عام

مطلقه بقلم رومانى مكرم 1

هبة كملت وهي بتضيق عينيها: “استني بس يا أستاذة.. أنا أول ما سمعت اسمك، وقفت ورا الباب الثقيل وما أظهرتش نفسي. سمعت شريف بيموت على نفسه من الضحك وبيقول لمصطفى: ‘والله وطلعت مش هينة يا درش، التمثيلية انطلت على توفيق بيه الحمار وصادق كل حرف، والبت اترميت برة الشركة ومحدش هيسمع لها صوت تاني!’. ومصطفى رد عليه وقال: ‘بس العزومة دي ما تكفيش يا شريف.. إحنا شهدنا زور وزورنا شهادة عشان خاطر عينيك، والبت كانت هتفضحك وتوديك في داهية بعد ما ضربتك بالجزمة، إحنا لينا حلاوة كبيرة عند توفيق بيه والترقية اللي وعدتنا بيها’.”

كتمت صرختي بإيدي، وهبة كملت بسرعة عشان تسرد المأساة: “مصطفى قال لشريف: ‘بس قوللي يا شريف، أنت جبت الفيديوهات والصور المفبركة دي منين اللي فرجتها لسامح عشان يقتنع ويشهد معاك؟’.. هنا بقى يا أستاذة نورا كانت الصدمة الكبيرة!”

قربت من هبة وأنا حاسة إن الهوا بيتسحب من ريتي: “فيديوهات إيه وصور إيه؟”

هبة قالت: “شريف قالهم بتبجح: ‘أنا واحد صاحبي شغال في محل صيانة موبايلات، ودخلت على فوتوشوب وبرامج تقطيع فيديوهات، وجبت صور لنورا من على أكونت الفيسبوك بتاعها، وركبت وشها على جسم واحدة ثانية بتركب عربيات بالليل، الفيديوهات شكلها حقيقي مية في المية ومحدش يقدر يفرزها إلا لو خبير بجد! وأنا أخدت الفلاشة دي وفرجتها لسامح ومصطفى قبل ما ندخل للباشا عشان أثبتلهم، بس مالحقتش أفركشها قدام توفيق بيه لأن شهادتكم كانت كفاية والباشا طردها من غير ما يطلب يشوف دليل بَصري’.”

دموعي نزلت بسخونة وفورات غضب غطت على كل حزني: “يعني زوروا صور وفيديوهات في شرفي وعرضي؟ الأوباش دول عملوا فيا كل ده عشان رفضت أكون صاحبته؟”

هبة مسكت إيدي بقوة وقالتلي: “التقيل جاي ورا يا أستاذة.. اللعبة أكبر من كده بكتير. شريف مش بس عمل كده عشان ينتقم منك عشان رفضتيه.. شريف كان مرعوب منك بجد!”

بصلتها بذهول: “مرعوب مني أنا؟ ليه؟ أنا مالحقتش أقعد غير ست شهور وما كنتش بفتح بؤي غير في الشغل!”

هبة قربت أكتر ووسوست في ودني: “عشان أنتِ قبل ما تتطردي بيومين، كنتِ شغال على الفواتير الحسابية المجمعة بتوع قسم المبيعات، وأنتِ بضميرك النضيف حطيتي إيدك على ورقة فيها تضارب في أرقام التوريدات بتاعة البضاعة. أنتِ ساعتها افتكرتيها غلطة مطبعية وسبتي الملف على مكتبك عشان تراجعيه يوم الأحد.. شريف شاف الملف ده على مكتبك بالليل بعد ما مشيتي، وعرف إنك لو راجعتيه هتكشفي إن شريف ومصطفى بقالهم سنتين بيسرقوا الشركة وبيزوروا الفواتير وبياخدوا عمولات من الموردين لحسابهم الخاص! شريف ضرب عصفورين بحجر واحد: انتقم منك عشان رفضتي تتنازلي له، وزقك برة الشركة قبل ما تكشفي الاختلاسات وتوديه السجن!”

الكلمات نزلوا عليا زي الصاعقة. كل المكعبات بدأت تترتب في دماغي. افتكرت فعلاً الورقة اللي كانت فيها فروق أسعار غريبة بين أرقام الفواتير وأرقام المستودع، وافتكرت إن شريف دخل عليا الممر وسألني بفضول مريب: “بتراجعي إيه يا نورا؟” ولما قلتله براجع توريدات السنة، وشه اتغير واستأذن ومشِي.

