روايات وقصص

حكايات ميرا

​شحبت صوفيا أكثر حتى بدت كأنها ستسقط. نظرت للخلف نحو ليلى:
​— «ليلى… ادخلي أوضتك فورًا.»
​— «بس يا ماما، البيه الكبير جابني في العربـ—»
​— «ادخلي يا ليلى!»
​صوت صوفيا الحاد جعل الطفلة تهرول نحو الغرفة وتغلق الباب بخفوت.
​استدارت صوفيا لمحمود، ويدها ترتجف على مقبض الباب وهي تحاول إغلاقه في وجهه:
​— «امشي من هنا. امشي قبل ما أطلب الشرطة.»
​وضع محمود يده الضخمة على الباب يمنع إغلاقه بحركة واحدة لم تتطلب منه أي جهد، لكن صوته خرج منخفضًا، مشبعًا بضغط كتمه لست سنوات:
​— «هي عندها خمس سنين يا صوفيا… اتولدت في تمنتاشر مارس.»
​تجمّدت صوفيا.
​أكمل محمود وهو يخطو خطوة واحدة للداخل، ليجبرها على التراجع:
​— «ليلى بنتي؟»
​انهمرت الدموع من عيني صوفيا أخيرًا، ليس ضعفًا، بل قهرًا. رفعت رأسها بحدّة وقالت بصوت متهدج:
​— «لأ! مش بنتك! أنت راجل مالكش حد، مالكش غير الشغل والعنف والدم! أنت طردتني من حياتك وقلت لي إني مجرد تسلية… فاكر؟ جايلنا دلوقتي ليه؟ عشان تسأل عن حسابات قديمة؟»
​— «كنت بحميكي!»
​صرخ بها محمود لأول مرة، ليعود الصمت أثقل من ذي قبل.
​تنفس بصعوبة، واقترب منها خطوة أخرى، وعيناه تفيضان بألم لم تره فيه من قبل:
​— «عربية أختي اتضربت بالرصاص في نفس الأسبوع اللي سبتك فيه. كانوا هيقتلوكي يا صوفيا… لو كانوا عرفوا إنك كل حاجة بالنسبة لي، كانوا استخدموكي حبل دارشنق حوالين رقبتي.»
​صوفيا هزت رأسها بنفي، وهي تمسح دموعها بقسوة:
​— «ماتحاولش تلعب دور البطل دلوقتي. الكلام ده فات عليه ست سنين! أنا بنيت حياة من غيرك، وربيت بنتي لوحدي… مش محتاجة حمايتك، ومش محتاجة شفقتك.»
​— «شفقتي؟»
​سحب محمود مظروفًا أسود سميكًا من داخل معطفه ووضعه على الطاولة القريبة من الباب.
​— «أنا ما طردتكِش من الشغل. الشركة اللي كنتِ شغال فيها كُتبت باسمك من أسبوعين… المدير التنفيذي اللي طردك كان بيحاول ينظف المكان قبل ما تستلمي الإدارة، وهو دلوقتي في السجن.»
​فتحت صوفيا عينها بذهول.
​أكمل محمود وهو ينظر نحو باب غرفة ليلى المغلق:
​— «صاحب العمارة مش هيطلب إيجار تاني… لأن العمارة دي، والشارع ده، والمدينة دي كلها، ملك بنتي ابتداءً من النهاردة.»
​تراجعت صوفيا خطوة، لكن محمود تقدم ونظر في عينيها مباشرة، بنبرة حاسمة لا تحتمل النقاش:
​— «تقدر تكرهيني زي ما انتِ عايزة… ده حقك. بس من اللحظة دي، محدش هيخلي صوفيا تنام جعانة عشان تأكل بنتي… ولا حتى انتِ.»
ساد الصمت الشقة الضيقة، يتخلله فقط صوت أنفاسهما المتسارعة.
​صوفيا كانت تحدق في المظروف الأسود الملقى على الطاولة وكأنه قنبلة موقوتة. كلماته الأخيرة كانت تتردد في أذنيها بصدى مرعب… كيف عرف؟ كيف عرف أنها كانت تتضور جوعاً لتطعم ليلى؟
​رفعت عينيها إليه، وكان الغضب ينضب ليحل محله شعور أعمق وأكثر إيلاماً: العجز.
​— «أنت فاكر إن الفلوس والمباني تقدر تشتري السنين اللي فاتت؟» همست صوفيا وصوتها يتهدج. «فاكر إنك لما تشتري العمارة هتمسح كل ليلة ليلى سألتني فيها: هو بابا فين؟ وكل مرة اضطريت أؤلف فيها قصة خيالية عن بطل مسافر عشان ما أقولهاش إن أباها سابنا؟»
​غمض محمود عينيه لثانية، وكأن كلماتها كانت طعنات حقيقية تخترق صدره. الرجل الذي لم يهتز أمام أعتا رجال المافيا، كان الآن يتراجع خطوة صغار أمام امرأة واحدة.
​— «أنا ما أقدرش أرجع الزمن يا صوفيا…» قال بصوت خفيض وداكن. «بس أقدر أحمي اللي فاضل منه.»
​قبل أن تتمكن صوفيا من الرد، فتح باب الغرفة ببطء. خرجت ليلى وهي تطبق على أرنبها القماش، نظرت إلى الاثنين بفضول بكر، ثم مشت بخطوات بطيئة نحو محمود.
​رفعت رأسها وقالت ببرصانة طفولية:
— «أنت هتخلي ماما تعيط تاني؟»
​انحنى محمود على ركبته فوراً، لتصبح عيناه في مستوى عينها. لأول مرة في حياته، طأطأ رأسه أمام أحد.
​— «أنا جيت هنا عشان أضمن إن ماما ما تعيطش أبداً تاني يا ليلى.»
​بصت ليلى لأمها، ثم بصت لمحمود وقالت بسذاجة:
— «طب أنت ليه مش عندك جزمة مطر صفرا زيي؟ المطرة بره جامدة.»
​ابتسامة خفيفة، نادرة ودافئة، ارتسمت على شفتي محمود. مد يده ولمس شعر الطفولة الأشقر برفق شديد، وكأنه يخشى أن تنكسر إذا لمسها بقوة.
​في هذه اللحظة، اهتز هاتف محمود في جيبه الداخلي. أخرجه ورد بسرعة دون أن يبعد عينيه عن ليلى.
​— «اتكلم يا سليم.»
​جاءه صوت رئيس حراسته عبر الهاتف، مضطرباً وعلى غير العادة:
— «يا فندم… فيه مشكلة. رجالة (فيسكاري) عرفوا إنك خرجت من القصر لوحدك ومن غير حراسة مشددة. عربيتين سود من بتوعهم لسه داخلين الشارع اللي فيه عمارة الأنسة صوفيا.»
​تغيرت ملامح محمود في ثانية. اختفت الدفء تماماً، وحلت محله القسوة الساطعة التي تخشاها المدينة بأكملها. وقفت قامة محمود الحادة كالسيف.
​نظرت إليه صوفيا بخوف مفاجئ، فقد عرفت هذه النظرة جيداً: الحرب بدأت.
​— «محمود… فيه إيه؟»
​محمود ما ردش عليها. مشي ناحية الباب، قفله بالمفتاح من جوه، وطلع مسدسه الشخصي من تحت الجاكيت، وسحبه بحركة سريعة ومتقنة.
​بص لصوفيا بعينين زي الصلب:
— «خدِي ليلى وادخلوا الأوضة الجوانية… واقفلوا الباب.»
​— «محمود!!» صرخت صوفيا وهي بتسحب ليلى لوراها.
​بص لها محمود للمرة الأخيرة قبل ما يقف ورا الباب مباشرة، وقال بنبرة هادية بشكل يرعب:
— «قلت لك من ست سنين إن أعدائي خطر عليكِ… النهاردة هيفهموا إنكم خط أحمر، واللي بيقرب من خطوطي… بيموت.»
ثوانٍ معدودة كانت تفصل بين الصمت المطبق وبين دويّ الانفجار الذي هزّ الشقة.
​لم يكن انفجاراً حقيقياً، بل كان صوت تحطم زجاج نافذة الصالة بفعل رصاصة اخترقت الستائر. ارتمى محمود جانباً بحركة لا إرادية من “محمود الموريتّي” المعتاد على حروب الشوارع، دافعاً طاولة خشبية صغيرة أمام باب الغرفة التي اختبأت فيها صوفيا وليلى، لتكون درعاً إضافياً.
​— «صوفيا! ما تطلعيش تحت أي ظرف!» صرخ محمود، وصوته لم يعد ذلك الصوت الرقيق الذي خاطب به ليلى، بل صوت رجل لا يرحم.
​خارج الشقة، سمع صوت وقع أقدام ثقيلة على السلم الخشبي. لم يعد الاختباء خياراً.
أخرج محمود هاتفه، ضغط زرًا واحدًا، وقال بصوت حاد:
— «دلوقتي يا رجالة. الشارع محاصر.»
​في تلك اللحظة، ركل أحدهم باب الشقة. الخشب المتهالك لم يصمد طويلاً أمام القوة، واندفع رجلان ملثمان، سلاحهما موجه نحو الداخل.
​لم يمنحهما محمود فرصة للتصويب.
ببرود قاتل، خرج من وراء أريكته. أطلق رصاصتين بدقة جراحية جعلت سلاحي المهاجمين يسقطان من أيديهما قبل أن يدركا ما حدث.
​الرجل الأول سقط أرضاً متلوياً من الألم، بينما تجمد الثاني في مكانه، مدركاً – بعد فوات الأوان – من هو الرجل الذي يقف أمامه.
— «الموريتّي…» همس الرجل برعب، وهو يرى نظرات محمود التي لم تعد تحمل أي أثر للإنسانية.
​اقترب محمود منه بخطوات بطيئة، لا يكترث للرصاصات التي كانت تصطدم بالجدران خلفه من الخارج، حيث بدأ رجاله بالوصول للشارع والاشتباك مع باقي أفراد عصبة فيسكاري.
​أمسك محمود برأس الرجل وضغط بيده على جرحه:
— «مين اللي بعتك؟ فيسكاري؟ ولا واحد من كلابي اللي فاكرين نفسهم أذكيا؟»
​الرجل لم ينطق. كان يرتجف.
في تلك اللحظة، فُتح باب الغرفة ببطء شديد. خرجت صوفيا، وجهها شاحب كالموت، وعيناها اتسعتا حين رأت الدماء على الأرض ومحمود واقفاً كالوحش الكاسر وسط الفوضى.
​رأت ليلى التي كانت تحاول النظر من وراء فستان أمها، فصرخت صوفيا:
— «ليلى! ارجعي!»
​لكن الأوان كان قد فات. ليلى رأت “البيه الكبير” الذي كانت تظن أنه بطل حكايات، وهو يمارس عنفه الذي لم تره من قبل.
تلاقت عيون محمود مع عيون صوفيا. في تلك اللحظة، سقطت نظرة القسوة من عينيه، وحلت محلها نظرة انكسار مريرة. أدرك أن صورته في عيون ليلى – وفي عيون صوفيا – قد تحطمت للأبد.
​رمى الرجل على الأرض، ثم استدار بظهره، غير آبه بالخطر، وكأنه ينسحب من الحياة كلها.
— «خلاص…» همس محمود لرجاله الذين اقتحموا الشقة لتأمين المكان. «خلصوا عليهم، بس ما تخلوش ولا نقطة دم تلمس ريحة الباب ده.»
​مشى محمود نحو صوفيا، لكنه توقف على مسافة مترين، وكأنه يخشى أن تلوثه المسافة التي تفصل بين عالمه وعالمها.
— «دلوقتي عرفتي…» قال محمود بصوت مبحوح، وهو ينظر للأرض. «عرفتي ليه سيبتك. العنف ده مش “صدفة” في حياتي، العنف ده هو حياتي.»
​نظر لصوفيا، وكانت نظراتها تحمل صدمة ممزوجة بألم غامض.
— «أنا جيت النهاردة عشان أصلح كل حاجة، بس طلعت بسد طريقكم للخطر أكتر.»
​أخرج من جيبه مفتاحاً ذهبياً ووضعه على الطاولة المكسورة.
— «ده مفتاح “الملاذ”. مكان محدش يعرفه غيري. في حقيبة فيها كل الأوراق اللي تحتاجوها لتبدؤوا حياة جديدة تحت اسم تاني، في بلد تانية.»
​صوفيا اقتربت منه خطوة، صوتها كان هادئاً بشكل مرعب:
— «وأنت؟»
​ابتسم محمود ابتسامة حزينة، وهو يسمع سيارات الشرطة التي بدأت تقترب من الحي.
— «أنا؟ أنا عندي حسابات قديمة لازم أصفيها يا صوفيا… عشان ما يفضلش في حياتكم ولا عدو واحد يهددكم.»
​استدار محمود ليمشي نحو المخرج، لكن ليلى، ببرائتها المفرطة، ركضت نحوه وأمسكت بطرف معطفه الملطخ بالغبار.
​— «أنت ماشي؟» سألت ليلى بدموع في عينيها.
​توقف محمود. لأول مرة في حياته، كان قلبه ينبض بإيقاع لم يعرفه من قبل. جثا على ركبتيه، لمس وجه ليلى بيده التي كانت ترتجف قليلاً، ثم نظر لصوفيا:
​— «ليلى… لو سألتك فين بابا، قولي لها إنه كان راجل حاول يعمل حاجة صح مرة واحدة في حياته… ونجح.»
نهض محمود ببطء، وعيناه معلقتان بوجنتيكِ المغرورقتين بالدموع، قبل أن يلتفت نحو صوفيا التي كانت تقف كتمثال من رخام، عاجزة عن الكلام، تتصارع في داخلها مشاعر الغضب السليم مع خوف جديد لم تعرفه من قبل: الخوف عليه.
​أفلتت يد ليلى من معطفه ببطء شديد، وكأنها لحظة بترٍ لأي أمل باقي في حياة طبيعية. خطى محمود نحو الباب المكسور، حيث كان رجاله قد أمنوا الممر بالكامل، والهدوء الشاحب يعود للمكان ليغطي على أزيز الرصاص الذي تلاشى.
​وقبل أن يضع قدمه خارج العتبة، جاءه صوت صوفيا، حاداً، مكسوراً، ولكنه ثقيل بالمعنى:
​— «محمود!»
​توقف في مكانه دون أن يلتفت.
​— «أنا مش هسافر… ومش هغير اسمي. لو كنت عاوز تحمينا بجد، ارجع.»
​حبس محمود أنفاسه. لم تكن هذه كلمات امرأة خائفة، بل كانت أمرًا صريحًا من المرأة الوحيدة التي ملكت قلبه.
​— «لو مشيت دلوقتي وسيبتنا لوحدنا في اللعبة دي… تبقى ما حميتناش يا محمود. تبقى هربت.»
​صمت محمود لثوانٍ كانت أطول من السنين الست التي مضت. النظرة القاسية التي ارتكب بها كل أخطائه عادت لتتحول إلى ثبات مختلف تماماً. فتح عينيه، واستدار ببطء ليواجهها.
​بص لرجاله المع واقفين في الممر وقال بنبرة قاطعة:
— «سليم… الشارع يتمشط في خمس دقائق. مش عاوز لمح من فيسكاري يفضل عايش في المدينة دي بعد غروب الشمس. المافيا دي بتنتهي النهاردة.»
​ثم التفت إلى صوفيا، واقترب منها حتى أصبحت الفجوة بينهما مجرد ذكريات قديمة تُطوى. رفعت صوفيا رأسها، ولأول مرة منذ سنوات، لم ترَ في عينيه “الموريتي” القاتل… بل رأت محمود، الرجل الذي أحبته والوالد الذي حُرمت ابنتها منه.
​انحنى محمود وأمسك بفيشة الهاتف الأرضي الملقى على الأرض، ثم مسح الدماء الخفيفة عن يده بقميصه، ونظر إلى ليلى التي كانت تراقبه بفضول طفولي.
​— «أنا مش ماشي يا ليلى…» قال بصوت واثق وهو يجثو أمامها مجدداً، «وهنروح نجيب جزمة مطر صفرا مقاسك مظبوط… وهنصلح الباب ده سوا.»
​نظرت ليلى إلى أمها، فابتسمت صوفيا بين دموعها وهي تهز رأسها بالإيجاب.
​أخذ محمود نفسًا عميقًا، وهو يشعر لأول مرة منذ سنوات أن الأرض أصبحت ثابتة تحت قدميه. الحرب لم تنتهِ بعد، وأعداؤه في الخارج ما زالوا يتربصون، لكنه هذه المرة لن يحارب ليهرب أو ليختبئ خلف الأسوار… سيحارب وهو يحمي عائلته أمامه، وليس خلفه.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

مقالات ذات صلة
3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى