
خرجت من باب الشركة والدمعة متحجرة في عيني، رجليا مش شايلاني والدنيا كلها بتلف بيا. “مطلقة وممشاها بطال”.. الكلمة كانت بتتردد في ودني اللي بيقطع في قلبي. أنا نورا، اللي عشان أربي البنتين الصغيرين بعد ما اتطلقت، اللي بشتغل من ثمانية الصبح لستة بالليل بضمير يهد الجبال عشان أوفرلهم لقمة حلال ونظيفة، يتعمل فيا كل ده؟
أنا بقالي في الشركة دي يادوب ست شهور، دخلت بجهدي وعرقي وبدأت أثبت نفسي بالعافية وسط حيتان المكان. وأول ما دخلت، كان “شريف” موجود هناك.. موظف قديم ومتمكن، الكل بيعمله حساب، شكله ابن ناس ومحترم، ومطلق من غير أطفال. في الأول، كان بيتعامل معايا بنحنحة وشياكة، يرمي كلام معسول، ويظهر إعجابه بأخلاقي وطريقتي، وبحكم إنه قديم في المكان كان بيحاول يعمل فيها الشبح اللي بيحميني ويفهمني الشغل.
بصراحة، في الأول صدقته، قلت يمكن ربنا بيعوضني عن الأيام الصعبة اللي شفتها مع طليقي، ودايمًا كنت أقول لنفسي إنه زميل كبير وبيفهمني.
بس الوش الحقيقي ما اتأخرش كتير عشان يبان. بعد كام شهر، لما حس إن مالوش عين عندي، طلب يوصلني بعد الشغل، وقعد يلف بالعربية في شوارع فاضية، وفجأة فتح الموضوع بوقاحة: “نورا.. إحنا كبار ومجربين، ليه نتكتف بجواز وقرف؟ إحنا ممكن نكون أصحاب في السر ومن غير وجع دماغ!”.
ساعتها الدم غلي في عروقي، ضربت فرامل وصرخت في وشه: “أنت فاكرني إيه يا بني آدم أنت؟ أنا جزمة برقبتك وباللي جابوك! افتح الباب ده وانزل!”. من يومها، قطعت معاه تماماً، وبقيت أدخل الشركة زي الغريبة، لا بكلمه ولا ببصلوش.
بس شريف قديم في الشركة وعارف من أين تؤكل الكتف، وغلّه وحقده عموه لما اتهان مني. بدأت الأقاويل تتسحب بين المكاتب زي الثعابين. الهمس يقل أول ما أدخل الاستراحة، ونظرات القرف والتريقة من بعض الموظفين. “نورا دي لسة جاية بقالها ست شهور.. بتخرج كل يوم بعد الشغل تقابل أشكال وألوان وبتروح بيوت كمان!”.
الموضوع ما وقفش عند حكايات المكاتب، ده كبر ولعن وزاد لما وصل لمكتب “المهندس توفيق”، صاحب الشركة بنفسه.. راجل شديد ومابيرحمش ومابيحبش الشوشرة في مكان شغله.
طلبني مكتبه، ودخلت وراسي مرفوعة بس قلبي بيدق زي الطبلة. أول ما دخلت، لقيت شريف واقف بكل ثقة، وجنبه اثنين من أصحابه القدام في القسم.. “مصطفى” و”سامح”.
توفيق بيه بصل بجمود وقال: “يا نورا.. الكلام اللي بيتقال ده كبر، وأنا مابسمحش بالمهزلة دي في شركتي. أستاذ شريف هنا موظف قديم ومعروف، وبيقول إنه شايف بعينه، وأصحابه معاه شهود.”
التفت لشريف وصرخت: “أنت كذاب وحقير! عشان رفضت أكون صاحبك في السر جاي تتبلى عليا؟”
توفيق بيه ضرب على المكتب بقوة وقال بصوت يهد المكان: “اسكتي! اتكلم يا شريف.. شفت إيه بعينك؟”
شريف حط إيده في جيبه وتكلم ببرود وإتقان يدرس في الخسة: “يا فندم، أنا بقالي سنين هنا وعمري ما اتكلمت في حق حد، بس أنا خايف على سمعة المكان. البنت دي من ساعة ما جت من ست شهور وأنا مراقب تصرفاتها، شفتها بعيني بتركب مع رجالة مختلفة بعد الشغل، وبتروح معاهم بيوتهم، والأستاذ مصطفى والأستاذ سامح شافوها معايا أكتر من مرة وفي مناطق مختلفة.”
مصطفى هز رأسه بخسة وقال: “أيوة يا فندم، أنا شفتها بنفسي نازلة من بيت في الهرم الساعة واحدة بالليل مع واحد غريب.”
وسامح كمل بتمثيل أعمى: “وأنا شفتها بتتقابل مع أشكال غريبة وراء مبنى الشركة يا فندم.”
دموعي نزلت بغزارة وصرخت فيهم: “حرام عليكم! اتقوا ربنا! أنا عندي بنتين نضاف بربيهم بالحلال! ربنا ينتقم منكم كلكم!”
رديت على صاحب الشركة وأنا بترجاه: “يا توفيق بيه، والله العظيم كل ده كذب وتلفيق! اسأل عني من يوم ما دخلت الشركة من ست شهور، أنا عمري طلعت مني العيبة؟ حاول تفهم ده انتقام عشان حطيت حدود!”
بس توفيق بيه بصلي بقرف وقسوة وقال ببرود: “الشهود تلاتة وموظفين كبار يا نورا.. وأنتِ لسة جاية جديد والسمعة الرخيصة دي ماليش مكان ليها عندي. حسابك هيتقفل النهاردة، ومش عاوز أشوف وشك في الشركة تاني. اتفضلي برة!”
طلعت وأنا حاسة إن الدنيا كلها اتطبقت عليا. لميت حاجتي في كرتونة وسط نظرات الشماتة من ناس، ونظرات الشفقة المكسورة من ناس تانية. دخلت بيتي، اترميت في حضن بناتي الصغيرين وأنا بصرخ وببكي بالدموع.. كان السؤال الوحيد اللي بياكل في عقلي: “يا رب.. أنت الحق، كيف تسيب الظلم ده ينتصر؟”
مرت الأيام والأسابيع كأنها سنين.. شهر كامل وأنا محبوسة في شقتي الصغيرة، القهر بياكل في جثتي، والفلوس اللي معايا بدأت تخلص، وبناتي بيسألوني كل يوم: “ليه مش بتروحي الشغل يا ماما؟”.
كنت بالليل بقوم أصلي وأبكي لحد ما الفجر يأذن، أدعي ربنا يظهر حقي وينتقم من اللي ظلمني.
وفجأة.. وبعد شهر بالتمام والكمال من يوم طردي القاسي..
كنت قاعدة في الصالة بالليل، الشقة هادية والبنتين نايمين. تليفوني رن برقم غريب..
#الكاتب_رومانى_مكرم
رديت بصوت مكسور وبحشرجة: “ألو؟”
جالي من الناحية التانية صوت بنت شابة وصغيرة، صوت مألوف جداً ليا.. “هبة”، البنت المتربية الجدعة اللي شغالة فراشة ونظافة في الدور بتاعنا، شابة بسيطة على باب الله بس كانت دايماً تشوفني بتعامل معاها باحترام وأدب.
صوت هبة كان بيمسح بيه الخوف والوتر، وكانت بتتكلم بصوت واطي ومكتوم وهي بتبص حواليها:
“يا أستاذة نورا.. أنسِى كل اللي فات، ولازم أردلك الجميل. أنا معايا سر يقلب الدنيا ويجيب حُقك من شريف ومن الكل، بس المشكلة مش ينفع أتكلم في التليفون خالص ولا حد يعرف إن كلمتك.. أنا عاوزة أقابلك في سر وبأسرع وقت، النهاردة قبل بكرة!”
الجزء الثاني
وقفت في نص الصالة والتليفون على وذني، قلبي كان بيدق بشدة لدرجة حاسس إن بناتي الصغيرين هيصحوا على صوته. نبضات الخوف والرجاء اتخلطوا ببعض، وأنفاسي راحت وتتخطف.
“هبة؟ أنتِ بتتكلمي جد يا هبة؟ سر إيه اللي معاكي؟”
ردت هبة بصوت مهزوش وواطي، وكان باين إنها واقفة في مكان مقفول وبتبص وراها كل ثانية: “والله العظيم جد يا أستاذة نورا.. أنا شفت وسمعت بلاوي، وعارفة إنك مظلومة ومارشاش عليا كسر خاطرك وأنتِ الست الوحيدة اللي كانت بتعاملني بني آدمة في الشركة دي. بس التليفونات مخترقة والحيطان ليها ودان، وشريف وأصحابه عينيهم على كل حاجة. بكرة الساعة تسعة الصبح، تصلي الفجر وتنزلي تقابليني في قعدة عرب عربية الفول اللي جنب محطة المترو البعيدة عن الشركة.. محدش هناك يعرفنا ولا حد هيشك في حاجة.”
قبل ما ألحق أرد أو أستفسر عن أي تفصيلة، سمعت صوت حركة جنبها، وهبة قفلت السكة في وشي فجأة.
فضل الموبايل في إيدي، وصوت صفير التليفون بيرن في ودني. حطيت إيدي على قلبي وقعدت على الأرض جنب السرير، وبصيت لبناتي النايمين في أمان الله.. الدموع اللي كانت ناشفة في عيني بقالها شهر بدأت تنزل تاني، بس المرة دي مكنتش دموع قهر.. كانت دموع أمل ضعيف بيتنفس وسط الظلام.
طول الليل ما غمضليش جفن. كل ما أغمض عيني، أفتكر منظر توفيق بيه وهو بيبصلي بقرف، وصوت شريف وهو بيكذب ببرود، وضحكات مصطفى وسامح الخبيثة. الساعة كانت بتمر كأنها سنة، لحد ما فجر ربنا أذن. قمت صليت ودعيت من كل قلبي: “يا رب، أنت اللطيف، ما تكسرش بخاطري قدام بناتي.”
الساعة تمانية ونص كنت واقفة جنب محطة المترو، لافة طرقتي ولابسة نظارة شمس مغطية ورم عيني من كثر البكاء. كان الجو ساقعة والمكان زحمة وناس رايحة وجاية، محدش داري بالنار اللي شاعلة جوايا. وبعد عشر دقايق، شفت هبة جاية من بعيد، لافة طرحتها وموطية رأسها وبتبص يمين وشمال بمنتهى الرعب. أول ما شافتني، قربت وسحبتني من إيدي وقعدنا على دكة خشب مستخبية ورا شجرة كافور كبيرة بعيد عن العيون.
مسكت إيد هبة وكانت بتترعش، قلتلها بلهفة: “انطقي يا هبة.. ريحي قلبي ربنا يريح قلبك، إيه اللي حصل؟ وإيه السر اللي معاكي؟”
هبة اتنهدت تنهيدة طويلة كأنها بتطلع نار من صدرها، وقالت بصوت خافت: “يا أستاذة نورا.. يوم ما حصلت المشكلة واتطردتي، أنا كنت بنضف الأوفيس الملحق بمكتب شريف ومصطفى. الكلام ده كان بعد طردك بساعتين اتنين بس. أنا دخلت ألم الزبالة وأمسح الأرضية، وكان الباب الوراني بتاع الأوفيس موارب، وشريف ومصطفى وسامح كانوا قاعدين جوة مكتب شريف وبيضحكوا بصوت عالٍ وبيشربوا سجاير وبيحتفلوا.”
قلبي اتعصر وقلت: “بيحتفلوا بإيه؟ بخراب بيتي؟”