رديت بنشيج مكتوم: “يا ابن الحرام.. كل ده طلع متدبر؟ بس يا هبة، توفيق بيه صاحب الشركة صدقهم وطردني، وأنا معيش أي دليل يثبت كلامك ده.. كلمة فراشة بسيطة ضد كلمة تلاتة موظفين كبار في الشركة ومسكين أوراق ومراكز!”

ابتسمت هبة ابتسامة فيها دهاء وجدعة أول مرة أشوفها فيها، وفتحت شنطة قماش قديمة كانت شايلاها على كتفها، وطلعت منها حاجة ملفوفة في منديل قماش: “مين قال إن معكيش دليل يا أستاذة؟”

فتحت المنديل، ولقيت جواه كارت ميموري صغير وفلاشة سودا.

بصيت لهبة بشرود: “إيه دول؟”

هبة قالت بصرامة وثقة: “دي الفلاشة اللي شريف كان حاطط عليها الفيديوهات المتبلة والصور المتركبة، وكان ناسيها في الدرج المفتوح بتاع مكتبه يوم الحفلة اللي كانوا عاملينها. أنا دخلت أتمسح وأعمل نفسي بنضف، وسحبت الفلاشة من الدرج من غير ما حد يحس.. مش بس كده! الكارت الميموري ده عليه تسجيل بصوتي أنا.. سجلت لهم الليلة دي كلها من ورا الباب وهما بيباركوا لبعض على طردك وبيتكتموا على الاختلاسات والفواتير المزوّرة!”

شهقت ومسكت الفلاشة والكارت بإيد بتترعش كأني ماسكة طوق النجاة وسط بحر هايج: “يا هبة.. أنتِ عملتي كده عشان خاطري؟ أنتِ عرضتي نفسك للرفض والخراب!”

هبة حطت إيدها على إيدي وقالت بدفء: “أنا أمي علمتني إن الساكت عن الحق شيطان أخرس، وأنتِ يا أستاذة نورا ما شوفتش منك غير كل خير ورحمة. بس الحذر واجب.. شريف والتلاتة دول دياب، ولو حسوا إن الفلاشة دي اختفت، أو إنك معاكي حاجة، مش هيسيبوكي في حالك، وقدامنا حيطة سد ثانية.. المهندس توفيق صاحب الشركة راجل مابيرحمش، وإذا دخلتيله من غير خطة ذكية ومحبوكة، ممكن يرمي الكلام ده في الزبالة وما يصدقش ويبلغ عنك الشرطة بتهمة السرقة أو الابتزاز!”

سكتت لحظة، والدم بدأ يجري في عروقي من جديد. الخوف المكسور اللي كان مسيطر عليا طول الشهر اللي فات تحول لنار عايزة تحرق كل واحد ظلمني وداس على شرفي ولقمة عيش بناتي.

بصيت لهبة وقلت بنبرة جامدة أول مرة أسمعها من نفسي: “توفيق بيه مابيرحمش؟ يبقى لازم نخليه هو اللي يترجاني أرجع، وهو اللي يربط الحبل حولين رقابهم بإيده.. الفلاشة والتسجيل دول كنز، بس مش هنروح بيه لتوفيق بيه في مكتبه بكسرة نفس.. هنروح بطريقة تخليه يتجنن ويشوف الحق بعينه قدام الشركة كلها!”

وقفت على حيلي، وشلت النظارة الشمس من على عيني. الشمس كانت طالعة ونورها ضرب في وشي..

هبة بصتلي باستغراب وقالت: “ناوية تعملي إيه يا أستاذة نورا؟”

رديت وأنا بمسك الفلاشة بقوة في قبضتي: “ناوية أرجع الشركة.. بس مش عشان أترجى حد، ولا عشان أستعطف حد. أنا راجعة أهد المعبد على دماغ شريف وعصابته، وأمسح كرامة كل واحد اتهمني في شرفي بالأرض.. اسمعي يا هبة، أنتِ هتعملي اللي هقولك عليه بالحرف الواحد بكرة الصبح…”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى