روايات وقصص

جوزى 2

الكاتبة امانى السيد

قام وقف، وطق طق صوابعه بغيظ، وبص لباب الأوضة المقفول وقال بصوت واطي حاقد: “ماشي يا mريم.. بعتيني الهوا وخلتيني فرجة لأهلي وناسي؟ وحياة حرقة دمي دي ما هعديهالك.. البيوت المقفولة ياما بتشيل، واليومين دول هيعدوا، وترجعي تحت إيدي تاني.”

الصبح جه، والحياة برة البيت مكنتش زي جوة.طاهر نزل المحل، وأول ما دخل، لقى نظرات العمال متغيرة. محمود أخوه دخل وراه، وقفل باب المكتب، وبص له بنظرة حادة وقاله: “أنت صغرتنا النهاردة قدام الحريم يا طاهر. أمك قافلة على نفسها الأوضة من امبارح ومقاطعة الزاد، بتقول ولدي كسر كلمتي عشان خاطر مراته. أنت إيه اللي جرى لعقلك؟”

مقالات ذات صلة

طاهر بلع الإهانة، مكنش قادر يقول لمحمود إنه كان خايف من الفضيحة، فقال وهو بيجز على سنانه: “يا محمود، أنا قولت اللي يرضي ربنا.. وميرضيش حد إننا نظلم ولية.”

محمود سابه وخرج وهو بيقول بقلة حيلة: “براحتك يا ابن أبويا، بس اللي يطاطي للحريم، يستحمل مرارهم.”

أما عند مريم، فالوضع كان different تماماً.أبوها جاعلها البيت العصر، شايل في إيده شنطة فاكهة ووشه منور ومبسوط. دخل وسلم على بنته وباس راسها وقال بدموع: “أنا نمت امبارح يا مريم وأنا حاسس إن أمك الله يرحمها راضية عني. طاهر جالي لحد عندي ووطى على راسي، والبلد كلها عرفت إن بنتي غالية وست الستات. أنا كنت قاسي عليكي يا بنتي، بس الخوف من كلام الناس كان عا ميني.”

مريم طبطبت على إيد أبوها وقالت بنبرة راضية: “متقولش كده يا أبا، أنت فوق راسي، والحمد لله إن الحق ظهر.”

مرت الأسابيع، وطاهر كان بيحاول يرجع هيبته في البيت باي طريقة.بدأ يرجع لأسلوبه القديم بالتدريج؛ يدخل البيت يرمي الحاجه، يتلكك على شكل الأكل، يزعق للواد الصغير من غير سبب، وعينه دايماً على مريم، مستني منها غلطة، أو لفتة ضعف عشان يرجع يكسر عينها تاني ويعوض الكسرة اللي عاشها.

وفي ليلة، طاهر دخل البيت لقى مريم قاعدة بتأكل الواد.حدف الجلابية بتاعته في الأرض وزعق: “إيه القرف ده؟ أنت مش شايفة الهدوم وسخة؟ ولا خلاص شفتي نفسك علينا بعد قعدة الدوار؟”

مريم حطت معلقة الأكل من إيدها بالراحة. بصت له بمنتهى الثبات، ومقامتش تجري تجيب الهدوم زي زمان، ولا بكت.قامت وقفت، ومشت لحد ما بقت قدامه، وبصت في عينيه مباشرة وقالت: “طاهر.. أنت لسه متعلمتش الدرس؟”

هو رجع خطوة لورا من غير ما يحس، وصوته هدي سنة: “درس إيه وزفت إيه؟ أنا الراجل هنا، واللي أقوله يمشى.”

مريم ابتسمت نفس الابتسامة الباردة وقالت: “الراجل اللي كان هيموت من الخوف من دفتر فاضي؟ طاهر.. أنا لما رجعت معاك، رجعت عشان ابني وعشان أبويا، ورجعت وأنا عارفة إنك مش هتنظف من يوم وليلة. أنت فاكر إنك لو تزعق تزعق وتفتري تاني، الناس هتصدقك؟ أنت نسيت إنك روحت للدوار وقدام أهلك كلهم قولت إنك كنت بتتبلى عليا؟ وروحت لأبويا وبست راسه وقولت إنك كنت كداب؟”

قربت منه خطوة كمان، وكملت بصوت واطي ومسموع: “الناس دلوقتي لو سمعتك بتشكي مني تاني، مش هيقولوا مريم مهملة.. هيقولوا طاهر علوان اتجنن، يوم يقول مراتي شريفة ويوم يقول حرامية. أنت بايدك حطيت نفسك في خانة الكداب قدام البلد كلها.. يعني أي كلمة هتقولها عليا بعد كده، هترد في وشك أنت.”

طاهر حس كأن حد ضربه قلم فّوقه على الحقيقة المريرة.مريم لوت دراعه بالحق وبشهادته هو على نفسه! هو اللي حرق كروته كلها بإيده لما اعترف قدام الناس، وبقى أسير للـ “الصورة” الجديدة التي رسمها بنفسه عشان يداري على فضيحته.

مريم وطت، شالت الجلابية من الأرض، حطتها في إيده بمنتهى الأدب، وقالتله: “اغسل وشك يا أبو علي، وعينك متجأرش في البيت ده تاني.. عشان المركب تمشي، والناس تفضل شيفاك راجل.”

سابته ودخلت تكمل تآكيل ابنها، وطاهر فضل واقف في الصالة، باصص للجلابية اللي في إيده.. عرف ليلتها إن مريم مكسرتوش وبس، دي قفلت عليه القفص، ورمت المفتاح في البحر، ومبقاش قدامه غير إنه يعيش معاها بـ “الأصول”.. الأصول التي عاش عمره كله يهرب منها.

طاهر دخل الحمام، فتح الحنفية على آخرها ونزل بوشه في المية الساقعة، كان بيحاول يطفي النار التي بتاكل في نفوخه. المية كانت بتنزل وهو بيفتكر كلامها.. “حطيت نفسك في خانة الكداب”. الكلمة دي كانت بتلف في دماغه زي الساقية. مريم قفلت عليه كل السكك، حتى سكة الشكوى اللي كان عايش عليها وعامل بيها راجل برة البيت، اتسدت.

خرج وهو بينشف وشه، وبص لسرير ابنه علي اللي نايم في غطاه، وبص لمريم اللي كانت بتلم الأطباق بهدوء وثقة تخوف. لقى نفسه بيقول بصوت مخنوق من الوجع والغل: “أنتي مابقتيش بني آدمة يا مريم.. أنتي بقيتي حجر. مفيش في قلبك حنية لراجل عاش معاكي خمس سنين؟”

مريم لفت وشها، حطت الصينية على التربيزة، وبصتله وعينها لأول مرة تدمع، بس مكنتش دموع ضعف، كانت دموع قهر قديم تصفى حساباته.قالتله بصوت واطي وموجوع: “والخمس سنين دول كنت فين أنت من الحنية يا طاهر؟ لما كنت ببات عياط وأنت نايم بتشخر جنبي؟ لما كنت بشوف أهلك بيلقحوا عليا الكلام وتضحك وتزيد عليهم؟ لما خليت أبويا الراجل العجوز يبصلي بنظرة عار وهو مش مصدق إن بنته تمد إيدها على مال مش بتاعها؟ أنت اللي موت الحنية بإيدك يا ابن علوان.. يوم ما قررت تبيع لحمي عشان تشتري بيه هيبة كدابة وسط الناس.”

مسحت دمعتها بسرعة قبل ما تنزل على خدها، وكملت: “أنا مابقتيش حجر.. أنا بقيت الوش اللي أنت صنعته.. فـ ارضى بـ صنع إيدك.”

الشهور عدت، والمنيا كلها بقت تتناقل سيرة “بيت طاهر وعمرانه”.الحاجة توحيدة أمه لما لقت ابنها مبقاش يجي يشكي، ولما لقت مريم بتدخل الدوار وراسها في السماء، وإخوات طاهر بيعملوا لها ألف حساب، بدأت تنسحب بالتدريج. الستات في البلد بقوا يقولوا: “مريم بنت مرزوق طلعت أصيلة، وطاهر مبيقدرش يستغنى عنها، ده كان غضبان يومين والشيـطان عمى عينه ورجع لعقله.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى