روايات وقصص

حكايات زهرة 1

وصلنا بيت أبي في ساعات الفجر الأولى. الشارع كان هادئاً، والشقة التي كانت منذ ساعات تعج بالضحكات والزغاريد أصبحت الآن أشبه بمقبرة باردة. دخلت غرفتي القديمة، الغرفة التي تركتها منذ أربع سنوات لأنتقل إلى بيت زوجي. كل شيء فيها كان كما هو، لكنني لم أعد أنا نفس الشخص.

ارتطمت بجسدي على السرير بثوبي الممزق والملطخ بالمكياج والدموع، ولم أستطع النوم لثانية واحدة. كلما أغمضت عيني، أسمع صرخة سليم وهو يطير من على المسرح، وأرى نظرة القسوة في عيني هاشم وهو يجر الولد خلفه في الظلام.

مقالات ذات صلة

مع أذان الظهر، سمعت حركة غير عادية في الصالة. خرجت بخطوات متثاقلة لأجد أخي محمد يجلس على الكنبة ووجهه بين يديه، وأبي يتحدث في الهاتف بغضب عارم.

عندما رآني محمد، قام وسار نحوي بعينين حمراوين من كثرة البكاء وقال: “سارة… أنا رحت بيت هاشم الصبح عشان أتكلم معاه وأعقل الأمور، وأجيبلك سليم…”

سألته بلهفة وأنا أمسك بتلابيب قميصه: “وشفته؟ سليم عامل إيه؟ كان بيعيط؟ قالك عايز ماما؟”

هز محمد رأسه بأسى ونظر إلى الأرض: “هاشم ما رضيش يفتحلي الباب اصلاً يا سارة.. أمه وقفت ورا الباب المقفول وزعقت وقالتلي: ‘ابنكم ملوش ولد عندنا، وسارة مالهاش قعدة معانا ثاني، والقانون بيننا!’… وسليم كان جوة بيصرخ وبيعيط بصوت عالي جداً ويقول ‘عايز ماما’، وهم قافلين عليه!”

سقطت على ركبتي في منتصف الصالة، وجاءت أمي تحاول إسنادي، لكنني كنت أصرخ بلوعة أم حُرِمَت من ضناها: “يا رب! يا رب ماليش غيرك! ابني بيموت من الخوف جوة يا بابا… أرجوك أعمل أي حاجة!”

في هذه اللحظة، رن جرس الباب بدقات متتالية وقوية جعلت الجميع يتسمر في مكانه.

نظر أبي نحو الباب بنظرة توجس، ثم تحرك بخطوات سريعة وفتحه…

كان يقف عند الباب محضر من المحكمة، ويحمل في يده مجموعة من الأوراق الرسمية. تطلع المحضر في وجه أبي وقال بصوت جاف: “منزل الحاج عبد الجواد؟”

رد أبي بثبات متصنع: “أيوه أنا.. خير يا أستاذ؟”

أخرج المحضر الأوراق وقلم وقال: “اتفضل امضى هنا بالاستلام.. دي دعوى طلاق للضرر، مع إنذار بطاعة، ودعوى إسقاط حضانة للمدام سارة مقدمة من الأستاذ هاشم!”

صدمة جديدة نزل ثقلها على صدري لدرجة أنني لم أستطع التنفس. هاشم لم يكتفِ باليمين الذي ألقاه في القاعة، بل بدأ حرباً قانونية شرسة لإسقاط حضانتي عن سليم واتهامي بإهمال الولد وتعريضه للظرف الذي أدى لإصابته في الفرح!

أخذ أبي الأوراق بيد ترتجف من الشدة، ورزع الباب في وجه المحضر، ثم التفت إليّ والأوراق في يده، والشرار يتطاير من عينيه قائلًا:

“تمام يا هاشم… طالما دخلت القانون والمحاكم، يبقى أنت اللي جنيت على نفسك وعلى ابنك!”

نظر أبي إليّ وقال بصوت كالصفير: “اشهدي يا سارة… من اللحظة دي، مفيش صلح، ومفيش رجوع، والولد ده مش هتشوفيه إلا لما نكسر مناخير جوزك في المحاكم ونخليه يندم على اليوم اللي اتولد فيه!”

وقفتُ أتنقل بعيني بين أبي الذي يريد الانتقام لكرامته، وأوراق المحكمة التي تحرم أرقامها وبنودها أمومتي من طفلها الوحيد… وأنا أعلم تماماً أن هذه المعركة القضائية ستستمر لسنوات، وأن الضحية الوحيدة التي ستدهس تحت أقدام الجميع… هو سليم!

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى