضرب ولا نعمل فضيحة. إحنا هنلعب بالقانون، والقانون بيكسر الضهر أكتر من الشوم.”
ساعتين بالظبط، كان محمود عندي. حضنني وحضن مريم اللي كانت نامت من كتر التعب وهي ماسكة فيا. وجود محمود اداني طاقة أقف على رجليا تاني. قعدنا لحد أذان الفجر بنرتب الأوراق: عقد الملكية، التوكيل العام، حركة الحسابات البنكية اللي سحبتها الصبح، والفيديو اللي بيكشف كل خططهم.
مع شروق شمس اليوم الجديد، الساعة 8 الصبح، كنت واقفة مع محمود والأستاذ سامح المحامي قدام بوابة المحل اللي في الشارع التجاري. المحل ده أنا اللي وقفت فيه، وأنا اللي اخترت بضاعته، وأنا اللي شيلت ديونه زمان لما أشرف كان بيخسر.
أول ما وصلنا، لقينا القفل أتقص!
دخلنا الشقة الملحقة بالمحل، لقينا أشرف قاعد جوه ومعه أخوه سامي وواحد تاني من طرف شيرين. كانوا نازلين تفريغ في الفواتير وبيدوروا في الدفاتر زي الفيران، يحاولوا يلاقوا أي ثغرة أو يهربوا البضاعة الغالية قبل ما أتحرك.
أشرف أول ما شافني، وقف بسرعة ووشّه اتغير:
“هناء؟! أنتِ إيه اللي جابك هنا؟ المحل ده اسمي مكتوب عليه!”
دخل الأستاذ سامح بثقة، وطلع ورقة رسمية من شنطته ورزعها على الترابيزة قدامهم:
“كان اسمك مكتوب عليه يا أستاذ أشرف.. دلوقتي المحل بجميع محتوياته وبضائعه ومستحقاته تحت الحراسة القضائية بناءً على طلب المدعية المدام هناء، بموجب التوكيل العام وعقود الشراكة وإيصالات الأمانة اللي محررها بذمتك.”
أخوه سامي قام ورفع صوته وجاي يتطاول:
“جرى إيه يا محامي أنت؟ أنت جاي تهددنا في ملكنا؟ الست دي ملهاش حاجة عندنا، وأخويا سيبها بالتي هي أحسن، إنما الشغل والفلوس دي حقتنا!”
محمود أخويا قرب منه بخطوة واحدة ورزعه بالرجل في الترابيزة اللي بينهم:
“حسك ما يعلاش على أختي يا سامي! كلمة زيادة وهخلي الشرطة اللي واقفة برة العمارة تطلع تشيلكم بتهمة السرقة وكسر أقفال محل صادر فيه قرار حراسة!”
أشرف بصلهم برعب، والتفت ليا بصوت مكسور:
“هناء.. هتوصلينها للشرطة والمحاكم؟ إحنا بيننا عشيرة وبنت!”
قربت منه وشفت في عينيه الخوف الصريح.. الخوف من الضياع، الخوف من إنه يرجع لـ “صفر” بعد ما كان فاكر إنه هيتجوز الست الغنية ويبدأ حياة مرفهة على حسابي.
“العشيرة أنت قتلتها لما خلتني أجي لحد باب أمك وأسمعك بتبيعني بدم بارد، والبنت أنت نسيت وجودها لما كنت واقف مع الست الصفراء قدام عينيها. الفلوس اللي كانت في البنك؟ طارت يا أشرف.. سحبتها بياض. المحل؟ اترفع عليه قضية تمكين وحراسة. والشقة اللي في أكتوبر؟ غيرت كالونها الصبح والشرطة معاها خبر إنك برة البيت.”


