Uncategorized

بقالى 6 سنين بدفع فاتورة الميه 1

بصيت له.

— ولا حاجة.

— ولا البيت؟

سكت.

— ولا الفلوس؟

— ولا حاجة.

— أمال عملتي كده ليه؟

قلت:

— عشان ما كانش ينفع أسيب ست عندها 84 سنة من غير ميه.

طارق قال بغضب:

— أمي كانت ضعيفة وسهل التأثير عليها.

الكلمة دي استفزتني.

قلت له:

— أمك كانت كبيرة في السن، آه. لكن عمرها ما كانت ضعيفة.

المحامي بص لي وقال:

— طيب، عندك أي دليل إن السيدة فاطمة كانت واعية تمامًا لقراراتها المالية؟

فضلت ساكتة ثواني.

وبعدين قلت:

— عندي حاجة.

دخلت البيت.

فتحت درج قديم في دولابي.

وطلعت ظرف بني مقفول بالشمع.

الحاجة فاطمة كانت ادتهولي قبل وفاتها بحوالي شهر.

وقالت لي:

— نادية، خلي الظرف ده عندك. وما تفتحيهوش مهما حصل.

وقتها سألتها:

— طب لو حصل لك حاجة؟

قالت:

— ساعتها هتعرفي تسلميه لمين.

ما سألتهاش أكتر.

رجعت للصالون وحطيت الظرف قدام المحامي.

طارق بص له باستغراب.

— إيه ده؟

قلت:

— الحاجة فاطمة ادتهولي.

المحامي أخده.

فك الشمع.

طلع أول ورقة.

بدأ يقرأ.

قرأ السطر الأول.

وبعدين رجع قرأه تاني.

وشه اتغير.

طارق قال:

— في إيه؟

المحامي ما ردش.

كمل القراءة.

وبعدين رفع عينيه ببطء ناحية طارق.

وقال:

— طارق… والدتك كانت موثقة كل حاجة.

طارق اتوتر.

— موثقة إيه؟

المحامي قلب الورقة.

— الفلوس اللي خرجت من حسابها خلال آخر أربع سنين.

طارق ابتلع ريقه.

— وإيه علاقتها بنادية؟

المحامي بص له في عينه وقال:

— نادية ما أخدتش من والدتك جنيه واحد.

سكت لحظة.

وبعدين أضاف:

— لكن فيه شخص تاني أخذ منها مبلغًا كبيرًا جدًا… ووالدتك كانت محتفظة بكل الأدلة.

طارق وشه اتغير.

— مين؟

المحامي ما ردش.

قلب الصفحة التالية.

وكان أول اسم ظاهر عليها…

اسم طارق نفسه.

والأسوأ من كده…

إن الحاجة فاطمة كانت كاتبة بخط إيدها جملة قصيرة تحت الاسم:

«ابني كذب عليّ، وسرق فلوسي، ولما عرف إني اكتشفت الحقيقة حاول يثبت إني بقيت غير قادرة على اتخاذ قراراتي.»

طارق اتجمد مكانه.

أما أنا…

فبدأت أفهم ليه الحاجة فاطمة أصرت إني ما أفتحش الظرف إلا بعد وفاتها.

لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها…

إن الورقة الأخيرة في الظرف كانت هتفسر ليه الحاجة فاطمة كتبت اسمي أنا تحديدًا في وصيتها الجديدة.

وليه اختارتني أنا، رغم إننا مجرد جارتين.

فماذا تركت لي الحاجة فاطمة؟ ولماذا كان ابنها يحاول اتهامي بالتحديد قبل أن يعرف ما في الظرف؟

وقفت في منتصف الصالون وعيناي تتنقلان بين وجه المحامي الأستاذ سامح ووجه طارق الذي تحول من الحمرة الناجمة عن الغضب إلى صفار قاتم يبدو كالموت. صمتٌ ثقيل أطبق على المكان، لم يكن يقطعه سوى صوت أنفاس طارق المتلاحقة وهو يحاول استيعاب ما يجري.

المحامي رفع نظارته قليلاً، وهز رأسه وهو يقلب بين الأوراق التابعة للتقرير المالي المرفق بالظرف. كانت كل ورقة تحتوي على كشوفات حسابات بنكية دقيقة، وتحويلات سريعة، وإيصالات استلام مبالغ نقدية تُثبت أن طارق كان يسحب أموال أمه على فترات متباعدة، يستغل ثقتها وغياب جوزها، ويوقع نيابة عنها أو يدفعها للتوقيع على أوراق تصفية لبعض شهادات الاستثمار بحجة استثمارها في مشاريع وهمية.

قال المحامي بصوت هادئ ولكنه حاسم :

— يا طارق… والدتك الله يرحمها سجلت التقرير ده عند محامي تاني غيري، ووثقت كل تحويل بنكي وكل إيصال بأرقام التاريخ والوقت. بل إنها مرفقة هنا تقرير طبي كامل من لجنة ثلاثية جرت قبل سنة واحدة فقط، بتأكد إنها في كامل قواها العقلية، وأنها تعي تمامًا كل تصرفاتها المالية وتفاصيل ممتلكاتها.

طرأت على وجه طارق علامات الذعر، وتراجع خطوة إلى الخلف وكأنه يحاول الهروب من المواجهة، لكنه حاول التماسك وقائلًا بصوت يرتجف:

— الكلام ده غير صحيح! أمي كانت كبيرة… أكيد حد أثر عليها أو كتب الورق ده بدالها!

ردت أنا بصوت ثابت لم أعهده في نفسي من قبل:

— الحاجة فاطمة عمرها ما كانت محتاجة حد يفكر بدالها يا طارق. كانت كل يوم تقعد قدام شجرة الياسمين وتقرأ جريدتها وتتابع حساباتها بالقرش. إنت اللي كنت فاكر إن غيابك عن البيت ومجيك كل كام شهر هيداروا على اللي بتعمله.

المحامي لم يلتفت لاعتراضات طارق، بل قلب الصفحة الأخيرة من الظرف، وكانت عبارة عن ملحق للوصية الرسمية المعتمدة ومكتوبة بخط يد الحاجة فاطمة الواضح والجميل، ومختومة بخاتم الشهر العقاري. بانت على وجه المحامي دهشة جديدة وهو يقرأ السطور، ثم أخرج زفيرًا طويلاً ونظر إليّ مباشرة.

قال المحامي:

— مدام نادية… الحاجة فاطمة لم تترك لك البيت كما كان يظن ابنها، ولكنها كتبت شيئًا آخر كليًا.

تسمرت في مكاني، بينما اندفع طارق للآمام وهو يقول بغضب:

— كتبت لها إيه؟ كتبت لها الفلوس؟

المحامي وضع يده على الصفحة وقال بصوت مسموع:

— الحاجة فاطمة جعلت المنزل كوقف خيرى مستقل تحت إدارة وإشراف مدام نادية طوال حياتها، ليكون مأوى للأرامل والمسنات اللاتي لا يجدن من يرعاهن، بشرط ألا يُباع البيت أو يُورث لطارق أو أي من ورثته، نظرًا لاستيلائه مسبقًا على ما يعادل نصيبه الشرعي وزيادة من أموالها بالباطل خلال حياتها.

ثم توقف المحامي قليلاً وأكمل القراءة:

— وأوصت الحاجة فاطمة بأن تُخصص جميع عوائد الشقة المملوكة لها في وسط البلد لسداد كافة الفواتير والمصاريف التي دفعتها نادية طوال الست سنوات الماضية، مع رد كل مليم أُنفق عليها بالكامل مرفقًا بشكر خاص على حفظ كرامتها وعدم إحراجها.

ساد الصمت من جديد. تجمعت الدموع في عيني وأنا أتذكر كلامها لي دائماً وهي تجلس في البلكونة: “يا نادية، الست لما تكبر في السن مش بتحتاج شفقة، بتحتاج تحس إنها لسه ليها قيمة وما تتقلش على حد”.

طارق انقبض وجهه وتغيرت نبرته تمامًا، متراجعًا عن لغة ليتحول إلى رجاء مرتبك ومخاتل:

— أستاذ سامح… أكيد الوصية دي فيها بطلان! إزاي توهب البيت وتطلعني من كل حاجة؟ أنا ابنها الوحيد!

رد المحامي وهو يغلق الملف بصرامة:

— التقرير الطبي المرفق والأدلة الموثقة على المبالغ التي أخذتها بدون وجه حق تحميان الوصية تمامًا من أي طعن يا طارق. والدتك أخذت احتياطاتها كاملة لأنها كانت تعلم أنك ستأتي فور وفاتها محاولاً التشكيك في أهليتها واستغلال من حولها.

الآن وضحت لي الرؤية تمامًا. عرفت لماذا كان طارق يحاول اتهامي منذ اللحظة الأولى؛ لم يكن ينقب عن الحقيقة، بل كان يحاول استخدام دفعي للفواتير كذريعة لإثبات أن أمه كانت غير قادرة على إدارة شؤونها المالية وأنني استغللتها، ليطعن في أهلية أمه وينقض الوصية التي كان يعلم أو يشك أنها حرمته من البيت الذي طمع فيه.

وقف طارق ينظر إليّ بنظرات غل مكتومة، ثم أخذ يلملم أوراقه وارتباكه، وقال بحدة وهو يتجه نحو الباب:

— الموضوع ده مش ينتهي هنا يا نادية… المحاكم بيننا.

خرج طارق مسرعًا وترك الباب مفتوحًا خلفه، بينما ظل المحامي سامح واقفًا ومسك بالظرف المتبقي وأعطاني إياه بهدوء.

قال المحامي:

— مدام نادية، الأوراق دي أمانة عندك، والوصية نافذة بقوة القانون. الحاجة فاطمة كانت عارفة اختيارها كويس، وعارفة مين اللي صان كرامتها ومين اللي حاول يستغلها.

أخذت الظرف بين يدي وأنا أشعر بثقل الأمانة، لكنني نظرت من الناقية إلى بيت الحاجة فاطمة، إلى شجرة الياسمين التي أزهرت في السور الواطي، وعرفت أن الحكاية لم تنتهِ بعد، وأن مواجهتي مع طارق في المحاكم أو خارجها قد بدأت للتو لتنفيذ وصية جارتي وحماية بيتها.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى