
حكايات الكاتبة ملك إبراهيم… المعازيم على وصول والعروسة مش موجودة.. هنعمل ايه يا ادهم؟ الناس هيقولوا علينا إيه! عروسة ادهم الجارحي هربت منه ليلة الفرح!!”
الصوت كان جاي من كل حتة. كل واحد من العيلة بيرمي كلمة كأنها طوبة، والقلق مالي الفيلا زي الدخان. وادهم.. ساكت.
ساكت سكوت يخوف. عيونه غرقانة في الفراغ، بس عقله شغال زي المكنة، بيدور على مخرج من الفضيحة. مكنش موجوع عشان ساندي هربت، عمرها ما كانت في قلبه اصلا. هي كانت بالنسبة له صفقة، توقيع على ورق، اسم عيلة كبيرة ومشاريع مشتركة مع ابوها. قلبه؟ قلبه طول عمره مقفول، عمره ما دق لحد ومش مؤمن بحاجة اسمها حب.
بس دلوقتي.. صورتُه على المحك. كل مواقع الاخبار واقفة بره مستنية تصور فرح الموسم، وهتتحول في ثانية لخبر شماتة: هروب عروسة ادهم الجارحي.
لازم يبقى في عروسة والفرح يتم.
قام وطلع الجنينة اللي كلها انوار وورد بتتجهز. وهناك، على ترابيزة على جنب، كانت واقفة بنت لابسة يونيفورم الجرسونات، بتجهز الترابيزة بإيدين مرهقة. فجأة رن موبايلها.
ادهم وقف غصب عنه يسمع. صوتها كان واطي ومكسور، بتحاول تكتم عياطها: “ايوه يا ماما.. حاضر.. هجيبلك فلوس الدوا والله.. استحملي بس لبكرة”. فهم من نبرة صوتها المبحوحة ان الدنيا دايسة عليها، انها فقيرة وموحلة، وامها المريضة دي هي كل دنيتها.
قرب منها، عينه بتفحصها من فوق لتحت ببرود رجل أعمال بيقيم صفقة. وسألها بنبرة مباشرة، ناشفة، مفيهاش أي مقدمات: انتي متجوزة؟
سارة اتنفضت كأن كهربا مسكتها. لفت حواليها بتوتر، قلبها وقع في رجلها. ما تعرفش ان ده العريس نفسه، افتكرته واحد من المعازيم التقيلة اللي واصل بدري وبيستظرف وبيعاكسها. الدم طلع في وشها من الغضب والخوف.
زعقت فيه بصوت عالي عشان تداري رعشتها: وانت مالك؟ وازاي اصلا تسألني سؤال زي ده.
ولسه هتلف وتمشي، راح ماسكها من دراعها. مسكة قوية، متحكمة. وساره برد فعل غريزي، من خوف السنين وقهرتها من اي حد يفتكرها سهلة، بدون تفكير لفت ايديها وضربته بالقلم، بكل قوتها، وهي بتصرخ: ابعد ايدك عني.
كانت حاسة إن كل العيون بتبصلها… بتقيسها… بتحاكمها… بتقطع فيها.
بصت بطرف عينها لعيلة أدهم. وشوشهم كلها متجهمة… نظراتهم مليانة استعلاء وكبرياء يسم البدن.
واحدة من قرايبهم همست باحتقار بصوت مسموع قصدا: ـ معقول أدهم الجارحي يتجوز… خدامة؟!
واحدة تانية قالت بسخرية تجرح: ـ دي فضيحة.
أم أدهم كانت واقفة بعيد شوية… وشها متجمد من الصدمة والغضب، عينيها بتطلع شرار.
قربت خطوة وقالت بصوت منخفض لكنه حاد زي السكينة: ـ أدهم… ايه المهزلة دي؟
أدهم رد بهدوء من غير ما يبصلها، عينه لسه على سارة اللي بتترعش جنبه: ـ الفرح شغال يا ماما… والناس موجودة… مينفعش نوقف كل حاجة.
الأب قال بغضب مكتوم، وشه محمر: ـ بس مش على حساب اسمنا!
لكن أدهم قال ببرود يحسم النقاش: ـ اسمنا مش هيتأثر.
وفي اللحظة دي… المأذون قال وهو بيعدل نظارته بتوتر: ـ نبدأ يا جماعة؟
الكل سكت، سكوت تقيل.
المأذون بص لسارة وقال بلطف، شاف خوفها: ـ اسمك ايه يا بنتي؟
سارة ردت بصوت ضعيف، يكاد يختفي: ـ سارة… سارة عبد الرحمن.
المأذون كتب الاسم… وبعدين بص لأدهم. ـ وانت يا عريس… موافق؟
أدهم كان طول الوقت عيونه على سارة. مركز في تفاصيل وشها… في رعشة إيديها… في الدموع اللي واقفة على حافة عيونها ومش راضية تنزل، بتحارب عشان تحافظ على آخر ذرة كرامة.
حس بشعور غريب جواه، شعور أول مرة يحسه، شفقة؟ حماية؟ حاجة بتشده ليها.
البنت دي… خايفة فعلاً. مش بتمثل. مش زي أي حد قابله قبل كده، كلهم كانوا عايزين فلوسه، دي خايفة على روحها.
المأذون كرر سؤاله: ـ يا أستاذ أدهم… موافق؟
أدهم انتبه وقال بهدوء، بس صوته كان أحن شوية: ـ موافق.
سارة بلعت ريقها بالعافية. عقلها كان بعيد عن كل اللي بيحصل، طاير عند أمها.
كانت بتفكر في حاجة واحدة بس… أمها. تخيلت شكلها لما تعرف إن بنتها اتجوزت فجأة… ومن غير ما تقولها… ومن غير حتى ما يكون في فرح حقيقي، اتجوزت كأنها سلعة.
أدهم ابتسم ابتسامة خفيفة، أول ابتسامة صادقة تطلع منه الليلة، وقال:
ـ بالعكس… اللي حصل حاجة كويسة، حاجة حلوة أوي.
أم سارة عقدت حواجبها بعدم فهم، مستنية.
وأدهم بدأ يتكلم معاها بهدوء… حكالها بطريقته، بطريقة رجل كبير ومسؤول، انه شاف في سارة بنت أصيلة ومحترمة، وانه طلبها للجواز، وانها وافقت، وانه عارف ظروفها وعايز يشيل عنها الحمل.
الكلام بينهم طول شوية… باب المكتب كان مقفول… ومحدش سمع إيه اللي اتقال جواه، بس صوته كان هادي ومطمن.
لكن بعد شوية… الباب اتفتح.
وأم سارة خرجت من المكتب. ملامحها كانت مختلفة تماما عن الأول. القلق اللي كان في عيونها اختفى… وحل مكانه ارتياح واضح، وفرحة أم بتشوف بنتها اتسترت، ودمعة امتنان.
كانت بتبص لأدهم بنظرة أم بتدعيله من قلبها وهي بتقول بصوت مبحوح من التأثر:
ـ ربنا يخليك يا ابني.. ربنا يسترك زي ما سترت بنتي.
أدهم قال باحترام، وراسه موطية شوية:
ـ دي أقل حاجة أقدر أعملها يا طنط، سارة تستاهل أكتر من كده.
في اللحظة دي… سارة كانت واقفة فوق عند السلم، سامعة صوت أمها، قلبها هيقف.
أول ما شافت أمها… كل الخوف اللي جواها اتحول لفرحة طفلة، صرخت بفرحة مجنونة، فرحة مخلوطة بعياط:
ـ ماما!
وجريت نازلة بسرعة، كأنها بترمي نفسها، والفستان الأبيض طاير وراها.
أم سارة فتحت دراعها، وسارة حضنتها بقوة، بقوة واحدة كانت هتموت من الخوف عليها. الدموع نزلت من عيونها وهي بتقول وبتشهق:
ـ وحشتيني أوي! وحشتيني أوي يا ماما!
أمها مسحت على شعرها بحنان، بتشم ريحتها، وبتطبطب عليها كأنها لسه صغيرة:
ـ وأنا كمان يا حبيبتي، يا قلب أمك انتي.
وبصت لها كويس… وفجأة لاحظت الفستان الأبيض، الطرحة، اللمعة. اتصدمت شوية، بعدت وشها تبص عليها وقالت بدهشة:
ـ هو… انتي لابسة فستان فرح ليه يا سارة؟
سارة اتوترت فجأة، جسمها اتجمد في حضن أمها، وبصت بسرعة لأدهم بعيون بتستنجد بيه، بتقوله الحقني.
أدهم قرب منهم بخطوات ثابتة وقال بهدوء، بابتسامة بتحاول تطمنهم هما الاتنين:
ـ أصل في مفاجأة يا طنطأم سارة بصت له باستغراب.
أدهم قال بابتسامة خفيفة، وصوته فيه فخر أول مرة يحسه:
ـ سارة بقت مراتي.
أم سارة شهقت بدهشة، ايدها على بوقها:
ـ اتجوزتوا؟!
سارة بلعت ريقها بتوتر… وقلبها بيدق، مستنية رد فعل أمها، خايفة تزعق، خايفة تتصدم… لكن قبل ما تتكلم…
أمها ابتسمت فجأة، ابتسامة كبيرة مليانة رضا وفرحة، وقالت بدموع الفرح:
ـ ألف مبروك يا حبيبتي! ألف مبروك يا ضنايا!
وحضنتها تاني بحنان أكبر، كأنها بتبارك الجوازة بقلبها.
سارة اتفاجئت من رد فعلها، حست براحة غريبة، وفهمت إن أكيد أدهم قال لها كلام حلو جوه، طمنها.
أم سارة بصت لأدهم وقالت بامتنان وعيونها بتلمع:
ـ خدت بالي منها يا ابني، خلي بالك منها، دي غلبانة وملهاش غيري.
أدهم هز راسه بهدوء، وعينيه جت في عين سارة للحظة:
ـ أكيد.. في عنيا.
وبعدين قال وهو بيبص لساعته، بيرجع لجدية رجل الأعمال اللي بينظم كل حاجة:
ـ بس دلوقتي لازم نتحرك.
أم سارة قالت بقلق:
ـ على فين يا ابني؟
أدهم رد بحزم حنين:
ـ المستشفى… عشان نبدأ علاجك من النهارده، حالا. مش هنستنى دقيقة.
سارة بصت له بدهشة، قلبها دق بامتنان كبير، حست انه شايل عنها جبل.
أدهم كمل:
ـ كل حاجة متجهزة هناك، أحسن دكاترة مستنيينك.
بعد شوية… العربية كانت ماشية في الطريق، طريق المستشفى منور.
أدهم قاعد قدام جنب السواق، سايق وصامت.
وسارة قاعدة ورا جنب أمها. أمها كانت ماسكة إيديها بقوة، ايديها دافية، ومبتسمة بحنان ورضا وهي بتبص على الفستان.
وقالت لها بهمس، بفرحة أم:
ـ شكلك محظوظة يا سارة… جوزك باين عليه راجل طيب وابن حلال، وشكله هيصونك.
سارة بصت لأدهم من المراية الصغيرة قدامها. شافت انعكاس عينيه في المراية، كان بيبص عليها برضه. قلبها اتلخبط، اتلخبط جامد.
لأنها مش عارفة… هو فعلًا طيب زي ما أمها شايفة؟ ولا مجرد راجل ذكي بيعرف يمشي كل حاجة زي ما هو عايز؟ راجل بيعرف يشتري كل حاجة حتى المشاعر؟
لكن حاجة واحدة كانت واضحة… حياتها مع أدهم الجارحي بدأت… ومافيش رجوع للورا خلاص…. يتبع في الجزء الأخير



