روايات وقصص

حكايات زهرة 2

سألته بصوت خافت: “يعني إيه يا متر؟ هيقدر ياخد سليم مني بجد؟”

كنت أستمع إلى هذه المصطلحات الجافة، ودموعي تتساقط على مكتبه. كل مصطلح قانوني كان بالنسبة لي خنجراً يغرس في أوهام الحياة الزوجية التي عشتها. كيف تحول الحب، والكلمات الطيبة، والذكريات الجميلة إلى “نفقة بنوعيها” و”بدل فرش وغطاء”؟

مقالات ذات صلة

مرت الأسابيع الأولى كأنها دهور. صدر قرار نيابة الأسرة بإحالة طلب الرؤية إلى التنفيذ المستعجل. تم تحديد يوم الجمعة من كل أسبوع، لمدة ثلاث ساعات فقط، في “مركز شباب المنطقة”، لتكون هي النافذة الوحيدة التي أستطيع من خلالها رؤية ابني !

أول يوم رؤية كان يوم جمعة لا يمكن أن أنساه. أشرقت الشمس، وكنت صاحية منذ الفجر. أعددت ألعاباً جديدة لسليم، واشتريت له الشوكولاتة والعصائر التي يحبها، وارتديت أفضل ما لدي. ذهبت إلى مركز الشباب قبل موعد الرؤية بساعة كاملة. قعدت على كرسي بلاستيكي في الملعب الخماسي، وأنا أترقب البوابة بقلب ينبض بسرعة جنونية.

عند الساعة الثانية ظهراً، دخل هاشم من البوابة… كان يمسك بيد سليم.

عندما رأيت سليم، كادت روحي تطير من جسدي! قفزت من مقعدي وركضت نحوه وأنا أصرخ: “سليم! يا قلب ماما!”

الولد مجرد ما شافني، نفض يده من يد أبيه وركض نحوي بأقصى سرعة، وألقى بنفسه في أحضاني! التفت يداه الصغيرتان حول عنقي بقوة جعلتني أسقط على ركبتي فوق أرضية الملعب. أخذ يبلل وجهي بدموعه ويقول بصوت متقطع: “ماما! أنتِ مشيتِ وسبتيني ليه؟ تايتا بتقولي ماما مش بتحبك وراحت ومش هترجع ثاني! تعالي معايا البيت يا ماما!”

كنت أعتصره في صدري، أشم رائحته، أقبل يديه الصغيرتين وجبهته، والدموع تنهمر من عيني كالمطر: “لا يا حبيبي! ماما بتحبك أكتر من روحها! ماما عمرها ما هتسيبك يا سليم، هم اللي أخذوك مني يا قلب ماما!”

على بعد خطوات، كان هاشم يقف طويلاً، واضعاً يديه في جيبي بنطاله، ينظر إلينا بعينين خاليتين من أي رحمة. عندما رآني أضم الولد وأبكي، تقدم بخطوات بطيئة وقال بصوت جاف وساخر: “وفري التمثيل ده للمحكمة يا سارة.. الساعتين بتوعك هيعدوا بسرعة، والولد هيرجع معايا لبيته الصدق، مش لبيت أبوكي اللي خرب حياتنا.”

رفعت رأسي ونظرت إليه بغضب لم أعهده في نفسي من قبل، وقفت وأنا أتمسك بسليم خلف ظهري وقلت له بصوت مرتعش لكنه مليء بالتحدي: “أنت إيه؟ أنت معندكش قلب؟ معندكش دين؟ بتبعد عيل عن أمه عشان كبرياءك المزيف؟ عشان خناقة في فرح؟ ده أنت حلف بالطلاق قدام العالم كله ورعيت بيتك بإيدك، وجاي دلوقتي تحاربني في ابني؟”

اقترب هاشم مني خطوة، وانخفض صوته ليكون كالموسى: “أنا ما خربتش بيتي يا سارة.. أنتِ اللي اخترتِ أبوكِ وأخوكِ ورفضتِ تطيعي زوجك في لحظة كرامة. أنتِ اللي فضلتِ الزيطة والأغاني على بيتك. واللي تبيع جوزها في ثانية عشان كلمتين، ما تستاهلش تكون أم لابني!”

“أنت كذاب!” صرخت في وجهه والناس في مركز الشباب يلتفتون إلينا: “أنا اترجيتك! أنا مسكت في إيدك وبكيت قدام الناس كلها وقلتلك بلاش! أنت اللي عينيك كان فيها العمش من الغضب والشيطان كرك! أنت وأمك اللي استغليتوا الموقف عشان تنتقموا مني ومن عيلتي!”

تدخل موظف مركز الشباب والمحضر المتابع للرؤية وفضّا النزاع بيننا. مرت الساعتان كأنهما دقيقتان فقط. كان سليم يجلس في أحضاني، يأكل الحلوى بلهفة، وأنا أحكي له قصصاً وأمسح على رأسه، وأحاول أن أختزن رائحته وملامحه في ذاكرتي لتكفيني طوال الأسبوع القادم.

وعندما حانت الساعة الرابعة، أعلن الموظف انتهاء وقت الرؤية.

بدأ سليم بالصراخ والتوسل وهو يتمسك بملابسي: “لا يا ماما! مش عايز أمشي مع بابا! عايز أروح معاكي بيت تايتا!”

جاء هاشم وسحب الولد بتمرد وقسوة من بين يديّ. كان سليم يتلوى بين يديه ويصرخ، وأنا أقف مكتوفة الأيدي بالقانون! نعم، القانون كان يمنعني من أخذ ابني معي بعد انتهاء الساعتين! كانت هذه أقصى درجات العذاب النفسي؛ أن ترى ابنك يستغيث بك، والقانون يجبرك على ترك يديه ليرحل مع من حرمك منه!

خرجت من مركز الشباب وجسدي خاوي من الروح. عدت إلى البيت لأجد أبي بانتظاري، يسألني عن تفاصيل الرؤية، وعما إذا كان هاشم قد حاول مضايقتي. كنت أجيب بأجوبة مختصرة، وأدخل غرفتي لأغلق على نفسي الباب وأنفجر في البكاء.

في أحد أيام الجلسات المهمة في محكمة الأسرة، حضر أبي معي، وحضر هاشم ومعه أمه ومحاميه. كانت الجلسة مخصصة للنظر في دعوى “الطلاق للضرر” وطلب التمكين.

وقف محامي هاشم أمام القاضي وقال بصوت جهوري: “سيادة القاضي، موكلي لم يطلق جازماً، وإنما كان يمين لغو تحت تأثير الانفعال شديد بسبب اعتداء أهل المدعية على والدته المسنة في حفل زفاف! والمدعية هي التي تركت بيت الزوجية ورفضت العودة، ونحن نطلب  للتحقيق وندب حكمين للإصلاح!”

وهنا، وقف الأستاذ فاروق محامينا بصرامة وأخرج شريط تسجيل وفلاشة محمل عليها كامل لحفل الزفاف!

ساد الصمت في القاعة. أخذ القاضي الفلاشة والمستندات، ونظر إلى هاشم بحدة قائلًا: “هل حلت اليمين بالثلاثة فعلاً في القاعة يا أستاذ هاشم؟”

ارتبك هاشم، ونظر إلى محاميه بقلة حيلة، ثم قال بصوت خافت: “يا سيادة … كنت غضبان، وأهلها  أمي…”

خرجنا من قاعة المحكمة، وكان أبي يسير بقمة كبريائه وثقته، بينما كان هاشم وأمه يقفان في الممر والوجوم يكسو وجهيهما.

عندما مررنا بجانبهما، التفتت أم هاشم إليّ وقالت بصوت مليء بالحقد: “فرحانة يا سارة؟ فرحانة بخراب بيتك والمحاكم؟ فاكرة إنك كده كسبتِ؟ ابنك هيربى بعيد عنك، وهنخليه يكرهك ويكره عيلتك كلها!”

لكن القصة لم تنتهِ هنا.. بل أخذت منحىً أكثر خطورة وظلمة.

بعد أسبوعين من تلك الجلسة، وقبل صدور حكم التمكين بأيام قليلة، تلقت أمي مكالمة هاتفية في منتصف الليل من جارتنا القديمة في عمارة هاشم.

خلال دقائق، كانت سيارات الشرطة قد وصلت إلى المكان بصفاراتها . المأمور الجميع.. أبي، أخي محمد، وهاشم إلى مركز الشرطة!

بقية الليل في قسم الشرطة. كنت أجلس على مقعد خشبي بارد في الصالة الخارجية، بينما أبي ومحمد محتجزون في الداخل بتهمة الشغب والاعتداء، وهاشم يقدم المحاضر والتقارير الطبية ضدهم.

كانت هذه هي النقطة الأكثر قسوة وشؤماً في حياتي. أرى أبي الشيخ الكبير، وأخي الشاب في ليلة زفافه، محتجزين في القسم بسبب مشكلتي، وابني محبوساً في خاوية من العفش مع امرأة تحقد عليّ، وزوجي الذي أحببته يوماً ما أصبح عدوي الأول الذي يسعى لتدمير عائلتي بأكملها.

في الصباح، وبعد تدخل كبار العائلات والمحامين، تم الإفراج عن أبي ومحمد بكفالة مالية على ذمة التحقيق، بعد أن رفض هاشم التنازل عن المحضر إلا بشرط أن أتطوع بالتنازل عن كافة حقوقي المالية والقانونية!

خرج أبي من القسم وهو يترجل بصعوبة، جسده تعب ووجهه شاحب . لم يتكلم كلمة واحدة في طريق العودة. كان صمته أشد إيلاماً من أي غضب.

عندما وصلنا إلى البيت، دخل أبي إلى غرفته وأغلق الباب على نفسه. وبعد ساعات، خرج وهو يحمل في يده مكبر صوت صغيراً ومجموعة من الأوراق.

جلس على الكنبة، وطلب مني ومن أمي ومحمد أن نجلس أمامه.

نظر إليّ أبي بعينين ملئهما حزن عميق لم أره فيه طوال حياتي، وقال بصوت خفيض ومكسور: “يا سارة… أنا حاربت عشان كرامتك وكرامة عيلتنا.. حاربت لحد ما رجلي دخلت القسم، وسمعتي اتعفرت في الشوارع. هاشم بايع ، ومستعد يهد الدنيا فوق دماغنا ودماغ ابنه عشان ينفذ كلامه.”

ثم صمت قليلاً، والتفت ينظر في عيني قائلًا:

“النهاردة، المحكمة حددت جلسة النطق بالحكم النهائي في الطلاق والتمكين للأسبوع الجاي… الحكم ده إما هي رجعلك ابنك وبيتك ويثبت حقك، إما هيفجر حرب ثانية مش هنعرف نطلع منها سالمين. هاشم بيهدد إنه بيهرب بالولد برة البلد لو الحكم طلع لصالحك، وأنا مش هسمح بكسرة عين ثانية!”

وقف أبي، ورفع يده وشد على قبضته وقال بنبرة ملؤها التحدي الأخير:

“الجلسة الجاية يا سارة… هي جلسة الفصل. يا إما تطلعي منها منتصرة ورأسك في السماء وابنك في حضنك، يا إما الكابوس ده هيبتلعنا كلنا ومحدش فينا هيقوم له قائمة ثاني!”

تسمرت في مكاني، وشعرت برعب يسرق أنفاسي… الأسبوع القادم، قاعة المحكمة ستشهد الجلسة الحاسمة والأخيرة، الجلسة التي ستقرر مصير أمومتي، ومصير ابني سليم، ومصير العائلة بأكملها… فهل سينتصر العدل وحق الأم، أم أن قسوة هاشم وانتقامه سيكتبان نهاية أبدية لحياتنا؟

مرّ الأسبوع الفاصل وكأنه دهور من الانتظار القاتل. لم تذق عيني النوم، ولا عرف لساني طعماً أو الراحة. كان بيتنا في حالة استنفار تام؛ أبي ساعات الليل يتضرع إلى الله ويرتشف دواسه، ومحمد أخي يزرع الصالة جيئة وذهاباً بخطوات متوترة، وأنا قابعة في الزاوية، أحمل بين يدي لعبة صغيرة لسليم وأستحضر صوت صراخه وهو يستغيث بي في مركز الشباب وفي قسم الشرطة.

جاء يوم الجلسة الحاسمة. أشرقت الشمس بضياء باهت يلف القاهرة، وكأن السماء تشاركنا ثقل هذا اليوم. ارتديت عباءتي السوداء، وركبت السيارة مع أبي ومحمد والأستاذ فاروق المحامي. كان الطريق إلى مجمع المحاكم هادئاً بشكل ، لم ينطق أحد منا بكلمة واحدة، فالقلوب بلغت الحلاقيم، والأرواح معلقة بحكم سيصدر بعد ساعات.

دخلنا القاعة الكبرى في محكمة الأسرة. كانت مكتظة بالقضايا والمحامين، لكن عيني لم تلمح سوى شيء واحد.. هاشم، يمتد بجسده الصلب بجوار أمه ومحاميه في الجهة المقابلة. كان وجهه مشدوداً، وعيناه تحملان ذات التحدي ، أو شاغلاً لخطته القادمة.

نودي على : “رقم 4852 لسنة.. سارة عبد الجواد ضد هاشم الفولي!”

وقف الأستاذ فاروق بكل ثبات، وصعد إلى الدفاع، بينما تقدم محامي هاشم يحمل أوراق بيع الصورية ومحاضر قسم الشرطة.

بدأ محامي هاشم حديثه بصوت مرتفع، يحاول التأثير على هيئة المحكمة: “يا سيادة القاضي! المدعى عليها وأهلها سلكوا مسلك بلطجة وتهجم على موكلي في بيته! وتسببوا في تلفيات ، وموكلي لبيع لسداد ديونه. ونطلب رفض دعوى التمكين ، وإلزام الزوجة ببيت الطاعة!”

هنا، وقف الأستاذ فاروق، ونظر إلى المنصة بنبرة وثوق ووقار اهتزت لها القاعة:

“سيادة القاضي المحترم.. إن ما يقدمه دفاع المدعى عليه هو محض التفاف مفضوح على القانون والتفاف أكبر على الفطرة والإنسانية! موكلي زوجة صانت بيته أربع سنوات، وحفظت غيبته، حتى كانت ليلة زفاف أخيها الوحيد.. الليلة التي حوّلها المدعى عليه إلى ! ألقى عليها يمين الطلاق بالثلاثة جهراً أمام مئات الحضور، ونزع منها طفلها الرضيع ليستخدمه كأداة ضغط وابتزاز كرامة أبيها!”

ثم رفع فاروق ملفاً أحمر واثقاً وقال:

جلس فاروق، وساد صمت خنوق في القاعة. تنحنح القاضي، ونظر في الأوراق ملياً، ثم حوّل بصره نحو هاشم وأمه، ثم نحوي ونحو أبي. رفعت يدَيّ إلى السماء، وكانت تنزل صامتة، أردد داخل قلبي: “يا رب.. يا رب سليم.. يا رب ما تحرمنيش من ابني ثاني.”

طرق القاضي بمطرقته الخشبية ثلاث طرقات هزت أركان القاعة، وقال بصوت جهوري حاسم:

“حكمت المحكمة حضوزياً:

أولاً: بتثبيت وقوع الطلاق البائن بينونة كبرى بين المدعية سارة عبد الجواد والمدعى عليه هاشم الفولي.

ثانياً: إلزام المدعى عليه بتسليم الطفل سليم فوراً لأمه المدعية، وثبوت حضانتها المطلقة له.

رابعاً: إلزام المدعى عليه بكافة المستحقات المالية والنفقة بنوعيها وأجر الحضانة منذ تاريخ امتناعه، وتكليف محضر النيابة بالتنفيذ الجبري للطفل في حال الامتناع!”

طرق القاضي المطرقة للمرة الأخيرة، وقام من مقعده!

في تلك اللحظة، تعالت الصرخات في القاعة! سقطت أمي التي كانت تنتظر بالخارج على ركبتيها تدعو، واحتضنني أخي محمد وهو يبكي بحرقة: “حقك رجع يا سارة! حقك وحق سليم رجع بالقانون!”

أما أبي، فقد وقف شامخاً، ونظرت إليه لأجد دمعة شريفة واحدة انحدرت على خده، أسرع ومسحها بيده، ثم انحنى وقبّل رأسي وقال بصوت يرتجف من التأثر: “رفعِتِ رأسي يا بنتي.. وما كسرناش كلمتنا ولا سلّمنا في حقك.”

على الجانب الآخر، تجمد هاشم في مكانه كأنه صنم من حجر! كانت أمه تصرخ وتلطم خدودها، ومحاميه يضرب كفاً بكف ويقول له: “قلتلك الموضوع قفش.. الحكم الجبري نافذ من بكرة!”

اقترب هاشم مني بخطوات ثقيلة، كانت عيناه مليئتين بالهزيمة والمرارة، ولأول مرة أرى في عينيه كسرة الكبرياء التي حاكمني بها طوال أشهر. قال بصوت خافت ومكسور: “كده يا سارة؟ بعتِ كل حاجة ودمرتِ بيتنا للمحاكم؟”

نظرت في عينيه بثبات لم أعهده في نفسي قط، وقلت له بنبرة هادئة وقوية:

“أنا ما دمرتش بيتي يا هاشم.. أنت اللي بعته عشان يمين غضب وعناد أرعن في فرح أخويا. أنت اللي اخترت تهد حيتنا وتجرجرنا في المحاكم وتستغل ابني. بالقانون أخذت حقي، وبإنسانيتي مش هحرمك من رؤية ابنك زي ما حرمتني.. بس من النهاردة، أنت بالنسبة لي صفحة وانطوت للأبد.”

كنت أقف في سيارة أخي بأسفل العمارة، وقلبي يخفق بأعلى سرعة. وبعد دقائق معدودة، رأيت باب العمارة يفتح.. وخرج منه المحضر يمسك بيد سليم!

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى