روايات وقصص

متجوز اتنين 2

الكاتبه امانى السيد

فضلت واقف في مكاني مش قادر أتحرك، صوت تكة المفتاح في باب الأوضة نزل على دماغي زي المرزبة. بصيت للروشتة اللي في إيدي، وشوفت اسم ابني مكتوب، وتاريخ الليلة اللي فاتت بالساعة والدقيقة.. الساعة اتنين ونص بالليل، في نفس اللحظة اللي كنت نايم فيها وسايب تليفوني مقفول عشان أرضي مرفت.
قربت من الباب وخبطت خبطتين خفاف: «سوسن.. افتحي طيب، خلينا نتكلم، أنا مكنتش متخيل إن الموضوع كبير كده.. افتحي أشوف الواد وأطمن عليه».
مفيش رد. ولا حتى صوت حركة ورا الباب. السكوت كان ألعن من أي شتيمة أو زعيق.
نزلت من الشقة والدم بيغلي في دماغي، حاسس بالذنب وعايز أهرب منه، ومكنش قدامي غير بيت مرفت. دخلت عليها وكنت متعصب ومتنرفز، رميت المفاتيح على الترابيزة وقلت: «شوفتي؟ طلع عنده التهاب رئوي بجد وكان هيروح فيها! شيلتيني ذنب ابني وخلتيني أقف قصاد سوسن شكلي صغار ومسواش!».
مرفت بصتلي ببرود وثبات يفرس، حطت فنجان القهوة على مهلها ورفعت حاجبها، وردت بلسان ينقط سم وبجلافة: «جرى إيه يا عاطف؟ هتعمل عليا نمرة وتلبسني أنا الغلط؟ وأنت كنت هتعرف منين يعني إنه تعبان بجد وهو في الأصل دور برد؟ هي كلمتك بعدها؟ رنت تاني وقالتلك الواد بيموت؟ ما اتصلتش تليفون واحد بعد ما قفلت معاك، ولا بعتت مسج تقول الحقني، يبقى منين كانت الحكاية خطيرة ومستعجلة؟ وبعدين لو هي حنينة وخايفة على ابنها بجد، ليه مكلمتكش من بدري أول ما حسّت بسخونيته؟ ليه استنت لنص الليل وعز النوم عشان ترن وتعمل اللقطة دي وتجرجرك من عندي؟».
بصتلي من فوق لتحت وكملت باستهزاء: «بطل تتهبل وتصدق أفلامها، دي حركات حريم وملاوعة عشان تحسسك بالذنب وتلوى دراعك، وبدل ما تعمل راجل عليا وتزعقلي، روح حاسبها هي على إهمالها اللي سابت الواد لما صدره اتقفل ومكلمتكش من أول اليوم!».
ردها وطريقتها خرسوني.. الست قلبت الترابيزة في ثواني ببرود غريب، طلعت سوسن هي المهملة والكدابة، وطلعتني أنا وهي الضحية، وبدل ما أرد عليها بكلمة، لقيت نفسي ببلع ريقي وبسكت، تائه بين منطقها المسموم اللي دخل عقلي، وبين صوت عياط سوسن اللي لسه بيرن في وداني.
كلام مرفت فضل ينخر في دماغي زي السوس، بدل ما أرجع لضميري، لقيت نفسي ببلع كلامها وبقتنع بيه عشان أهرب من الإحساس بالذنب وأرمي البلا على غيري. الدم غلي في عروقي، ورجعت شقة سوسن وأنا على آخري، فتحت الباب ورزعته ورايا بكل غل، ودخلت خبطت على أوضة العيال برجل وإيد لحد ما فتحت وهي مخضوضة ووشها شاحب.
مزعقتش.. أنا انفجرت في وشها زي المجنون، مسكت الروشتة في وشها وزعقت: «أنتِ بقى عاملة فيها الأم الحنينة والضحية اللي هتموت على ابنها؟ وبتعيشي الدور وتلوي دراعي؟! لو كنتِ أم بجد وبتفهمي، كنتِ سيبتي الواد يوصل لمرحلة الالتهاب الرئوي دي كلها؟ ليه مكلمتنيش من بدري؟ ليه استنيتي لما الليل ليل والساعة بقت اتنين عشان ترني تعملي النمرة دي؟».
سوسن وقفت مبلمة، عينيها وسعت من الصدمة، مكنتش مستوعبة الكلام اللي بتسمعه، وأنا كملت بقسوة وبجاحة تكسر الحجر: «أنتِ واحدة مهملة وفاشلة! سيبتي ابنك يتعب ومرضيش قلبك غير لما استغليتي تعبه ووجعه عشان تنكدي عليا وتجرجريني من عند مراتي! دي غيرة مرضية وسواد في قلبك، عايزة تبوظي عيشتي بأي شكل وخلاص! وأنا هعرف منين إنه بيموت؟ ما اتصلتيش تاني ليه لو كنتِ محتاسة بجد ومستنجدة بيا؟ ولا كنتِ مستنية أجيلك راكع عشان ترضي غرورك المريض؟».
قربت منها وصوابعي في وشها بتهديد وإهانة: «أنتِ ست نكدية وعقربة، بتبهدلي عيالك عشان تفرسي ضرتك، ولو فاكرة إنك بالدراما الرخيصة دي هتكرهيني في مرفت أو هترجعيني ليكي، تبقي بتحلمي.. أنتِ كل يوم بتثبتيلي إنك متستاهليش حتى ريحة الشفقة، وإن العيشة معاكي جحيم!».
سوسن كانت باصة في عيني ودموعها نشفت تماماً، ملامحها اتحولت لحجر.. كأنها كانت مستنية تشوف لآخر مدى قذارتي هتوصل لفين. سكتت خالص، مخرجش منها ولا حرف ولا حتى صرخة دفاع، بصتلي من فوق لتحت باحتقار يوجع أكتر من أي رد، وقامت قافلة الباب في وشي بهدوء قاتل، كأنها قفلت الباب على جثة ميت معدتش تفرق معاها في حاجة.
لسه هلف ضهري عشان أخرج وأنا بنهج من كتر الزعيق، لقيت باب الأوضة بيتفتح ورايا بهدوء. لفت وبصيت، لقيت سوسن خارجة، في إيديها دوسيه فيه تقارير التحاليل وأشعة الصدر مع الروشتة.
وقفت قصادي، ملامحها كانت خالية تماماً من أي انفعال، عينها ثابتة في عيني بجمود يرعب، ومدت إيدها بالورق من غير ما تترعش وقالت بصوت واطي بس حاد زي السكينة: «خلصت وصلة الردح والاتهامات اللي اتمليت بيها وجاي تفرغها فيا؟.. خد، اقرأ تاريخ الكشف وتوقيت التحاليل، واقرأ التقرير اللي بيقول إنه دخل الطوارئ محجوز على أكسجين ومحاليل من الفجر».
سكتت ثانية، وبصت في أنحاء الصالة الفاضية، ورجعت بصتلي بقرف عمر ما شفته في عينيها قبل كده: «أنت جيت هنا الصبح، ومشيت، ورجعت تاني دلوقتي عشان تزعق وتهين وتقل بأصلي وأصل أمي.. بس مهنش عليك تسألني ابنك فين؟ مكلفتش خاطرك تبص في الأوضة وتشوفه نايم، تعبان، ولا حتى عايش؟ ولا سألت بنتك فين واختفت فين من الصبح في وسط الكارثة دي؟».
قربت خطوة واحدة وحطت الدوسيه في إيدي بالعافية، وكملت ببرود حرق دمي: «ابنك محجوز في المستشفى تحت الملاحظة ومخرجش، وبنتك سايباها عند جارتنا عشان أعرف أرجع ألمله هدوم وغيار، وأنت.. دخلت وخرجت مرتين، كل اللي فارق معاك تبرأ نفسك وترضي الست مرفت، حتى مكلفتش نفسك تبص في الشقة وتكتشف إن عيالك الاتنين مش موجودين فيها أصلاً!».
الكلام نزل عليا زي صاعقة كهربة شلت لساني، بصيت حواليا في الصالة وفجأة انتبهت للسكوت القاتل اللي في البيت.. مكنش في صوت تنفس عيل، ولا لعب، ولا حتى حركة في أوضة الأطفال. حسيت الأرض بتميد بيا، والورق في إيدي بقى وزنه أطنان، ولساني اتعقد ومش لاقي كلمة واحدة أرد بيها وأنا واقف عريان من كل معاني الرجولة والأبوة قصادها.
فضلت واقف متنح في مكاني، ريقي نشف والورق بيترعش في إيدي. بصيت لباب الأوضة المفتوح اللي كانت طالعة منه، واكتشفت إن الشنطة الصغيرة بتاعة غيارات المستشفى محطوطة جنب الباب جاهزة.. يعني هي دخلت الأوضة عشان كانت بتلم هدوم ابنها اللي مرمي بين الأجهزة، وأنا مفكرها قافلة على نفسها تكيدني.
حاولت أجمع حرفين على بعض، لساني كان تقيل كأنه مربوط بحبل، قلت بصوت مهزوز ومخنوق: «سوسن.. أنا.. والله ما كنت أعرف إنه محجوز.. أنا افتكرت..».
قاطعتني بحركة إيد باردة وفيها استحقار ما شوفتش زيه في حياتي، وقالت بنبرة مفهاش حتى عصبية، مجرد زهد تام: «ماتبررش يا عاطف.. اللي في قلبه ذرة رحمة أو أبوبة كان شم ريحة الخطر على عياله، كان سأل: الواد فين يا سوسن؟ البت فين يا سوسن؟ إنما أنت جيت عينك مش شايفة غير نفسك، وودنك مش سامعة غير صوت مرفت، وبؤك مبيطلعش غير سمها».
شالت شنطة الهدوم من على الأرض، وعلقتها على كتفها، وطلعت مفاتيح الشقة ومسكت أوكرة باب الشارع، وقبل ما تفتح، لفت وبصتلي نظرة أخيرة خلتني أحس إني أصغر من النملة في عينيها:
«أنا رايحة لابني المستشفى.. وأنت، اخرج اقفل الباب وراك وروح لحياتك ولمرفت.. متجيش المستشفى، ومتدورش علينا، لأنك لو جيت هطلبلك الأمن يطردك برة، ابنك لما يفتح عينه مش محتاج يشوف أب رخصه وباعه في نص الليل عشان يثبت حبه لوحدة تانية».
فتحت الباب ونزلت على السلم بخطوات ثابتة وسريعة، ورزعة باب العمارة تحت كانت زي رصاصة الرحمة على اللي باقي من كرامتي.
فضلت واقف في الصالة لوحدي، البيت فاضي ومفيهوش غير صوت أنفاسي المكتومة، بصيت على التحاليل في إيدي وشوفت اسم المستشفى ورقم الأوضة، وحسيت فجأة بسكين تلمة بتقطع في قلبي.. حسيت بالعمى اللي كنت عايش فيه، وعرفت إن في حاجات لما بتتكسر، مبترجعش تتصلح تاني أبداً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى