
“هاشم… سليم ابني اتعور، وحقك وحق أمك على رأسي، بس أنت كده بتهد بيتنا عشان لحظة . ما تحطش رقبتي تحت المقصلة وتطلب مني أختار بينك وبين أبوي في ليلة زي دي.”
هاشم لم يطرف له جفن، بل شد على يد سليم وقال لم أعهدها فيه من قبل:
-
فى ليله فرحىمنذ 58 دقيقة
-
حكايات زهرة 2منذ ساعتين
-
طليقتى 2منذ 4 ساعات
-
بنت عمى 1منذ 4 ساعات
“أنا ما بطلبش.. أنا أديت أمر. قدامك دقيقة، يا تطلعي معايا ونحفظ اللي باقي من كرامتنا، يا تقعُدي وتنسي إن كان ليكي زوج اسمي هاشم.”
التفتُّ لأبي، انهمرت دموعي وأنا أترجاه:
“يا بابا عشان خاطري.. هو مش في وعيه، ما تحلفش أنت كمان وتكتفني! دي حياتي وبيتي!”
لكن أبي، بجمود ابن الصعيد وكبرياء الأب الذي يُهان في عقر داره أمام الحضور، رد بصوت كالحجر:
ساد صمت أشد هولاً. القاعة كلها كانت .
ابني سليم بدأ يصرخ بين يد هاشم: “ماما! تعالي يا ماما!”.. كان الصوت أحشائي.
نظرت إلى هاشم، ثم إلى أبي، ثم إلى أخوي الذي كان ينظر إليّ بعينين مليئتين بالرجاء والذنب في آن واحد. استجمعت كل ما تبقى فيّ من قوة، وأخذت أركض نحو الباب.. ليس مع هاشم، ولا للبقاء مع أبي، بل أخذت على يد زوجي وأمسكت بها ناتفة:
“عشان خاطر سليم يا هاشم! ما تعملش فينا كده!”
لكن هاشم نفض يده من يدي ببرود قاتل، وسحب سليم خلفه، وخطا الخطوة الأولى خارج بوابة القاعة، وهو يلتفت إليّ بنظرة أخيرة قائلًا:
“الفرصة خلصت يا سارة.. أنتِ اخترتِ.”
تسمرت مقلتاي، وارتفعت شهقات الحضور. كنت أرى زوجي يبتعد بابني في ظلام الشارع خارج القاعة، وفي نفس اللحظة، سمعت صوت أبي يصرخ في القاعة بلهجة حاسمة:
“شغلوا دي جي! الفرح يكمل! محدش ينكد علينا!”
التفتُّ لأبي بأقدام ترتجف، وحاولت أن أقترب منه وأنا أبكي بحرقة: “يا بابا.. سليم مشي.. هاشم خد ابني وتطليقي رن في القاعة!”
لكن أبي أدار ظهره لي تماماً، وبصوت خالي من أي رحمة قال لأمي دون أن ينظر إليّ:
“خذي هانم وادخليها الأوضة جوة.. محدش يشوف وشها طول ما الفرح شغال، ومن بكرة ما تصرفش عليها مليم، دي اختارت تسيب راجل يهددنا في بيتنا.”
وجدت نفسي مدفوعة إلى غرفة العروس الخلفية، أسمع صدى أغانٍ صاخبة وزغاريد متكلفة تُقام في القاعة للتغطية على الفضيحة، بينما أنا قابعة في الزاوية، بثوبي الفاخر الذي تحول إلى كفن لزواجي.
ساعات المتبقية من الليل مرت كأنها دهور. انتهى الفرح، وغادر المعازيم، وبقت القاعة فارغة إلا من أضواء بسيطة. خرجت من الغرفة بخطوات ميتة، لأجد أبي وأخي يقفان عند المدخل.
أخي اقترب مني وعيونه ملطخة بالدموع: “أنا آسف يا سارة.. أنا السبب، مراتي غلطت وأنا كبرت .”
لكن أبي زجره بقسوة وقال له: “سيبها يا محمد! هي مش صغيرة، هي سكتت وما خدتش موقف يشرّف.” ثم وجه كلامه لي مباشرة بصوت كالجمر:
“بيتك اللي كنتِ عايشة فيه اتأفل خلاص، وأنا مش هسيبك على ذمة راجل طلقك بالثلاثة. من بكرة هرفع ليكي قضية طلاق ورؤية للولد.. بس طول ما أنتِ في بيتي، كلمتي هي اللي تمشي، ومفيش اتصالات ولا ترجي للراجل ده ثاني!”
جلست على الأرض في منتصف القاعة الخاوية، بين بقايا الفشار والورق الملون الملقى على الأرض، وأنا أخرج هاتفي ببدن يرتجف. فتحت الهاتف لأجد رسالة نصية وصلتني منذ دقائق معدودة من رقم هاشم.
فتحت الرسالة بحدقتين متسعتين، وكانت الحروف تقطر سماً:
“هدومك وهدوم ابنك هتكون عندك بكرة.. سليم هيعيش معايا ومع أمي، وأنتِ من اللحظة دي محرمة عليا كظهر أمي.. ومستني أبيكِ يفرّجنا هيعمل إيه!”
لم أستطع الصراخ، سقط الهاتف من يدي، وشعرت برأسي يدور، والقاعة تبدأ بالدوران من حولي، حتى أظلمت الدنيا تماماً وسقطت مغشياً عليّ فوق الأرض الباردة…
استفقْتُ على رائحة نشادر نفاذة تلسع أنفي، وأصوات همهمات مكتومة تدور فوق رأسي. فتحت عينيّ ببطء لأجد نفسي ممددة على أريكة جلدية في الغرفة الخلفية للقاعة، وأمي تجلس عند رأسي تبكي بصوت صامت، وتمسح وجهي بقطعة قماش مبللة بالماء البارد.
“سليم… ابني فين؟” كانت هذه أول كلمة نطق بها لساني، بصوت مبحوح .
أمي لم تجب، اكتفت بضم رأسي إلى صدرها وهي تنتحب: “يا حببتي يا سارة… حسبي الله ونعم الوكيل في اللي كان السبب، حسبي الله ونعم الوكيل.”
دخل أبي الغرفة بخطوات ثقيلة، كان وجهه متعباً وشاحباً، لكن نظرة العناد والقسوة لم تفارق عينيه. نظر إليّ وقال بنبرة صارمة لا تقبل النقاش: “قومي يا سارة، العربية مستنية برة. الفرح خلص، وكل واحد راح لحاله.”
سألته بأمل ضعيف وشفتين ترتجفان: “يا بابا… هاشم بعتلي رسالة، قال إنه هياخد سليم مني.. عشان خاطرك كلم هاشم، خليه يرجعلي ابني، أنا مش مهم أي حاجة ثانية، بس سليم صغير وميقدرش يبعد عني!”
انقبض وجه أبي وزأر بغضب هدر في الغرفة: “نسيتي إنه طلقك بالثلاثة قدام أمة لا إله إلا الله؟! نسيتي إنه مسح بكرامتي وكرامتك الأرض؟! ابنك هيرجعلك بالقانون، والصبح بدري هكون عند أكبر محامي في البلد. لكن ترجي واستعطاف للراجل ده… على جثتي!”






